كشفت أزمة الهبوط الدراماتيكي لأسعار النفط في العالم، أغطية كثيرة كانت تخفي تحتها (الغباء السياسي)، لقادة ومسؤولين في عدة دول، لاسيما المتأخرة منها، ومن بينها العراق الذي أهدر قادته السياسيون فرصاً من الصعب تعويضها، بسبب العجز السياسي الذي يكبّل عقولهم وبصائرهم، لاسيما أنهم - كما أثبتت الوقائع والأدلة - يتحلّون بشراهة لا نظير لها، بخصوص التعامل مع الامتيازات والمنافع والاستحواذ، أما اذا تحدثنا عن مسلسل الإهدار المنظَّم والعشوائي للمال العام، فإنه حتما لا يقل أذى وخطورة عن مسلسل تضييع الفرص المذكور.

فعندما كان يبلغ سعر البرميل الواحد من النفط اكثر من 100 دولار امريكي، وكان العراق يصدّر يوميا ملايين البراميل، ويحصل على عائدات ضخمة تتمثل بمليارت الدولارات، كانت تبلغ الميزانية السنوية اكثر من مئة مليار سنويا، بل قُدَّرتْ ميزانية العام الماضي (التي أُلغيت من الوجود!) بـ 150 مليار دولار، بسبب الكميات الضخمة من النفط المصدَّر الى دول العالم، ولكن كل هذه الاموال الضخمة، - والتي كانت تشكل فرصة ذهبية لبناء العراق القوي المدني من حيث المعمار والفكر وسواهما-، تم التعامل معها بغباء لا مثيل له، وتم اهدار الاموال لدرجة أن مليارات الدولارات الضخمة، ضاعت هباءً، ويمكن أن نقول، لقد تم إهدارها بلا مقابل.

واليوم بعد وصول برميل النفط الى ما يقرب من 30 دولارا امريكيا، بفارق هبوط يتجاوز الـ 70 دولارا، بدأ السياسيون في العراق يدركون او ربما لم يدركوا بعد!.. فداحة الخسائر التي تعرض لها البلد بسبب السياسة القاصرة، فعندما كانت الاموال مبذولة وكبيرة وضخمة، لم يفكر هؤلاء او بعضهم، باليوم الاسود! الذي قد يواجه العراق والعراقيين مستقبلا، وها هي اسعار النفط تهبط بطريقة (لا معقولة، مقصودة ومحسوبة كما يقول مراقبون)، لكنها كانت متوقعة، فكشفت غباء القادة السياسيين الذين لم يفكروا بمثل هذا اليوم، أو أنهم ليس بمستوى المسؤولية الوظيفية والاخلاقية والشرعية التي تؤهلهم، كي يصبحوا قادة له، فيستثمرون أمواله الضخمة، من اجل حاضر مؤمَّن من الافلاس ومستقبل يليق بالأجيال القادمة.

لكن السياسيين العراقيين لم يفكروا بقضية واحتمالية هبوط اسعار النفط!، مثلما اهملوا خطورة السياسة الاقتصادية الريعية التي انتهجوها منذ عشر سنوات، فجعلوا من العراق وشعبه بلدا يعتمد في وجوده وإدامة حياته وصنع حاضره ومستقبله على تصدير النفط فقط، ولم يرد في عقولهم إقامة مشاريع اقتصادية اخرى، تصنع روافد اخرى للموارد تساعد النفط، وتصب في صالح البلد وتجعله اقل اعتمادا على مصدر أوحد للإيرادات، كما هو الحال الآن مع النفط، علما ان الجميع يعلم، وأولهم السياسيون بأن هذه السلعة - النفط- معرضة للنفاذ في المستقبل، لذا ليس من الصحيح ولا المعقول، أن تبقى المصدر الوحيد لإدامة حياة العراق والعراقيين، مع ذلك ظلّت سياسة تضييع الفرص ليس في المجال السياسي وحده، ولا في المجال الامني (داعش تسيطر على مدن كبيرة من البلد، وخلافات متأججة، وعقبات كثيرة اخرى)، ولا في المجال الاقتصادي والتعليمي والصحي، بمعنى مسلسل تضيع الفرض يشمل جميع مجالات الحياة العراقية، بسبب العجز والغباء السياسي.

وليس أدّل على حجم هذا العجز والتقاعس والانحراف، مما يتعرض له العراق الان من ازمة اقتصادية، يحاول بعض السياسيين تحميل أعبائها على كاهل الفقراء من أصحاب الدخل المحدود كالموظفين ومستحقي رواتب الرعاية الاجتماعية، والبطالة، وشريحة المتقاعدين، لدرجة ان بعض السياسيين لا يستحي ولا يخجل، من التصريح باقتطاع جزء من هذه الرواتب القليلة أصلا، فيما لم يتطرق احدهم بخصوص امتيازاتهم ومخصصاتهم التي أثقلت كاهل الميزانية المالية لسنوات عديدة، وكأن مسلسل الفساد المستمر لا يكفي لملء جيوبهم ومضاعفة أرصدتهم في البنوك المحلية والعالمية، فضلا عن أملاكهم الاخرى، كل هذا حدث ويحدث الآن في خضم أزمة مالية تعصف بكثير من الدول، واكثرها عرضة للضرر العراق الذي أهدر سياسيوه فرصا قد لا تتكرر للبناء والتطور والاستقرار.

أما البحث عن الحلول، فإن الحل الاول يكمن في القضاء العجز والقصور في العمل والتفكير السياسي أولا، ثم الشروع بكل الخطوات الاجرائية التي تكبح جنون الامتيازات التي يشرعها السياسيون لأنفسهم، فضلا عن الحاجة الماسة لاسترجاع جميع الاموال المهدورة بالفساد والسرقة والاختلاس، ولابد من إطلاق محاكم خاصة، يمكن أن تسمى بـ (محاكم القضاء على الفساد)، تصدر أوامرها القضائية القانونية باسترجاع تلك الاموال المسروقة بشتى طرق الاحتيال والاختلاس، ويمكن الاستفادة من تجارب دول اخرى في هذا المجال، كان ينخر جسدها الفساد، واصبحت بفضل قادة اذكياء واصحاب إرادة قوية وقانون قوي وفاعل، خالية من الفساد والمفسدين، وهذا ما نحتاجه الآن في العراق كطريقة ناجعة لتحقيق البناء الأمثل في المجالات كافة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1