بحسب الخبراء والمهتمين في علم النفس والاجتماع، فإن حياة الانسان ماضية نحو التعقيد، على الرغم من أن فرص التقدم سوف تتضاعف وتزداد، وسوف تحل الآلة، والروبوتات بصورة متصاعدة محل الكثير من الاعمال التي يقوم بها الانسان، فعلى سبيل المثال، أظهر شريط فديو تم نشره في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا، يُظهر فريق عمل يعود لشركة مختصة بالبناء، قام هذا الفريق العجيب بانجاز عمارة من 30 طابقا عموديا، في مدى 5 يوما، وهناك من حاول تقليص هذا الزمن الى أقل من ذلك.

وهناك تقدم في المجال التقني على نحو مذهل، ومع ذلك يسير الانسان بحسب العلماء المختصين، نحو تعقيد الحياة أكثر، فما العمل اذاً، وكيف نحد من تصاعد ونمو هذا التعقيد، وكيف نحافظ بطريقة متوازنة بين التقدم المطلوب، والمحافظة على حياة غير معقدة، إننا في الحقيقة نحتاج الى إنسان ذي نظرة إيجابية بمقدورها أن تحول الطاقة البشرة بأنواعها الى منتج يسهم في بناء حياة مناسبة، لا تمت الى التعقيد بصلة، وهو أمر ممكن التحقيق بطبيعة الحال وفق اشتراطات معينة.

اذاً يحتاج المجتمع الى صنع قيم جديدة تدعم القيم الجيدة الموجودة في المجتمع أصلا، كي يكون بمقدورها مواجهة بعض القيم السلبية المتماسكة مع بعضها بقوة، لدرجة يصعب التفريق بينها، فهناك قيم تزيد من صعوبة حياة الانسان، وتجعله دائم اللهاث في دوامة البحث عن المادة، لدرجة أنه يتحول الى آلة، او الى ما يشبه الكائن الذي يستعبده الزمن، وحاجيات الحياة المعاصرة، وما يضاعف من فرص التعقيد، أن الانسان ينسى نفسه في هذا الدوامة، ويكون اكثر سلبية وضعفا من غيره.

إن الانسان السلبي غالبا ما يكون مكبلا بسلسلة من القيم الرديئة التي تبدو متماسكة مع بعضها مثل السلسلة الحديدية، وكأنها حلقة تقود الى أخرى، ترتبط بها وتسندها أيضا، فنجد أن كثيرا من الظواهر المساعدة على نشر السلبية تتحد مع بعضها، كي تضاعف من الظواهر المتخلفة، وهنا قيم من هذا النوع تسود المجتمع العراقي، مفادها وهدفها، صنع حالة من اليأس، والركون الى العجز والفشل التام، وعدم بذل المزيد من الجهد والمحاولات العملية المخطط لها، لتطوير الذات، والمهارات الفردية والجمعية، من اجل الوصول الى تأسيس، وبناء وتطوير منظومة فكر وسلوك متطورة، يتبناها المجتمع عن وعي وإيمان وثقة وقناعة تامة، ولكي يتم نبذ المظاهر المتأخرة علينا بصنع البديل الأفضل والملائم.

تهرّب الانسان من مسؤولياته

من اصعب الظواهر التي تنتشر في المجتمعات المتأخرة، هي ظاهرة تهرب الناس من مسؤولياتهم، حتى الأب يتهرب من مسؤوليته تجاه ابنه، فصلا عن القائد السياسي الذي لا يقوم بأعماله كما ينبغي تجاه الشعب، فم أبسط المسؤوليات الى أصعبها، هناك حالة واحد ورابط مشترك هو التهرب من المسؤولية.

لذلك ينبغي أن يكون هناك تخطيط مدروس لمواجهة الظواهر السلبية، حيث يحتاج هذا الهدف الواسع العريض المعقد، الى جهد كبير مدروس و منظَّم، لا يكتفي بجهد فردي، أو حتى بجهود مجموعة أفرد، بل ينبغي أن يكون عملا جماعيا، ذا سمات قوية متماسكة، يسندها جهد حكومي منظماتي كبير ومتواصل، فالقضاء على القيم المتخلفة، وترسيخ القيم البديلة لها، يعد من أصعب الاهداف التي تسعى إليها الدول والمجتمعات، وقد بذلت الدول التي تتربع الان على قمة التقدم، والتطور والاستقرار، الجهود الاستثنائية والكبيرة المتواصلة، حتى تصل الى ما وصلت إليه الآن، من نتائج باهرة في مجال صناعة القيم وترسيخها على المستويين المادي والفكري، ولن يتحقق هذا من دون بذل المزيد من الجهد الفكري المنظم والتنفيذ العملي الدقيق على الأرض، أي تحويل خطط الفكر الى عمل منجز يتم مشاهدته واقعا قائما بنفسه.

وقد نبّه العلماء والخبراء الى هذه المشكلة، ونعني بها مشكلة عجز الانسان عن المشاركة الفعالة في انجاز المنتج الجماعي، وعدم حصر تفكيره في الفوائد والمنافع الفردية حصرا، فالملاحظ على الشعب العراقي بداية من الطبقة السياسية، أنهم يميلون الى انجاز الاعمال التي تدر عليهم فوائد مادية ذات طابع فردي او عائلي او حزبي، وهذه مشكلة تقود الى مشاكل معقدة وكبيرة، لذلك يجزم العلماء والمعنيون، أن الشعوب التي ارتقت ناصية العلم والتقدم، تخلت بصورة تامة عن الفوائد المرتبطة بالذات على حساب الجماعة.

نعم من حق الفرد أن يبدع في انتاجه المادي والفكري، ولكن ينبغي مراعاة الجماعة في اطار التطلعات الفردية، فحينما نبحث في سلوكيات وافكار المجتمعات المتطورة، فإننا لا نجد للقيم المتخلفة، وجودا، أو تأثيرا فيها إلا ما ندر، لأنها تعي خطورة، ظاهرة التهرّب من المسؤولية في معالجة الاخطاء وهي صغيرة او في بدايتها، حتى يسهل القضاء عليها، كذلك تعي تلك الشعوب خطورة اشاعة روح اليأس، وعدم القدرة على التصدي للمسؤولية كما يجب، لذلك يتم تدريب الافراد منذ الصغر على مواجهة المواقف الصعبة، بصورة عملية متدرجة، كي يكون بمقدورهم اكتساب خبرات تساعدهم على المواجهة.

أهمية التشريعات الرادعة

كذلك هناك تشريعات قانونية رادعة لمثل هذه الأفعال الفردية البائسة، بل توجد منظومة عرفية تمنع او تواجه هذا النوع من الظواهر التي تضاعف من تعقيد حياة الناس، وقد تميل بهم الى الرؤية السلبية التي تقود بدورها الى نتائج رديئة جدا، إنها في الحقيقة مشكلات واخطاء تقضي على كل ما يتمتع به الانسان من مواهب، وطاقات وقدرات، فتحارب المجتمعات المتطورة حالة اليأس، وهي في مهدها، لذلك لا نجد بينهم انسانا يقول يحاول التهرب من مسؤوليات إلا ما ندر، وكأنه مسلوب الارادة تماما، كذلك لا يوجد في تلك الشعوب المتطورة، حضورا لمنطق التبرير، أو الاسلوب الذرائعي التبريري، الذي يلجأ إليه الافراد والجماعات التي تعتمد قيم التخلف، فتستميت من أجل أن تبرر افعالها، وافكارها وآرائها المتخلفة، حيث الانجاز يتقدم على التخلي عن الانتاج، والتهرب من مواجهة المسؤولية باصرار كبير على القيام بالدور المنوط بالانسان.

لذا من الأفضل مواجهة الأخطاء وهي صغيرة، وعدم السماح لها بالاستمرار، يتم ذلك عبر المواجهة العلمية العملية الدائمة، فهي مسألة متابعة ومراقبة واصرار على مواجهة الظواهر والمشكلات التي تزيد من تأخر الفرد والمجتمع، لذلك توجد عوامل وخطوات تصب في طريق المعالجات الصحيحة، فيما لو أرادت وقررت الجهات المعنية، إطلاق مبادرة للقضاء على الظواهر السلبية:

ومن أهم هذه الخطوات التي ينبغي تبنيها وتفعليها والشروع بها، أهمية توافر الارادة الشاملة، لتحقيق هذا الهدف من خلال اتفاق المعنيين، على اطلاق مشروع ثقافي تربوي مجتمعي، يهدف الى اطلاق مشروع النهوض بقيم التقدم، ومقارعة قيم التخلف، فيتم تكوين اللجان المتخصصة بذلك، كي تضع الخطوات الفكرية والتربوية والعملية لمشاريع دائمة الحضور، تمتد لتشمل مكونات وفئات المجتمع كافة، من خلال عمل منظّم ومبرمج، مدعوم بخطوات إجرائية، وتخطيط وتمويل حكومي متواصل له، يسهم بصورة فعالة في ادامة الجهود كافة، وصولا الى الهدف الذي يساعد الفرد والمجتمع معا على العبور من ساحة التأخر، الى ساحة الانطلاق والتقدم والمعاصرة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0