لا يماري أحد في العراق على نزاهة علماء الدين ومراجع التقليد منذ الايام الاولى لتأسيس الدولة العراقية، ثم مواكبة العملية السياسية آنذاك في العهد الملكي، مروراً بالتجارب الجمهورية، ثم التجربة الديمقراطية الاخيرة، مثلت الحوزة العلمية – وما تزال- ضمير الشعب وآماله، وصمام أمان أمام التحديات الماحقة داخلياً وخارجياً. وقد تميّزت العلاقة بين جماهير الشعب والمرجعية الدينية، بالصدق والايمان، والسر في ذلك، تورعهم عن فكرة السلطة والهيمنة والاستئثار. وهي الحقيقة التاريخية التي أكدها سماحة المرجع الديني الامام السيد محمد الشيرازي – قدس سره- الذي عُرف بريادته الساحة الاسلامية لعقود طويلة من الزمن.

هنالك اسباب عديدة وراء التميّز في هذه العلاقة، نذكر منها:

1- العطاء ثقافياً وفكرياً فضلاً عن الجانب الديني. فكان أي ابتعاد للعلماء عن الساحة، تتضح معالمه في منطقة فراغ كبيرة في الوسط الاجتماعي يستشعرها الناس، بيد أن مساعي السلطة كانت حثيثة للتمويه على هذا الفراغ، بالخديعة والتضليل تارةً، وبالحديد والنار تارة اخرى، بغية الانفراد بالساحة وإيهام الناس بأن حزب السلطة وشعاراته وافكاره هي الاجدر برسم خارطة طريق لحياة الناس، في مأكلهم ومسكنهم وعملهم وكل حركاتهم وسكناتهم. وهذا ما أثبت فشله الذريع لسبب بسيط واحد، أن كل العطايا والامتيازات التي صدرت من السلطة، تحولت الى دماء ودمار وفوضى اجتماعية وأمنية وخسارة لا تقدر في الحاضر والمستقبل.

2- وحدة الصف والعمل على التماسك الاجتماعي، وهو ما تفتقره ايضاً أحزاب السلطة، كونها تنطلق اساساً من فكرة الاستئثار بالسلطة لفرض ايديولوجيتها الخاصة على جماهير الشعب، وتسيير الدولة بأكملها وفق نمط تفكيرها. لذا فان الشعب المكون من فئات مختلفة، تكون في السلّم الادنى من الاولوية، ومبدأها في ذلك "من يتقرّب اكثر يحصل اكثر". بينما المرجعية الدينية تنطلق من فكرة الامة الواحدة، والشعب العراقي جزءاً منها، وعندما يتحقق النجاح في العراق، فانه نجاح في جزء هام من كيان الامة. لذا نجد الدعوة الى مفاهيم وقيم مثل التكافل والتعاون والتسامح والقبول بالآخر وتحمل المسؤولية تجسيداً للحديث النبوي الشهير: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

3- الوقوف على مسافة واحدة من جميع فئات المجتمع، وهذه من الخصائص المعروفة لعلماء الدين نظراً لمنطلقاتهم الحضارية التي ترى في كل فرد في المجتمع جزءاً مؤثراً فيه، فالفلاح والعامل والطالب والتاجر والعالم والكاسب البسيط وغيرهم، جميعاً ذوي شأن في تشكيل المجتمع والدولة. بالمقابل نجد التفاعل والتجاوب من هذه الفئات مع أية بادرة او اطروحة فكرية او ثقافية وحتى سياسية، ولا أدلّ على التجربة الديمقراطية – السياسية الراهنة في اعقاب الاطاحة بنظام صدام، ثم التجربة العسكرية بالوقوف سداً منيعاً أمام التمدد السريع لجماعة "داعش" بعد احتلال الموصل واجزاء كبيرة من شمال وغرب العراق.

هذه الميزات والخصائص هي التي تحفظ الساحة من نقاط الفراغ التي ربما تؤدي الى الفوضى ومزيد من تعقيد المشاكل، كما من شأنها ان تقود البلد الى بر الأمان. ولكن...! ليس بالعصا السحرية والمعجزة. إنما بتفعيل هذه الخصائص نفسها وغيرها.

ان تجربة العلاقة بين المرجعية الدينية والجماهير العراقية حققت نجاحاً منقطع النظير عندما أحسّ الجميع بالخطر الماحق من الخارج متمثلاً بجماعة "داعش"، وفي الوقت الحاضر فان التجربة بحاجة الى تقدم خطوة اخرى الى الامام من خلال تحسس الخطر الداهم على الصعيد الداخلي، وهذا يحتاج الى اصطفاف جميع الشرائح والمكونات في المجتمع خلف المرجعية الدينية على أنها ذات تأثير كبير في تحقيق الامن والاستقرار في البلاد على الاصعدة كافة.

بمعنى أن المرجعية الدينية تحتاج اليوم الى وقفة الكاسب والتاجر في السوق والعامل والفلاح والموظف، كما تحتاج ايضاً على وقفة العلماء في المؤسستين الاكاديمية والدينية، الى جانب المثقفين والعسكريين، وايضاً جميع تشكيلات المجتمع المدني من نقابات مهنية واتحادات طلابية وجمعيات ثقافية واجتماعية، للخروج بخطّة موحدة ومتكاملة للخروج من هذه المحنة.

هكذا اصطفاف ليس من المثالية بشيء، بدليل التصور الايجابي والامل الكبير الموجود لدى جميع هذه الشرائح والتشكيلات إزاء المرجعية الدينية، وهي بحد ذاتها تعد نعمة عظيمة وفرصة كبيرة للنجاح. تبقى الارادة للتحرك والعزيمة على العمل بجد لتحمل مسؤولية التغيير الشامل. واذا نرى فشل محاولات الحل لمشاكل مستعصية منها مشكلة الفساد، فان السبب يكمن في عدم الاجماع تحت راية واحدة لمحاربة هذا الفساد او تلك المشكلة والازمة، الامر الذي يجعل العراق في دوامة الفوضى والاستنزاف الى أمد غير معلوم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0