وعي الجماهير بحقوقها يؤدي الى تفعيل سلطة الأفكار والرقابة وتقويم "فكرة السلطة" الحاكمة، يتطلب هذا الانتقال مأسسة الأفكار الحسينية وتحويلها إلى أدوات تساهم في إنتاج ثقافة سياسية رشيدة، المسؤولية في إعادة قراءة المنجز الحسيني بلغة العصر، وتحويل مفاهيمه إلى آليات عمل تدعم التحول الديمقراطي، وتعزز الحوكمة، وتجعل من سلطة الأفكار...

عقد مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية ملتقاه الفكري في مقر مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام تحت عنوان " عاشوراء وبناء الوعي السياسي: من فكرة السلطة إلى سلطة الأفكار"، بمشاركة عدد من مدراء مراكز دراسات بحثية، وأكاديميين، وإعلاميين، اعد الورقة البحثية وقدمها الباحث في المركز الاستاذ حيدر عبد الستار الاجودي، وابتدأ حديثه قائلا:

"لا يمكن مقاربة حركة النهضة الحسينية في عام 61هـ بوصفها مجرد حدث تاريخي استثنائي أو واقعة تراجيدية محصورة في إطارها الزمني والجغرافي، إنها في جوهرها الفلسفي والفكري، تمثل تحولا وجوديا عميقا في مسار الفكر السياسي والإنساني والإسلامي.

تتجلى عبقرية هذه النهضة في قدرتها على نقل الوعي الجمعي من أسر "فكرة السلطة" القائمة على أدوات الإكراه المادي وهندسة الخوف والتسلط الهيكلي، إلى رحاب "سلطة الأفكار" القائمة على القيم الأخلاقية، والعدالة، والمشروعية المبنية على الكرامة الإنسانية.

المحور الأول: تفكيك ثنائية فكرة السلطة وسلطة الأفكار

لفهم استراتيجية هذه الثنائية، يجب أولا تفكيك المفهومين ومقاربتهما في سياق الفلسفة السياسية الحديثة وتطبيقاتها التاريخية:

فكرة السلطة: تعرف في الأدبيات السياسية الكلاسيكية (من ماكيافيلي إلى ماكس فيبر) بأنها القدرة على احتكار أدوات الإكراه المادي، وفرض الإرادة والسيطرة المؤسساتية، لكن خطورة هذه الفكرة تكمن في قدرتها على إنتاج التزييف. ففي العهد الأموي، تحولت "فكرة السلطة" إلى مجموع كلي يدمج بين القهر المادي (السيف) والتشويه المعرفي، وهي أداة للهيمنة المطلقة، والاستعلاء الطبقي، وتزييف الوعي الجماهيري عبر توظيف البنى القبلية واستغلال النص الديني لتبرير الجور، حيث عملت السلطة الاموية على تسويق أطروحة لاهوتية مفادها أن وجودها يمثل "قدر الله النافذ" الذي لا تجوز معارضته، مستغلين نصوصا مجتزأة لترسيخ الجبر السياسي وجعل المجتمع في حالة شلل إرادي كامل.

اما سلطة الأفكار: فأن هذه الرؤية تلتقي مع أطروحات الفيلسوف غرامشي حول "الهيمنة الثقافية المضادة"، حيث تصبح الأفكار والمبادئ الأخلاقية هي المحرك الأساسي للتغيير، متجاوزة عجز القوة المادية العابرة، إن سلطة الأفكار تعني امتلاك القوة الناعمة والجاذبية الأخلاقية التي تجعل الجماهير تتبنى التغيير طواعية مدفوعة بالوعي الذاتي لا بالخوف من العقاب والتنكيل.

في عاشوراء، تصادمت القوتان: قوة مادية غاشمة تمثل "فكرة السلطة" المتجردة من الشرعية الأخلاقية، وقوة قيمية استشهادية تمثل "سلطة الأفكار" المتمثلة في مبادئ الحق، والحرية، والعدالة الاجتماعية. ورغم الانكسار العسكري المؤقت، الا ان "سلطة الأفكار" انتصرت على المدى الاستراتيجي والتاريخي، وتحولت دماء الشهداء إلى وقود لإنتاج وعي سياسي مستدام.

المحور الثاني: تفكيك الوعي الزائف

إن من أبرز إنجازات النهضة الحسينية هو نجاحها في تفكيك البنية المعرفية للوعي الزائف الذي حاولت السلطة الحاكمة تسويقه وفرضه عبر أجهزتها الدعائية والآيديولوجية، تمثل هذا التفكيك في عدة أبعاد رئيسية:

1- تحطيم قدسية الحاكم المستبد: كانت السلطة القائمة تحاول إضفاء غطاء غيبي مقدس على سلوكها السياسي المنحرف لضمان اذعان الامة، الى حين جاء خروج الإمام الحسين (عليه السلام) ليعيد ردم الفجوة بين النظرية والتطبيق، وتعريف العلاقة بين الحاكم والأمة؛ موضحا أن الحاكم ليس ظل الله في الأرض إذا انحرف عن قيم العدل، بل هو خادم للعقد الاجتماعي والشرعية الرسالية.

2- دحض التحريف العقائدي: لقد واجهت النهضة الحسينية منظومة دعائية معقدة عميت بسببها عقول الكثير من العوام عن حقيقة الثورة، وفي هذا السياق الفكري، يشخص المرجع الراحل آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي بقوله: "لقد جاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهاده حجة قاطعة تعلن عن بطلان ذلك التحريف الأموي، وتكشف زيف تلك الانحرافات العقائدية التي أشاعها بنو أمية بين المسلمين، ودليلا رصينا على إبداء الصورة الناصعة للدين الإسلامي". إن هذا الكشف المعرفي الذي قاده الإمام الحسين (عليه السلام) يمثل نقطة التحول الأساسية؛ حيث أسقط اللاهوت السياسي المزيف الذي يربط طاعة الحاكم الجائر بطاعة الله، وأثبت للوعي العام أن السلطة تفقد غطاءها الشرعي بمجرد انحرافها عن بوصلة العدل وسقوط أهليتها الأخلاقية.

3- إحياء مبدأ المسؤولية المجتمعية: في الفلسفة الوجودية وسياسات القوة، يفترض الفيلسوف جورج هيجل في "جدلية السيد والعبد" أن الصراع بين طرفين ينتهي بسيادة الطرف المستعد للمخاطرة بحياته، وعبودية الطرف الذي يستسلم لغريزة البقاء خوفا من الموت.

هنا، استخدمت السلطة الأموية "الموت" كأداة إكراه قصوى لإخضاع الأمة وصناعة حالة "الاستقالة السياسية"، لكن الإمام الحسين (عليه السلام) قلب هذه الجدلية عندما أعاد تعريف الموت وتجاوز غريزة البقاء المادي لصالح البقاء القيمي بقبوله الاستشهاد الواعي وقال: لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما، بإسقاط الخوف من الموت، جرد الامام الحسين السلطة من أداة إكراهها الأساسية، فتحول العبد إلى سيد مطلق على مستوى الأفكار، وتحول السيد المادي إلى أسير لأفعاله وجنايته التاريخية.

4- تأسيس فقه المقاومة المدنية: كانت نهضة عاشوراء حركة إصلاحية واعية ومنظمة ومحسوبة الأبعاد السياسية، وضعت الحركة الأسس النظرية والعملية لرفض بيعة الإكراه "ومثلي لا يبايع مثله"، مما أسس لمفهوم دستوري معاصر هو (مشروعية المعارضة)؛ أي حق الأمة في سحب الاعتراف من النظام الحاكم عندما تنهار شرعيته الوظيفية والأخلاقية.

المحور الثالث: المفهوم الحسيني للسلطة

تطرح القراءة المعاصرة لعاشوراء رؤية متكاملة حول ماهية السلطة السياسية ومقاصدها، إن السلطة في المنظور الحسيني هي أداة وظيفية وأخلاقية محددة الأهداف والغايات وليست امتيازا غنيميا، ويمكن تلخيص هذا المنظور في النقاط التالية:

1- الإصلاح الشامل كمرتكز للمشروعية: لخص الإمام الحسين (عليه السلام) الهدف الأسمى لحركته في قوله الشهير: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي". هنا تصبح السلطة أو السعي لتغييرها مشروعا فقط إذا كان يهدف إلى الإصلاح البنيوي (السياسي والاقتصادي والاجتماعي)، وليس لتحقيق مكاسب فئوية أو نخبوية ضيقة.

2- إقامة الحق وإماتة الباطل: في الحوارات التي سبقت الواقعة، كان التركيز الحسيني منصبا على غياب معالم العدالة: "ألا ترون أن الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه"، تصبح السلطة هنا فاقدة لمبرر وجودها إذا تحولت إلى مظلة لحماية الفساد وهدر الحقوق العامة.

3- صيانة الكرامة الإنسانية: إن شعار "هيهات منا الذلة" لم يكن مجرد شعار حماسي، بل هو قانون أساسي في الفلسفة السياسية الحسينية، يضع هذا المفهوم كرامة الإنسان وحريته كخط أحمر لا يمكن للسلطة السياسية تجاوزه تحت أي مبرر أمني أو اقتصادي، فالسلطة التي تسحق كرامة مواطنيها تفقد شرعية البقاء أخلاقيا ودستوريا.

المحور الرابع: آليات التحول المعاصر

كيف يمكن للمجتمعات المعاصرة والمؤسسات الفكرية تحويل النموذج العاشورائي إلى برامج عمل لبناء الوعي السياسي الحديث؟.

وعي الجماهير بحقوقها يؤدي الى تفعيل سلطة الأفكار والرقابة وتقويم "فكرة السلطة" الحاكمة، يتطلب هذا الانتقال مأسسة الأفكار الحسينية وتحويلها إلى أدوات تساهم في إنتاج ثقافة سياسية رشيدة، وذلك عبر الآليات التالية:

1- الانتقال من السكونية إلى الحركية: فالاستفادة من الجاذبية الوجدانية الاستثنائية لعاشوراء وتوظيفها لإنتاج محتوى فكري وثقافي ينمي قيم المواطنة الصالحة، ومكافحة الفساد، وتعزيز النزاهة، وسيادة القانون.

2- تعزيز التفكير النقدي: إن حركة عاشوراء كانت في جوهرها ثورة نقدية ضد الواقع المنحرف، مما يتطلب بناء الوعي السياسي تنشئة الأجيال والنخب على تحليل وتفكيك الخطاب السياسي الرسمي، وإيقاظ الفكر النقدي، ورفض التبعية العمياء، والتمييز بين المبادئ الحقيقية والشعارات البراقة التضليلية.

3- تغليب المصلحة العامة وترسيخ السلم الاهلي: قدمت كربلاء أعلى نماذج التضحية بالذات والمصالح الشخصية من أجل إنقاذ الأمة وصيانة مستقبلها، هذا الدرس يمثل حجر الزاوية في بناء السلم الأهلي وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الولاءات الفرعية (الطائفية، والحزبية، والقبلية).

إن المسؤولية الملقاة على عاتق النخب الأكاديمية والباحثين تتجسد في إعادة قراءة المنجز الحسيني بلغة العصر، وتحويل مفاهيمه إلى آليات عمل تدعم التحول الديمقراطي، وتعزز الحوكمة الرشيدة، وتجعل من "سلطة الأفكار" الحامية الحقيقية للمجتمعات ضد أي ارتداد نحو الديكتاتورية أو الجهل السياسي.

وبعد استكمال طرح الورقة تم طرح السؤالين التاليين:

السؤال الأول: ما هو مفهوم السلطة السياسية، وكيف تكتسب شرعيتها في الحكم؟

السؤال الثاني: كيف تخلق عاشوراء وعيا سياسيا بالمفهوم الحسيني للسلطة وغاياتها؟

المداخلات

بين مأزق الأسر الطائفي وتحديات التطبيق العملي

- د. خالد العرداوي/ مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

يأخذنا هذا الموضوع إلى أبعاد فلسفية واسعة؛ إذ تتباين وجهات النظر وتختلف الرؤى بخصوص السلطة تبعا لاختلاف المدارس الفكرية والأيديولوجية: المدرسة الإسلامية تنظر إلى السلطة برؤية معينة وخاصة بها، المدرسة الماركسية والقومية تمتلك كل منهما منظورا مختلفا تماما في تفسير السلطة، وينظر الفكر الاستبدادي ذو الخلفية الأيديولوجية الاستبدادية إلى السلطة بطريقته الخاصة، وتقدم الفلسفة الديمقراطية مقاربة مغايرة تماما لطبيعة السلطة وممارستها.

إذا ما تكلمنا عن السلطة في الوقت الحاضر، وتحديدا ضمن فضاء تحكمه الحرية والتعددية، يمكننا تعريفها بأنها القدرة المشروعة على إصدار القرارات وتنفيذها في المجتمع، وحتى تكتسب هذه السلطة مشروعيتها، فإنها تحتاج إلى مرتكزات متعددة؛ فالمشروعية تعني استناد السلطة إلى منظومة قانونية محددة تبرر وجودها؛ إذ كيف يمكن لمجموعة من الأشخاص فرض أوامرهم على فرد هو جزء من هذا المجتمع؟.

من هنا، يبرز العقد الخفي بين السلطة الحاكمة والمجتمع، ويتطلب هذا العقد توفر الشرعية القائمة على رضا المجتمع وقبوله بهذه السلطة التي احتكرت العنف والقوة المشروعة، واحتكرت سلطة اتخاذ القرارات وتنفيذها، ويقودنا ذلك إلى ركن أساسي آخر وهو وجود المؤسسات؛ إذ ينبغي أن تكون السلطة سلطة مؤسسات لا سلطة أفراد، وهو ما يعرف في المنطق الحديث للدولة بـ "دولة القانون والمؤسسات"، وتلك هي الرؤية التي تبنتها المدرسة الليبرالية في النظر إلى السلطة.

إن القوة ركن مهم من أركان وجود السلطة؛ فالسلطة العاجزة عن تنفيذ قوانينها تعاني من عيب بنيوي يفقدها مبرر وجودها، وهنا نقصد القوة الممارسة من خلال المؤسسات؛ فحتى في الأنظمة الديمقراطية، لا يمكن للديمقراطية أن تنجح دون وجود حكومة قوية.

ومن هذا المنطلق، تختلف مصادر الشرعية؛ فمن منظور المهتمين بالمدرسة الليبرالية، تستند شرعية السلطة إلى سلطة الشعب باعتباره مصدر السلطات، ومتى ما غاب رضا الناس ولم يكن الشعب هو المصدر، أصبحت السلطة غير مشروعة.

وفي المقابل، تختلف هذه الرؤية في المدرسة الفكرية الإسلامية، فهي ترى أن السلطة تكتسب مشروعيتها من الدستور الإلهي، وبالتالي فإن الشعب ما عليه إلا تنفيذ التعليمات الإلهية، وهو أمر يظل محلا للاختلاف.

بالانتقال إلى ما ورد في الورقة البحثية حول أن "النهضة الحسينية قد نزعت الشرعية عن الحاكم الظالم"، فإنني أرى أن هذا الطرح يفتقر إلى الدقة؛ والدليل على ذلك أنه بعد أكثر من مئة وخمسين عاما (وتحديدا في نهاية القرن الثاني الهجري)، جاء أحمد بن حنبل ليقرر قاعدة: "من اشتدت وطأته وجبت طاعته"، لقد استمر هذا الفقه ممتدا عبر القرون وما زال فقه "طاعة ولي الأمر وإن كان ظالما" موجودا ومؤثرا إلى يومنا هذا، حيث يوجب طاعة الحاكم حتى في حال ظلمه.

إن المشكلة الأساسية تكمن في أن النهضة الحسينية بقيت مقيدة بحدود النظر الطائفي داخل الطوائف الإسلامية؛ فاليوم نجتمع ونتحدث عن النهضة الحسينية، لكننا لا نجد هذا الاهتمام أو الحديث يمر ببال المجتمعات الاخرى في السعودية، أو باكستان، أو المغرب العربي، أو مصر، باستثناء التفاتات عابرة أحيانا في سياق الاحتجاج أو الاستدلال الفقهي المحدود.

لقد حددت النهضة الحسينية في العالم الإسلامي وبقيت أسيرة النظرة الشيعية التي تعاملت معها بوصفها مشروعا شيعيا لإدارة السلطة، وهذا التقييد حال دون عبورها إلى بقية الطوائف الإسلامية، والأديان، والثقافات الأخرى.

ولاحظوا هنا مفارقة، انتشرت الأفكار الماركسية وظهرت أحزابها، وانتمى إليها أفراد من كل الطوائف الإسلامية، ودافعوا عنها حتى صعدوا المشانق من أجلها، وظهرت الأفكار القومية وانتمت إليها أيضا مختلف الطوائف الإسلامية ودافعت عنها. وهذا يطرح تساؤلا جوهريا: ما الذي جعل المسلمين ينتمون لأفكار من خارج بيئتهم ويدافعون عنها (سواء نجحت تلك المشاريع أم فشلت)، في حين لم يحدث الأمر نفسه مع النهضة الحسينية؟.

أعتقد أن المشكلة تكمن في داخل الشيعة أنفسهم؛ إذ لم ينجح الشيعة في تحويل أفكار ومرتكزات المشروع الحسيني إلى نموذج سلطة ناجح، لم يلمس المسلمون في النهضة الحسينية بناء دول ناجحة تحقق العدالة الاجتماعية، والاستقرار، والأمن، على غرار ما رأوه في الفكر القومي أو الرأسمالي اللذين بنيت على أساسهما دول قائمة. ونتيجة لذلك، نجد أنفسنا اليوم في القرن الحادي والعشرين وما زلنا كشيعة نشعر بالمظلومية، علما أن جزءا من هذه المظلومية يأتي من حكام الشيعة أنفسهم.

هذا الواقع جعل النظر إلى النهضة الحسينية أسيرا للأفكار النظرية؛ فحين نجلس ونتحاور، نخرج الفكر الحسيني بصورة مثالية، لكننا عند محك التطبيق لا ننجح، لأننا لم نمتلك المشروع الكافي ولا الإرادة الحقيقية لتحويل هذه الأفكار إلى واقع عملي، في الوقت الذي نجح فيه القوميون، والماركسيون، والديمقراطيون في تحويل أفكارهم إلى مشاريع دول.

إن هذا العجز يمثل حقيقة مؤلمة تدعونا للاعتذار من الإمام الحسين (عليه السلام) لأننا لم نستطع تمثيل مشروعه بشكل واسع؛ فجميعنا يلطم على الحسين وتأخذه الحرقة على استشهاده ومشروعه، ولكن عند العمل لا نطبق ولا نحول هذا المشروع إلى برنامج عملي حقيقي.

أزمة مشروعية السلطة وعقدة الوعي السياسي

- د. علاء الحسيني/ مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

لا يقف الفكر السياسي على تعريف واحد محدد وموحد لمفهوم السلطة السياسية؛ إذ تظل هذه المفاهيم نسبية ومتباينة بناء على المدرسة الفكرية التي تتناولها، وإذا أردنا تقديم مفهوم مبسط للسلطة، يمكننا القول إنها: سلطة اتخاذ القرار وتنفيذه بالقوة، حيث تعرف باحتكارها للقوة المادية اللازمة لإنفاذ تلك القرارات، وبدون هذا الاحتكار لا يمكن الحديث عن وجود سلطة حقيقية.

لكن من هو المالك الحقيقي لهذه السلطة؟ تنظر المذاهب الديمقراطية إلى الشعب بوصفه المالك الشرعي والفعلي للسلطة. ومع ذلك، فإن هذا المنظور نفسه كان محلا لاختلاف عريض وسجال فقهي وسياسي ممتد عبر قرون مضت؛ حيث تمحور النقاش حول: هل السلطة ملك للأمة بمجموعها أم للشعب؟، وهل يملكها الشعب ككتلة مجملة موحدة، أم أن كل فرد فيه يملك جزءا مجزءا منها؟، وهذه التساؤلات تعود بنا مباشرة إلى الأطروحات الفكرية الكلاسيكية، لاسيما أفكار جان جاك روسو وجون لوك، وغيرهما من الفلاسفة الذين أثروا هذا الجانب، وإذا أردنا تلخيص هذا الجدال بعبارة بسيطة، فإننا نتساءل: هل الشعب في الواقع هو المالك الفعلي للسلطة؟.

عند الانتقال إلى الفكر الإسلامي، يبرز تساؤل آخر: هل نظر الإسلام إلى الفرد أو الشعب (أو مجموع الأفراد) على أنهم المالكون للسلطة والشرعية، أم أنهم مجرد طرف يضفي الشرعية عليها؟، في هذا السياق، تبرز مدارس إسلامية متعددة، ولكن بالتركيز على المدرسة التي نحن بصددها هنا، نجد أنها تنظر إلى السلطة بوصفها سلطة إلهية قائمة على التعيين والنص؛ فالطبيعة السياسية هنا تحدد أن الحاكم منصب بنص إلهي مباشر. وبناء على هذا المنظور، لا يملك الأفراد حرية الاختيار، سواء في تملك السلطة أو في إضفاء الشرعية عليها؛ إذ لا مجال للاعتراض على الإمام المعصوم، وهذا التأصيل الفكري يختلف بطبيعته عن المفاهيم المعاصرة التي ندرسها اليوم والمتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وما شابهها.

انطلق الإمام الحسين (عليه السلام) في حركته من رؤية استهدفت تصويب المسارات السياسية والدينية، وإذا رجعنا بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وتحديدا إلى حقبة الإمام الحسن (عليه السلام)، نجد أنه لم يتنازل قط عن فكرة أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ينصب الحاكم الشرعي، كما لم يتنازل عن فكرة أن الشعب لا علاقة له بمنح أو إضفاء هذه السلطة والشرعية.

إن هذه الجذور الفكرية والسياسية تمتد تاريخيا إلى معركة الجمل ومعركة صفين؛ حيث رفعت المصاحف وتم الاعتراض على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حينه، ودار النقاش والجدال حول الذهاب إلى التحكيم من عدمه، ومن يملك الحق في اختيار المحكم، ولم تكن هذه الأفكار غائبة عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولا كانوا عاجزين عن تمريرها وشرحها للناس.

لذلك، لم يخرج الإمام الحسين (عليه السلام) عن هذه القاعدة المنهجية التي أرساها أمير المؤمنين وسار عليها الإمام الحسن؛ بل أراد أن يبين للمجتمع أن الحاكم في ذلك العصر كان يحكم ويهيمن بالسلطة المادية الفسيولوجية فقط، لكنه حاكم مجرد تماما من الشرعية الحقيقية للسلطة.

في ضوء أفكار الإمام الحسين (عليه السلام)، إذا استشفينا وقرأنا جزءا من مقالات الإمام الحسين ومقولاته التي أطلقها، لاسيما قوله في يوم عاشوراء: "إني لم أخرج أشرا ولا بطرا..."، سنكتشف بوضوح أن اعتراضه لم يكن مقتصرا على مجرد انتقال السلطة من أهل البيت إلى حكام جائرين فحسب؛ بل كان اعتراضا بنيويا على سلوك هؤلاء الحكام الذين قتلوا النفس المحترمة، وانتهكوا الحرمات، وسرقوا الأموال، واستأثروا بالفيء والمقدرات العامة. ومن هنا، يتضح أن فساد السلطة البنيوي والمالي والأخلاقي كان هو المحرك والدافع الرئيس لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام).

أمام هذا الواقع، يبرز تساؤل مرير: هذه الشعوب التي يمتد تاريخها إلى أكثر من 1400 سنة، ومن ضمنها الشعب العراقي الذي يؤكد دائما صلاته العميقة بالإمام الحسين (عليه السلام)، متى يتشكل ويكتمل وعيها السياسي؟ ولماذا ما زالت هذه الشعوب تعيد إنتاج السلطة الفاسدة -التي لا تملك شرعية ولا تمتلك أي مقوم من مقومات ممارسة الحكم الدستوري والأخلاقي- مرة تلو الأخرى؟.

إن تجربتنا الحالية في العراق تجربة بالغة المرارة؛ فنحن الآن نعيش في ظل الدورة البرلمانية السادسة، والملاحظ أن كل دورة تشريعية تأتي تكون في الغالب أسوأ وأتعس من التي سبقتها، لدرجة تجعل المجتمع يترحم على الدورة السابقة لها.

بناء على ذلك، أرى أن صناعة الوعي عند الشعوب تعد من أصعب الصناعات على الإطلاق، بل إنها تبدو في زماننا هذا ضربا من ضروب المستحيل، وما يزيد الأمر تعقيدا وصعوبة في العصر الحالي، هو أن الوعي المعاصر بات يستمد ويشحن في غالبيته من أدوات الذكاء الاصطناعي، وشاشات الأجهزة اللوحية، ومنصات الإنترنت؛ الأمر الذي جعل مهمة بناء وعي سياسي حقيقي ورصين تفوق في صعوبتها كل ما مضى.

صراع الافكار والأوهام في فلسفة السلطة

- الشيخ مرتضى معاش:

ابدأ حديثي بتساؤل جوهري: إذا انتخب المواطن شخصا معينا وهو يعلم يقينا بأنه فاسد وسيضر بالبلاد، فهل يكون مأثوما أم لا؟

إن الإجابة تكمن في قوله تعالى:

؛ فالإنسان بطاعته للطغيان يقع في الفسق، وهو الذي يمهد الطريق لولادة الطغاة واستمرارهم، ومن هنا ندرك أن جوهر قضية السلطة ومحورها الأساسي يرتبط بارتكاب الإثم، والمعصية، والفسق، والظلم.

في علم الأخلاق، ثمة أربع قوى رئيسة تحكم النفس البشرية: (القوة العاقلة، القوة الواهمة، القوة الغضبية، القوة الشهوية)، ويدور الصراع الحقيقي في هذه العملية بين القوة العاقلة والقوة الواهمة، في حين تتحكم القوة الغضبية وقوة الشهوات في توجيه هذا الصراع؛ فهل يتجه الإنسان نحو العقل أم ينقاد وراء الوهم؟.

إن الإنسان الذي تملي عليه شهوته وغضبه خياراته، ينتهي به المطاف إلى صناعة الأوهام وتبني أفكار واهمة، ولهذا السبب، تعمد السلطات الظالمة والطغاة دائما إلى ممارسة عملية صناعة الأوهام، إذ يسعون إلى تحجيم العقل واستثارة الشهوات والقوى الغضبية بمختلف أشكالها، سواء عبر العنف والاستبداد، أو من خلال الإغراء والترغيب، وبما أن الغضب والشهوة غرائز متأصلة، فإن الإنسان كلما تحكم بغضبه وشهواته، اقترب من تحكيم عقله وأصبح قادرا على إنتاج الأفكار السليمة والصحيحة؛ وكلما انقاد خلف غريزته، وغضبه، ومزاجه، وقع في فخ الأوهام.

تعد صناعة الخوف فرعا من صناعة الوهم؛ لذا نجد الإنسان خائفا دائما في الأنظمة الفوضوية وغير المستقرة دون أن يدرك هذا الخوف، والسبب في ذلك يعود إلى وجود صناعة ممنهجة تمارسها السلطة لاستثارة الغضب، والغريزة، والشهوة، والهوى.

بناء على ذلك، كان الصراع ممتدا على طول الحياة البشرية وفي مسيرة الأنبياء والمعصومين (عليهم السلام)؛ حيث تمثل في كونه صراعا بين الأفكار الأصيلة وبين الأوهام المصطنعة، ونقصد بالأفكار هنا الأفكار المجردة والصافية غير الملوثة بالشهوة والغضب، ولهذا جاء القرآن الكريم ليعطي رؤية واضحة لقضية البعثة النبوية في قوله تعالى:

، والمقصود بذلك هو تحرير الأفكار من الأوهام، فالآية الكريمة تعني أن منظومة الأوهام المسيطرة على عقول الناس هي التي مكنت الطاغوت من استعبادهم؛ فهو لا يستعبدهم إلا بصناعة الأوهام وتكريسها.

تحتاج السلطة الجائرة ابتداء إلى تبرير شرعيتها وتبرير وجودها، تماما كما فعل معاوية بن أبي سفيان؛ حيث عمل على الاستعانة بالعلماء، والفلاسفة، والمفكرين، ووعاظ السلاطين لصناعة أفكار ونظريات تدعم حكمه، ومن ذلك مقولته: "لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني واياه ولوكره الله ما نحن فيه لغيره"، إن هذا الطرح يمثل الأساس للفكرة الجبرية، والتي تلتها أفكار المرجئة؛ وهي أفكار تدعو في جوهرها إلى الاستسلام للواقع القائم والقبول به، وهو ما شرعن حالة الاستسلام التاريخي المستمرة عبر العصور.

إذا جردنا أنفسنا من كل النظريات السياسية السائدة وتكلمنا عن قضية أساسية يقرها حتى القانون الطبيعي (قانون الفطرة)، فإننا نجد أن: أي شرعية لأي سلطة تخرج عن الإطار الفطري هي سلطة غير شرعية، فالقانون الطبيعي أو الفطري يقضي بأن أي سلطة تمارس الإكراه، أو الظلم، أو التمييز، هي سلطة فاقدة للشرعية في معناها الواقعي والحقيقي، بغض النظر عن مسمياتها في الخارج سواء أكانت ديمقراطية، أم استبدادية، أم ملكية.

ومن هذا المنطلق، تأتي قضية الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفها استمرارا وامتدادا لرسالة الأنبياء في تحرير الناس من الأفكار الوهمية، وتتجلى هذه الرسالة في مقولته: "كونوا أحرارا في دنياكم"؛ وهي دعوة للتجرد من كل التراكمات والموروثات الخاطئة، والافتخار بالوجود الإنساني وتفعيل التفكير الحر المستقل.

إن البشرية حتى يومنا هذا لم تصل إلى واحد بالمائة من المعرفة الحقيقية اللازمة للنضج العقلي؛ لأن الشهوات والغرائز لا تزال مسيطرة على طول التاريخ، وتقتضي فلسفة الامتحان الإلهي أن يمر الإنسان بتجارب وأزمات وتعقيدات كثيرة كي ينضج تفكيره العقلي ويتعلم كيف يتحكم بغرائزه، وبناء على هذا الاختيار يكتشف الإنسان وجوده ويعثر على ذاته.

لقد مثل الإمام الحسين (عليه السلام) هذا النهج التحرري باعتباره مصباح الهداية وسفينة النجاة، مقدما النور والطريق للإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل، وتظل المسألة منوطة بمدى قدرة الإنسان على الاستفادة من هذا النور؛ فالطروحات الحسينية تحمل عمقا فلسفيا كبيرا في تفكيك الأفكار المصطنعة والأوهام، فعندما قال: "الناس عبيد الدنيا"، كان يشخص واقع عيش الناس في أوهام الدنيا من خلال العبودية للشهوات، وفي قوله: "ألا ترون أن الحق لا يعمل به، وأن الباطل لا يتناهى عنه"، تحريض واعي لهم لرفع الحجب والأوهام عن أعينهم والنظر إلى الحقيقة المجردة، بعيدا عن أوهام النفس وتراكمات الماضي وما صنعته السلطات الطاغية.

إن عملية بناء الوعي السياسي الحقيقي وتحرير الأفكار تقتضي أن يتغير الإنسان ويخرج من عباءة تراكمات السلطة، فنحن اليوم نعيش تحت وطأة قرون مديدة من التراكمات المعرفية الخاطئة والأوهام المكرسة.

ولكي نحقق هذا التحرر، لا بد لنا من التفكير بأفكار مجردة وفطرية، والخروج من أسر النظريات السائدة والمعارف المحيطة بنا، بحيث نستفيد منها كأدوات دون أن نسمح لها بالتحول إلى سلطة مهيمنة تقيد عقولنا وتتحول إلى أغلال وآصار تمنعنا من التفكير الحر، إن تحرير الإنسان لأفكاره وتجريدها هو السبيل الوحيد لخلق الوعي السياسي المطلوب لفهم الأبعاد الحقيقية لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام).

جذور السلطة السياسية والفيتو الإلهي

- د. علاء الكاظمي/ باحث اكاديمي:

إذا رجعنا بخطوات إلى الوراء لتأمل بداية تشكل المجتمعات البشرية، سنجد أن الحرية تمثل حاجة فطرية لكل الناس؛ غير أن الحرية المطلقة ليست ممكنة في الواقع المعاش وبمرور الوقت، أدرك البشر تدريجيا -إلى جانب حاجتهم الفطرية للحرية- حاجتهم الماسة إلى القانون الذي يتولى تنظيم هذه الحريات؛ إذ إن الحرية المطلقة إن رفعت عنها القيود تؤول في تصويرها الحقيقي إلى فوضى.

من هنا، استوعب الإنسان مبكرا أن حاجته تكمن في قانون صحيح، وإن كان هذا القانون يقص ويحد من بعض أطراف الحرية المطلقة، إلا أنه الضامن الوحيد لاستمرار الحياة الاجتماعية واستقرارها، ولم يقف الإدراك البشري عند هذا الحد، بل تنبه أيضا إلى أن القانون يستحيل أن يظل مجرد نصوص مكتوبة دون وجود سلطة قوية تفرضه على الجميع وتلزم الأفراد بتطبيقه، ومن هذا المنطلق الدقيق، برزت الحاجة إلى السلطة السياسية بما تعنيه من امتلاك القوة والقدرة على إنفاذ القانون.

في المنظور الإلهي والديني، يتسع مفهوم السلطة ليكون أكبر وأعظم بكثير من مجرد منصب سياسي أو تشكيل حكومي أو رئاسة وزراء كما نتصورها في عالمنا المعاصر، إن السلطة التي يمنحها الله سبحانه وتعالى تمثل القضية الوحيدة التي وضع الله جل وعلا عليها فيتو حاسما؛ إذ جعل عملية اختيار من يقود الناس ويسوسهم خارجا تماما عن صلاحيات البشر وحدود اختيارهم.

ولم يقتصر هذا الاحتكار الإلهي على سياسة الناس فحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى أخذ على عاتقه وضع قانون الشريعة الذي ينظم حياة المجتمع، وتعيين من يتولى تطبيق هذا القانون، وبناء على هذا التأصيل، تصبح التشكيلات السياسية التفصيلية ثانوية أمام المبدأ الأساسي المتعلق بمن يقود الناس، وهو المبدأ الذي استأثر الله تعالى به دون خلقه.

وتتجلى هذه الحقيقة بوضوح في الحادثة التاريخية المعروفة بين نبي الله موسى (عليه السلام) وفرعون؛ حيث أقبل موسى على فرعون عارضا عليه أمرا تتوفر فيه أعلى درجات الترغيب لأي حاكم، مستندا إلى ثلاثة وعود شريطة أن يؤمن به كنبي: أن يضمن له البقاء في حكمه إلى عمر مديد جدا، وهي غاية يطمح إليها كل حاكم، أن يضمن له دوام الصحة والعافية في بدنه طوال فترة حكمه دون أن يمسه مرض، وان يضمن لنظامه السلامة من أي انقلاب أو زعزعة للأركان.

وعلى الرغم من اجتماع كل هذه الميزات والمغريات التي يتوق إليها أي طاغية، إلا أن فرعون -بعد استشارة مستشاريه وحاشيته- أدرك بعدا أعمق؛ وجد أنه وإن نال تلك المكاسب، فإن نظام القيادة وإدارته لن تعود بيده؛ إذ ستصبح عملية سوس الناس والتحكم في مصائرهم تابعة لأمر إلهي يمثله موسى، ولأجل غياب هذه الهيمنة الذاتية رفض العرض.

وإذا أردنا إسقاط هذا المفهوم على واقعنا الحالي كشعب عراقي -في الإطار الشيعي- نجد أن المجتمع يضع القيادة الفعلية والروحية بيد المرجعية الدينية لا بيد السلطة السياسية الإجرائية، وخير شاهد على ذلك هو أحداث عام 2014، إذ تبين للقاصي والداني أنه لا يمكن لأي حكومة، ولا لرئيس وزراء، أو أي عنوان سياسي آخر -مهما علا شأنه- أن يحرك الجماهير ويستنهض الأمة بالصورة التي حدثت، لقد انقادت الناس بوعيها الجمعي، تحت مظلة النظام الإلهي المتمثل بالمرجعية، مما يثبت رسوخ هذا الامتداد المعرفي في وجدان المجتمع.

إن المتأمل في حركة الإصلاح التي قادها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يدرك أن هذا المشروع يمثل خطا ممتدا ومتكاملا بدأ منذ عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وليس وليد اللحظة الحسينية فحسب، فعندما أقصي الإمام علي (عليه السلام) عن السلطة الظاهرية وممارسة الحكم الإجرائي، لم ينكفئ، بل اتجه مباشرة للعمل على بناء الأمة وصياغة وعيها، وإن ظهور قيادات تاريخية فذة وراسخة مثل مالك الأشتر، وهاشم المرقال وغيرهما، لم يكن نتاجا لحظيا أو وليد الصدفة، بل كان ثمرة بناء تربوي ومعرفي طويل وعميق خطط له الإمام بعناية.

وعلى هذا النهج سار الأئمة صلوات الله عليهم؛ فحين أطلق الإمام الحسين (عليه السلام) صرخته مستعرضا هدف حركته: إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، لذلك ركز الأئمة جميعا -خصوصا في المراحل التي تلت النهضة الحسينية- كل جهودهم على بناء المجتمع وإصلاح الأمة عقائديا وفكريا، كونه المسار الحقيقي والجذري الذي تترتب عليه جودة وصلاح السلطة السياسية.

أزمة الوعي وتوظيف الدين في شرعنة الفساد

- الاستاذ احمد جويد/ مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

يمكن تعريف مفهوم السلطة السياسية، بشكل مبسط، بأنها إدارة شؤون الدولة والأفراد على النحو الذي يتماشى ويتوافق مع مصالح المجتمعات، والقراءة التاريخية والواقعية تظهر لنا آليات ومفاهيم متنوعة ومتعددة للحصول على هذه السلطة في عصرنا الحالي؛ فمنها سلطة يتم الوصول إليها عبر صناديق الاقتراع، ومنها ما يأتي عن طريق الانقلابات العسكرية، ومنها ما يقوم على مبدأ الوراثة والتوريث، مما يعكس تنوعا كبيرا في أشكال الأنظمة السياسية المشاهدة اليوم.

إن ما شهدناه في طبيعة السلطة التي ثار ضدها الإمام الحسين (عليه السلام) -وكما ينظر إلى مفردة السلطة غالبا في الوقت الحاضر- يجسد مفاهيم التسلط والقمع البنيوي، وهنا تبرز مفارقة شاسعة وشتان ما بين مفهوم السلطة عند بني أمية ومفهومها عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي ارتكزت رؤيته للسلطة على تحرير الفرد والمجتمع، وإتاحة فرصة حقيقية وصادقة للتعبير عن الرأي، ولقد كفل حرية التعبير هذه للجميع، بما في ذلك أشد معارضيه، دون أن ينقص أو ينتقص من حقوقهم المالية في المال العام (العطاء)، فكان يعطي السائل حقه كاملا رغم علمه المسبق بمعارضته لنهجه.

بينما اعتمدت سلطة بني امية على القمع والنفي وإقصاء المعارضين وأصحاب الآراء المختلفة بأساليب تعسفية شتى، ويبرز هنا مثال جلي لأحد صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الذي واجه معاوية بن أبي سفيان معترضا على بناء مسجد، قائلا له مواجها: "إن كان هذا المال من مالك الخاص فهذا تبذير، وإن كان من مال المسلمين فليس لك حق أن تتصرف بهذا".

وبسبب هذا الاعتراض السلمي، قامت السلطة آنذاك -والتي كانت تضفي على نفسها غطاء دينيا وتعتبر نفسها سلطة مفوضة إلهيا- بإصدار أمر بنفيه إلى مكان بعيد في "صحراء الربذة" وظل بها إلى أن توفاه الله (رضوان الله عليه)، وتلك الحادثة توضح الفارق الجوهري بين نمطين من الحكم؛ فهناك سلطة سياسية استبدادية قاهرة، وهناك سلطة أخرى تسوس أمور الناس مع صيانة قيمة الإنسان، وحريته في التعبير، وحقه في طرح رأيه علانية.

فيما يتعلق بعاشوراء الحسين (عليه السلام)، فقد وصلت السلطة القائمة في ذلك العصر إلى مرحلة من الانحراف الحاد والتام عن مسارها المرسوم لها في سياسة أمور المجتمع ورعاية مصالح الناس، مما جعل الإمام الحسين يرى أن من الواجب الشرعي والأخلاقي عليه النهوض لتصحيح هذا المسار المائل.

ولكن، هل كان المجتمع آنذاك يعي ويدرك أبعاد هذه الخطوة الإصلاحية التي قام بها الإمام الحسين؟ في الواقع، كان المجتمع ينظر إلى يزيد بن معاوية بوصفه متمكنا من الرقابة وممسكا بزمام الحكم وقابضا عليه، ويمتد هذا المأزق الفكري حتى الوقت الحاضر من خلال بعض التنظيرات التي ترى أنه "إذا رأيت ولي أمر المسلمين يفعل الفاحشة فلا يجوز لك الاعتراض عليه"، وهي أطروحات تساق لمنح المشروعية للحاكم والسلطة الجائرة.

فأين كان -وأين هو الآن- الوعي الذي يدرك أن تمكين مثل هذا الإنسان المستبد من رقاب الناس ومصائرهم يؤدي حتما إلى إفساد المجتمع وضياع حقوقه وحرياته؟ للأسف، فإن المجتمع إلى يومنا هذا لا يزال يفتقر إلى هذا الوعي الجذري المتأصل.

ونرى مصداق هذا الخلل المعرفي في واقعنا المعاصر؛ حيث يذهب الناخب بمحض إرادته لانتخاب الفاسد، بل ويصل به الأمر إلى التملق والتقرب منه، ثم يعود الشخص نفسه بعد الانتخاب لينشر على صفحات منصات التواصل الاجتماعي منتقدا هذا المسؤول وواصفا إياه بالفساد.

إن هذا التناقض السلوكي يوضح أن القيم الرفيعة التي أراد الإمام الحسين (عليه السلام) ترسيخها في وجدان الأمة وضحى من أجلها -وسار عليها أمير المؤمنين من قبل- لم تصبح بعد متأصلة أو متجذرة في سلوكيات المجتمع بالشكل المطلوب والمأمول.

إن ظاهرة استغلال العواطف وتوظيف المفاهيم خارج إطارها الحقيقي لا تقتصر على الواقع الإسلامي أو الإقليمي فحسب، بل هي نزعة عامة استخدمها حكام كثر عبر التاريخ لإضفاء المشروعية على سلطاتهم، فما شهدناه في الساحة الأمريكية من دونالد ترامب والتفاف مجموعة من القساوسة وغيرهم حوله، حيث جرى تصويره واعتباره بمثابة المخلص، وهي قضايا تلامس المشاعر والغرائز الدينية المباشرة، وقد ذهبت بعض الأمم القديمة إلى مدى أبعد باعتبار حاكمها إلها؛ فإمبراطور اليابان قبل الحرب العالمية الثانية كان ينظر إليه شعبيا بوصفه نصف إله.

وعلى الرغم من أن دولة مثل اليابان تعد من الدول المتطورة للغاية في مجالات العلم، والتكنولوجيا، والمعرفة، إلا أنه في فضاء السلطة والسياسة والشرعنة، نجد أن الحاكم ينجح دائما في انتزاع مشروعيته مستغلا قضايا وأوهاما ليس لها وجود واقعي أو منطقي نهائيا، مستهدفا بذلك تغييب وعي الجماهير وتوجيه خياراتها.

بين براغماتية معاوية وميكافيلية السلطة

- د. خالد الاسدي/ مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

قبل اندلاع الثورة الحسينية، نجح معاوية بن أبي سفيان في بناء جدار سميك من الأيديولوجيا الدينية المشوهة ليكون ستارا يتسلل من خلاله إلى قلوب عامة المسلمين وعقولهم، ولتحقيق هذه الغاية، اعتمد على مجموعة من الصحابة الذين تحولوا إلى وعاظ سلاطين وشكلوا الواجهة الرئيسية لشرعنة سياساته؛ ومنهم سمرة بن جندب، وأنس بن مالك، وأبو هريرة في أواخر حياته.

وتذكر الشواهد التاريخية قصصا تعكس طبيعة هذا التوظيف؛ كاستجواب رجل متهم بالسرقة لم يعترف بجرمه، حيث نسب إلى أنس بن مالك إصدار أمر بـ "تسميره" استنادا إلى رواية ادعى فيها سمرة بن جندب أن رسول الله فعل ذلك بمن لم يعترف. وفي سياق متصل، تلقى سمرة بن جندب أموالا طائلة ليضع حديثا ينسب إلى النبي يرسخ الطاعة المطلقة للحاكم تحت قاعدة: "أطع الحاكم وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، وانتهك عرضك".

لقد شكلت هذه المنظومة سدا منيعا لحماية السلطة والسيطرة على عقول الجماهير، وتزامن ذلك مع احتكار تام للمنصات الإعلامية؛ حيث غدت القوة الإعلامية تابعة ومسيرة بالكامل من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية، فلا يخرج للعلن إلا ما يخدم التوجه الحاكم، وبناء على هذا الثالوث (الخوف، والقمع، والاغتيال السياسي)، تمكن معاوية من تثبيت أركان حكومته وبسط سيطرته بجميع الوسائل المتاحة.

عند دراسة الأساليب والأفكار التي اتبعها معاوية لتثبيت حكمه، نجد تطابقا مذهلا مع التنظيرات السياسية التي صاغها الفيلسوف الإيطالي نيكولا ميكافيلي لاحقا في كتابه الشهير الأمير، فما جاء به ميكافيلي على شكل تنظير وفلسفة مكتوبة، كان معاوية قد طبقه فعليا على أرض الواقع قبل قرون مديدة.

والمفارقة المعاصرة تكمن في أن أغلب السلطات التشريعية والتنفيذية في العالم اليوم، لا تزال تسير على ذات النهج والمنطلقات الميكافيلية في إدارة الحكم وإخضاع الشعوب.

جاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لتعلن بوضوح بطلان هذا المنهج الاستبدادي؛ إذ أراد إثبات أن السلطة الحقيقية يجب أن تكون منسجمة ومساوغة لـ "الفطرة الإنسانية الكريمة"، وأن ما أسسه معاوية يمثل انتهاكا صارخا لهذه الفطرة.

إن المتأمل في بداية النهضة الحسينية يدرك أن الإمام الحسين لم يتحرك ابتداء بدافع الرغبة الشخصية في اعتلاء كرسي الحكم، بل تحرك بموجب الوثيقة الدستورية (صلح الإمام الحسن مع معاوية)، والتي كانت تقر بأن الحاكم الشرعي والمفترض للمسلمين بعد وفاة معاوية هو الإمام الحسين.

ومن هذا المنطلق، أرسل يزيد بن معاوية كتابه إلى والي المدينة (الوليد بن عتبة) مطالبا إياه بأخذ البيعة قسرا من الإمام الحسين، لأنه كان يعلم بوجود هذا الحق التعاقدي، وأراد التخلص من الإمام بأي طريقة كانت، علما أن فكرة توريث الحكم وتحويله إلى ملك عضوض كان وراءها المغيرة بن شعبة الذي وضع هذا السم في جسد الأمة.

وجاء رد الإمام الحسين الحاسم والمبدئي: مثلي لا يبايع مثله"، ليؤسس لقاعدة معرفية وسياسية شاملة موجهة لكل الأحرار في العالم، إذا وجدتم حاكما ظالما مستبدا، فلا يسعكم السكوت أو الإذعان؛ لأن شرعية الحكم لا تكتسب بطرق الغصب، والتسلط، وانتزاع الحقوق من أهلها الشرعيين.

لقد عجزنا عن تصدير هذه الفكرة الإنسانية العظيمة، ولم ننجح في تقديمها للعالم بالصورة الأكمل التي تمثل الجوهر الحقيقي والناصع للإسلام، والسبب الرئيس وراء هذا العجز هو غياب النموذج العملي القائم على أرض الواقع، نحن لا نمتلك اليوم نموذجا تطبيقيا ناجحا يمكن الإشارة إليه؛ لا على مستوى المحافظة، ولا على مستوى المنطقة، لم نستطع -عبر أدواتنا الإعلامية أو مؤسساتنا- أن نمسك بتطبيق واقعي ونقول للعالم: "هذه هي فكرة الإمام الحسين، وهذا هو تطبيقها الفعلي في النزاهة والعدالة والكرامة". إن هذه الفجوة الهائلة بين الفكر النظري والممارسة الفعلية تظل هي المعضلة الأساسية والمشتركة بين جميع من ينتمون إلى الخط الحسيني اليوم.

بين أدوات السلطة وصدق الانتماء

- الاستاذ حسين علي عبيد/ مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية:

تتحدد السلطة السياسية، في جوهرها، بأنها مجموع الأدوات والوسائل التي يستطيع من خلالها أصحاب النفوذ تنفيذ قراراتهم وإمضاءها، وإذا نظرنا إلى الواقع الحالي أو إلى أغلب ما يمر علينا في التاريخ البشري، سنجد أن هذه السلطة لا تكتسب مشروعيتها في الغالب إلا من خلال القوة المحضة.

ومع ذلك، يبرز النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بوصفه النموذج التاريخي والسياسي الوحيد الذي استطاع ببراعة فائقة أن يجمع بين اللين والقوة في مواضع محددة ومدروسة، كما نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.

بالانتقال إلى البعد الوجداني والعاشورائي، فإننا جميعا نحفظ ونردد المقولة الشهيرة: "يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما". ولقد استمعت إلى قصيدة عزائية (لطمية) تحمل اسم "يا ليتنا"، أثارت في ذهني جملة من الأفكار العميقة، حيث يتناول الشاعر والرادود أبعاد هذه الكلمة ومضامينها بشكل استثنائي، إن التساؤل الحقيقي يواجه الأشخاص المعاصرين الذين يعلنون اليوم اتباعهم للإمام الحسين (عليه السلام): هل يدركون حقا المعنى الدقيق لهذه الكلمة وأبعادها الوجودية؟.

إن فحص هذا الادعاء يضعنا أمام اختبارات مصيرية وتحديات عملية بالغة الصعوبة، تتجلى في التساؤلات التالية: هل يقدر الشخص الذي يدعي اتباع الحسين اليوم، أن يترك بيته في المدينة بكل ما فيه من رفاهية ونعيم، ويخرج ليعيش في الخيام وسط الصحراء القاحلة؟، وهل يستطيع الفرد أن يتخلى عن مكانته الاجتماعية، ويسير نحو الموت بقدميه؟، وهل يمتلك القدرة على الثبات والوقوف لأداء الصلاة في المعركة والسهام تتساقط فوق رأسه من كل حدب وصوب؟، وهل يستطيع المرء -وهو في ذروة قوته ونفوذه العسكري، تماما كالحر الرياحي الذي كان قائدا لجيش يزيد- أن ينقلب على نفسه ومصالحه في لحظة واحدة، ليتحول إلى قائد في جبهة الإمام الحسين (عليه السلام)؟.

إن هذه المفاهيم والمواقف الحسينية بمجموعها، إذا أردنا اتخاذها منهجا حقيقيا نسير عليه في واقعنا، وجدنا تحديا يعز نظيره؛ ولست هنا في معرض الجزم المطلق، ولكنني أرى أن نسبة الذين يمكن أن يصدق عليهم هذا الشعار تجسيدا وعملا قد لا تتجاوز واحد بالمئة (1%) فقط من المجموع، في حين يبقى الأمر للغالبية العظمى أشبه بالمستحيل.

الأبعاد التاريخية والإنسانية للنهضة الحسينية

- الاستاذ باسم الزيدي/ مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث:

إذا قرأنا المشهد من منظور تاريخي، سنجد أن الدولة العباسية -التي مثلت أقوى إمبراطورية في عصرها- اعتمدت في تقويض أركان الدولة الأموية وإسقاطها على رفع شعار وجداني عارم هو: "يا لثارات الحسين"، غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن العباسيين، وفور تمكنهم من استلام مقاليد الحكم وبسط نفوذهم، انقلبوا على العلويين وأتباع مدرستهم وقاموا بتدميرهم وإقصائهم.

إن هذا المسار يثبت بالدليل القاطع أن حادثة عاشوراء، وبعد مرور عشرات السنين على هلاك معاوية ويزيد، ظلت فاعلة ومؤثرة بشكل عميق على مستويات متعددة: فقد أعادت صياغة توازنات القوى وصناعة الثورات، وأبقت المجتمع في حالة غليان مستمر، تفجرت من خلاله ثورات متلاحقة كـ "ثورة التوابين" وغيرها، إلى أن تكلل هذا الحراك بسقوط الإمبراطورية الأموية تماما وقيام الإمبراطورية العباسية على أنقاضها.

عند الانتقال من السرد التاريخي إلى التجريد الفلسفي والإنساني، نتساءل: ما هو حجم الأثر الإنساني لهذه النهضة؟، إن الأفكار في حقيقتها التجريدية لا تطالب بتقديم حسابات عددية؛ فالأفكار تبحث دائما عن النوع والكيف لا عن الكم والعدد، وتتجلى عبقرية النهضة الحسينية -بحسب ما نفهمها- في أنها نجحت في تجريد القوة المادية من السلطة، ونقل القوة الحقيقية إلى الفكرة ذاتها، فأصبحت السلطة والغلبة للفكر، وكما هو مقرر في سنن الفلسفة: "الفكرة إذا استطالت استقامت".

بناء على ذلك، فإن كمية الأتباع أو ضخامة أعدادهم لا تعني بالضرورة صحة الفكرة أو سلامة منهجها، إن إقصاء المعيار العددي في تقييم الأفكار ينسجم تماما مع الرؤية القرآنية؛ إذ نجد القرآن الكريم يذم الكثرة في مواضع شتى، بينما يخص القلة بالثناء والمديح.

يبرز نبي الله نوح (عليه السلام) كشاهد تاريخي فريد؛ إذ لبث في قومه تسعمئة وخمسين عاما يدعوهم إلى التوحيد، ولم يرافقه طوال هذه القرون إلا جماعة مؤمنة قليلة العدد، لم تزد ولم تنقص. ولكن، بدعاء صادق واحد، وبناء سفينة حملت هذه القلة، انتهى وجود المستهزئين والطغاة ولم تبق لهم على الأرض ديار، لتطوى صفحة الفساد وتبدأ هذه القلة المؤمنة في بناء حضارة إنسانية جديدة.

خلاصة القول، إن الإمام الحسين (عليه السلام) قد أسس لثوابت راسخة تمثل فكرة إنسانية وحضارية متكاملة، أما الإجابة عن تساؤلات من قبيل: كم عدد المؤمنين بها؟ وكم حجم متبعيها؟ ومتى تبدأ لحظة التغيير الفعلي في واقع المجتمعات؟ فكلها أمور مرهونة ومحكومة بعوامل وظروف عديدة ومختلفة. لكن الأمر الحاسم والمنجز هنا هو أن الأساس الفكري البنيوي قد وضع وثبت بشكل نهائي لا يقبل الاندثار.

تفكيك وهم الخلافة وجدلية الشرعية السياسية

- الاستاذ حسين شاكر العطار/ باحث اكاديمي:

تكتسب السلطة السياسية شرعيتها الدينية والأخلاقية من خلال السير على مسار الحق المستند أصلا إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، ويتجلى هذا المبدأ بوضوح في الشورى التي قادها عبد الرحمن بن عوف لاختيار الخليفة بعد وفاة الخليفة الثاني، ففي تلك اللحظة المفصلية التي انحصر فيها الاختيار بين الإمام علي (عليه السلام) وعثمان بن عفان، وضع شرط السير على سيرة الشيخين إلى جانب الكتاب والسنة، غير أن الإمام علي رفض هذا الشرط المضاف، وأقر بوضوح بتمسكه بكتاب الله وسنة نبيه بوصفهما المسار الحقيقي والوحيد لإدارة السلطة من الناحية الدينية.

من هذا المنطلق المعرفي، واجه الإمام الحسين (عليه السلام) سلطة معاوية ويزيد على وجه الخصوص؛ حيث نجح في إفقاد تلك السلطة شرعيتها الدينية بعد أن انحرفت ذاتيا عن مسارها الصحيح، وهنا يتراءى لنا مصطلح يقارب المفاهيم المستعملة في الواقع السياسي الحديث وهو فصل الدين عن الدولة، أو بمعناه الدقيق في ذلك السياق: سلب الغطاء الشرعي والديني عن سلطة الجور.

فبسبب تراكمات الوهم التبريري الذي صنعه معاوية، كان عامة المسلمين يعتقدون في ذلك الوقت أن تلك السلطة هي سلطة شرعية وتمثل الخلافة الإسلامية المعبرة عن الدين، لكن الإمام الحسين، بما يمتلكه من إرث ونسب ومكانة دنيوية وآخروية راسخة، نجح في فصل الدين الحقيقي عن السلطة الفاسدة، هذا الفصل المعرفي فتح أمام المسلمين أبوابا كثيرة لتوسيع الآفاق الفكرية والتحررية، وهي أفكار لم تلمس نتائجها وآثارها العميقة في يوم وليلة، وإنما تجلت واستقامت على مسار التاريخ والمدى البعيد.

أما بخصوص الطريق الشرعي للوصول إلى السلطة وكيفية اكتسابها، فإن المنهج الحسيني يقدم جوابا تاريخيا بليغا؛ إذ لم يطالب الإمام الحسين (عليه السلام) بحقه في السلطة والخلافة طوال فترة وجود معاوية، وذلك احتراما منه للآليات السياسية والاتفاق المبرم بين الإمام الحسن ومعاوية.

إن هذا السلوك يوضح أن الوصول للسلطة بالطرق الشرعية يتحدد وفق محددات واضحة، إما بالاتفاق السياسي الملتزم به، أو بوجود رأي مجتمعي عام، وقيام القانون القائم، ومن هنا يتضح الجواب: إن الإمام الحسين لم يطالب بالسلطة، أو الزعامة السياسية، أو الخلافة الإسلامية إلا بعد أن انقضى العهد بوفاة معاوية ونكث الطرف الآخر لبنود الاتفاق.

إذا انتقلنا من مجال التاريخ إلى مجال الواقع العملي المعاصر، نلاحظ أنه لا بد لأي سلطة من أن تأتي بطرق شرعية وقانونية لكي تكتسب وصف المقبولية؛ وبناء على هذا الاستدلال، تبرز التساؤلات الجوهرية المفتوحة التي تفرض نفسها على واقعنا الحالي: ما هي الطرق الشرعية الحقيقية والواقعية للوصول إلى السلطة في زماننا هذا؟، ومن هي الجهة أو الآلية التي تملك الحق في تحديد هذه الشرعية وصياغتها؟.

فلسفة السلطة بين الأمر الواقع وركائز المشروعية

- الاستاذ حسن كاظم السباعي، باحث اكاديمي:

تتحدد السلطة السياسية، بأنها الأمر الواقع الذي يفرض نفسه على المجتمع، أما مشروعية هذه السلطة، فإنها تكتسب وتتشكل بحسب طبيعة المجتمع المحكوم، إذ تختلف باختلاف الثقافات والأعراف السائدة، والتي يمكن اختصارها وتلخيصها في ثلاثة طرق رئيسة: الغلبة والقهر المادي، العقد الاجتماعي، والشرعية الإلهية.

لكن ما هو المتفق عليه عند الجميع؛ وهي أن أي سلطة سياسية تمثل في نهاية المطاف أفكار الرأي العام لدى المجتمع، وبعبارة أخرى، لا يمكن لأي سلطة سياسية أن تقوم وتستقر إلا بعد رضوخ المجتمع وإذعانه لها، سواء جاء هذا الرضوخ عبر أساليب غير مشروعة (كقوة الحديد والنار، والتزوير، والخداع، وسياسات الحذف والإقصاء)، أو تحقق بأساليب مشروعة ومدنية (كالانتخابات الحرة والديمقراطية النزيهة)، ويستند هذا التوصيف الواقعي إلى القاعدة البليغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) التي قرر فيها: "لا بد للناس من أمير، بر أو فاجر"، ذلك لأن المهمة الأساسية والوظيفة الأولى لأي سلطة سياسية -مهما كانت طبيعتها- تكمن في الحفاظ على الأمن، وإرساء النظام، والتعامل المباشر مع الواقع المعاش.

وفيما يرتبط بعاشوراء وكيف انه استطاع أن يخلق وعيا سياسيا بالمفهوم الحسيني للسلطة؛ فمبدئيا لابد أن نعرف أن السلطة السياسية عند المدرسة الحسينية تكسب شرعيتها من قبل الله تعالى أولا ثم يأتي دور العقد الاجتماعي المتمثل بالبيعة، وعليه فلا يمكن للسلطة الإلهية أن تحكم إلا بشرط الالتزام الديني لدى المجتمع، وما لم يكن أتباع المجتمع ملتزمون فلا معنى للحكومة الدينية ولن يصمد هذا النوع من السلطة من الأساس، وما جرى يوم الغدير هو المثال الأبرز؛ حيث اتفقت الآراء كلها على الإطلاق واختارت الذي اختاره الله فبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بملء رضاهم، لكن خلال سبعين يوما فقط فقدوا التزامهم الديني عبر التخلي عن مسؤولية العهد الذي قطعوه، وكان ذلك نتيجة الخوف من الإرهاب والتزوير والتبديل الذي مورس من قبل عصابة خاصة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم تقم سلطة الشرعية الإلهية.

وفي هذه الحالة حيث لم يرضخ المجتمع لأوامر الله لأي سبب من الأسباب، وانصاع لسلطة سياسية غير شرعية، فما على أصحاب السلطة الشرعية إلا أن يتخذوا سبيل الوعي والتنوير، حيث لا يوجد في قاموسهم الجبر والإكراه أو كسب السلطة بالحديد والنار، وهذا ما كان جليا في حركة عاشوراء حيث نشر الوعي بكل وضوح ولم يترك ثغرة إلا وملأها في هذا السبيل، فكان سلاح الوعي هو الوحيد دون استخدام أي سلاح آخر، فلم يفرض رأيه بالعنف، وإنما بمحض الرضا وذلك بناء على إعلان سيد الشهداء (عليه السلام) -بعد أن وصلته رسائل القوم واستوثق كلامهم بسفرائه- حيث قال: "أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر"؛ وهذان الأمران لا يتركان أثرهما إلا بالاختيار القلبي المحض من قبل المخاطَب وقدرة سحر البيان من قبل المخاطِب، وذلك هو الذي أثَّر على الرأي العام، وما قامت به السلطة السياسية المتمثلة بالحكم اليزيدي الجائر كان ضد الرأي العام، فمارس سلطته من خلال القهر والقمع، إلا ان هذا النوع من السلطة سرعان ما يزول بإزالة وسائل القمع، والذي يبقى هي تلك السلطة الشرعية، الخفية والمغمورة حسب الظاهر، لكنها العميقة والمتجذرة في الضمائر.

صدام القيم الإيمانية بجدار السلطة الأموية

- الاستاذ صادق الطائي، باحث إسلامي:

تتجلى واقعة عاشوراء كملحمة خالدة في تفاعلاتها الإنسانية، وفي طبيعة العلاقة الفريدة التي ربطت بين القائد وأصحابه الأفراد، وما رافقها من تجسيد للأخلاق الإيمانية في أبهى صورها؛ متمثلة في قراءة القرآن، وإقامة الصلاة، والتضرع بالدعاء. غير أن هذه المنظومة المعرفية والقيمية السامية اصطدمت بشكل مباشر بجدار السلطة السياسية الصلب للنظام الأموي الحاكم آنذاك.

إن ديدن أكثر الأنظمة الحاكمة يقوم على وضع ترسانة من الممنوعات، والأحكام الصارمة، والغرامات والجزاءات التي تقيد بها حرية الإنسان وتكبح حركة نشاطه الطبيعي؛ وهي من خلال هذا التضييق الممنهج، تحاول تقريب وترسيخ مفهوم ضيق للسلطة السياسية في أذهان الأفراد، بوصفها أداة قائمة على المنع والإكراه فحسب، إن تلك القيود والإجراءات القانونية التي تفرضها الأنظمة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تصنع وعيا سياسيا حقيقيا أو ناضجا في وجدان الشعوب.

فالوعي السياسي الأصيل والفاعل يتطلب لولادته والنهوض به ركائز وعوامل مغايرة تماما، تكمن في وجود قيادة ربانية متميزة، وحضور شعب مناضل، وتوفر سلسلة طويلة وممتدة من الأخلاق والمناقب المتميزة، ومن خلال تكامل هذه الأركان الثلاثة وانصهارها معا، يتشكل المفهوم العاشورائي والحسيني الحقيقي؛ لإنتاج شعب يمتلك من النضج المعرفي والوسائل الطليعية ما يؤهله بجدارة لتبوأ دور قيادي ريادي في مسيرة الإنسانية.

الاستنتاجات والتوصيات

1. الاستنتاج: لا تكتسب السلطة السياسية شرعيتها بمجرد امتلاك أدوات القوة والقدرة على تنفيذ القرارات، وإنما تستمد مشروعيتها من العدالة، ورضا المجتمع، والالتزام بالقانون، وصيانة الحقوق والكرامة الإنسانية.

التوصية: ضرورة اعتماد معايير واضحة لتقييم شرعية السلطة، تقوم على احترام الدستور، وسيادة القانون، وحماية الحريات، وتحقيق العدالة، وربط استمرار المسؤول في منصبه بقدرته على أداء وظائفه وخدمة المصلحة العامة.

 2. الاستنتاج: أثبتت النهضة الحسينية أن التفوق العسكري لا يعني الانتصار التاريخي، وأن السلطة المادية يمكن أن تنتصر مؤقتًا، بينما تمتلك الفكرة الأخلاقية القدرة على البقاء والتأثير وصناعة التحولات بعيدة المدى.

التوصية: العمل على تحويل المبادئ الحسينية، ولاسيما الحرية والعدالة والإصلاح ورفض الذل، إلى ثقافة سياسية مستدامة وبرامج تربوية وإعلامية ومجتمعية، بدل إبقائها محصورة في الاستحضار الوجداني والموسمي.

 3. الاستنتاج: لا تستند الأنظمة المستبدة إلى القمع وحده، بل تعتمد على صناعة الأوهام، وتزييف المفاهيم، وتوظيف الدين والإعلام لتبرير وجودها، وإقناع المجتمع بأن الخضوع للسلطة الجائرة واجب أو قدر لا يمكن تغييره.

التوصية: تعزيز استقلال المؤسسات الدينية والإعلامية والثقافية عن السلطة السياسية، وإطلاق برامج منهجية تكشف أساليب التضليل السياسي، وتفكك الخطابات التي تستخدم الدين أو الهوية أو الخوف لتبرير الفساد والاستبداد.

 4. الاستنتاج: لا تستطيع السلطة الفاسدة الاستمرار بالقوة وحدها، بل تحتاج إلى مجتمع يرضخ لها أو يعيد إنتاجها من خلال الصمت، أو التعصب، أو بيع الصوت الانتخابي، أو انتخاب أشخاص ثبت فسادهم وعجزهم.

التوصية: إطلاق حملات توعية انتخابية تؤكد المسؤولية الأخلاقية والقانونية للناخب، وتوضح أن اختيار المرشح الفاسد ليس قرارًا فرديًا محدود الأثر، بل مساهمة مباشرة في إضعاف الدولة وهدر الحقوق العامة.

 5. الاستنتاج: تكشف المداخلات عن وجود فجوة بين إعلان الانتماء إلى الإمام الحسين عليه السلام وبين الالتزام العملي بقيمه، ما لم ينعكس ذلك في النزاهة، ومقاومة الظلم، واحترام الحقوق، ورفض الفساد.

التوصية: ربط الخطاب العاشورائي بالسلوك اليومي للمواطن والمسؤول، وإبراز أن صدق الانتماء الحسيني يظهر في الأمانة، وأداء المسؤولية، وحفظ المال العام، ونصرة المظلوم، ورفض المحاباة والتمييز.

 6. الاستنتاج: أسهم تقديم عاشوراء بوصفها قضية خاصة بطائفة معينة في الحد من انتشار أبعادها السياسية والإنسانية، مع أن مبادئها في الحرية والكرامة والعدالة ومواجهة الاستبداد تمتلك قابلية عالمية واسعة.

التوصية: إعادة تقديم النهضة الحسينية بلغة إنسانية معاصرة تخاطب مختلف الأديان والثقافات، والتركيز على قيمها المشتركة مع تطلعات الشعوب إلى الحرية والعدالة والحكم الرشيد، من دون إفراغها من جذورها الدينية والأخلاقية.

 7. الاستنتاج: لا تكمن المشكلة في نقص الأفكار والمبادئ الحسينية، بل في غياب نموذج مؤسسي ناجح يترجمها إلى إدارة عادلة، ودولة قانون، ومؤسسات نزيهة، وخدمات تحفظ كرامة الإنسان.

التوصية: البدء ببناء نماذج تطبيقية محددة داخل المؤسسات والمراكز والمدن، تقوم على الشفافية، والمساءلة، والمشاركة، وتكافؤ الفرص، لتصبح شاهدًا عمليًا على إمكانية تحويل القيم الحسينية إلى واقع إداري واجتماعي ناجح.

 الاستنتاج: تواجه عملية بناء الوعي السياسي تحديات جديدة بسبب هيمنة منصات التواصل الاجتماعي، والمحتوى السريع، والخوارزميات، وأدوات الذكاء الاصطناعي التي قد تعزز التضليل والاستقطاب والانفعال بدل الفهم والتحليل.

التوصية: إدماج التربية الإعلامية والرقمية والتفكير النقدي في المناهج والبرامج الثقافية، وتدريب الشباب على التحقق من المعلومات، وتحليل الخطاب السياسي، والتمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى الموجه أو المضلل.

 9. الاستنتاج: تتحول السلطة إلى أداة للاستبداد عندما ترتبط بالأفراد والأحزاب والعائلات، بينما تظل السلطة المشروعة خاضعة للمؤسسات والقانون والرقابة والمساءلة، وتمارس القوة في إطار حماية المجتمع لا إخضاعه.

التوصية: تقوية استقلال القضاء، والأجهزة الرقابية، والبرلمان، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وحصر القوة المسلحة بيد الدولة، ومنع الأشخاص والأحزاب من الاستحواذ على المؤسسات أو استخدامها لتحقيق مصالح خاصة.

 10. الاستنتاج: تقع على عاتق الباحثين والأكاديميين والمؤسسات الثقافية والدينية مسؤولية الانتقال من تكرار السرد التاريخي إلى استخراج منهج سياسي وإصلاحي يجيب عن مشكلات الدولة والفساد والحقوق والمواطنة في الحاضر.

التوصية: تأسيس برامج بحثية دائمة تتناول المفهوم الحسيني للسلطة، وإعداد أدلة تربوية ودورات وورش عمل ومشروعات سياسات عامة تربط قيم عاشوراء بالحوكمة الرشيدة، والسلم الأهلي، والنزاهة، والمواطنة، وتغليب المصلحة العامة.

وفي ختام الملتقى الفكري تقدم مقدم الورقة البحثية الاستاذ حيدر الاجودي بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك برأيه حول الموضوع سواء بالحضور او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجه بالشكر الى الدعم الفني الخاص بملتقى النبأ الاسبوعي.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية / 2001 – 2026 Ⓒ

http://mcsr.net

اضف تعليق