قبل قليل كنت أتابع تقريرا تلفازيا عرضته احدى القنوات الفضائية العراقية، يتعلق بأسعار ملابس العيد، وخاصة الشباب، وهل هناك إقبال على شراء الملابس الشبابية، فكانت أجوبة الباعة جميعا، أن الاسواق خلت من الشباب هذا العيد، وأنهم هاجروا الى خارج البلاد، وكانت الكامرة تتنقل بين محال الملابس وساحات السوق التي خلت فعلا من الزبائن، وقال احد اصحاب محال الملابس، أن هذا السوق في العيد الماضي كان يغض بالشباب، وكانت نسبة الشراء عالية، قياسا لهذا العيد، وامر واضح أن هجرة الشباب هي التي تقف وراء ذلك.

هذا المشهد الفوري والمباشر الذي عرض لواقع ما يحدث للشباب، بخصوص الهجرة يجعلنا نتساءل عن الاسباب التي دفعتهم الى اتخاذ مثل هذه الخطوة على الرغم من المخاطر الكبيرة التي قد يتعرض لها المهاجر، فضلا عن الامور الاخرة التي ينبغي أن تجعل الشاب يفكر ألف مرة قبل أن يتخذ قرار الهجرة، منها حاجة البلد إليهم، بل حاجة العائلة، ولكن على الرغم من الاسباب والموجبات الكثيرة التي تستدعي عدم هجرة الشباب، نجد أننا ازاء تصاعد لهذه الظاهرة.

تُرى أين دور المثقف العراقي في هذا المجال، أليس المثقف مسؤولا عن ترصين النسيج المجتمع، ومدافعا عن بناء المجتمع والدولة وشخصية الفرد، وأين دور الثقافة في مواجهة الهجرة الجماعية للشباب، هل هناك خطط فكرية توجيهية اطلقتها المؤسسات والمنظمات الثقافية لكي تضع بدائل مناسبة امام الشباب، حتى لا تتحول الهجرة الى حلم جماعي للشباب؟.

في الحقيقة جميع الدلائل تشير الى غياب اي دور للمثقف في هذا المجال، خاصة ان العراق يحاول ان يجتاز مفصل خطير من حياته، أليس الشباب هم بناة الدولة، وحماتها في الوقت نفسه؟، كيف يتمكن الشاب من ترك وطنه الذي يحتاج له، بعضهم يقول الوطن هو الذي يوفر لي سكنا وراتبا وعملا وحياة مستقرة، بل معظم المهاجرين تتركز اهدافهم في توفير الحياة الحرة لهم، مع ضمان المستقبل ولو بحدوده الدنيا.

وعي المثقف يضاعف مسؤوليته

وقد أكد بعض المراقبين أن بعض المثقفين لا يكتفون بدورهم الصامت ازاء ما يحدث من هجرة جماعية للشباب، بل هناك من يشجع عليها من المثقفين، وهو امر غريب حقا، أما كيف يشجع عليها المثقفون، فيحدث هذا من خلال انضمام بعض المثقفين للشباب المهاجرين، وهو امر من الصعب ان نجد تفسيرا له، لاسيما أن عقلية المثقف ووعيه ومستوى المعرفة لديه، تفوق الشباب الآخرين الذين لم تتوفر لديهم فرصة تحصيل الثقافة والمعرفة التي تزيد من وعيهم.

وفي هذه الحالة تنعكس النتائج على الارض، فبدلا من ان يكون المثقف راعيا للشباب، ونبراسا لهم، وكاشفا لهم عن الامور الخفية التي صنعتها دوائر وجهات بعضها معروف وبعضها خفي، للتشجيع على الهجرة، بدلا من قيام المثقف بدوره، نجد أنهم يسيرون مع الجماعة (تحت ضغط ثقافة القطيع)، فيتخلى المثقف عن وعيه ودوره، ويصبح واحدا من الشباب الذين لا يقرؤون ما وراء الأحداث والمخططات الخبيثة التي تهدف الى تدمير العراق.

ولذلك لم يتضح الموقف الصارم للثقافة والمثقفين حيال ما يجري من موجة هجرة صادمة للجميع، ويتساءل كثيرون لماذا تتفرج المؤسسات الثقافية على ما يحدث، أين خطواتها في نشر الوعي الثقافي السياسي الوطني بين الشباب، نعم هناك نواقص صعبة تفتك بحياتهم، وهناك تشتت في توضيح المستقبل لهم، فضلا عن تقصير المسؤولين حيالهم، ولكن هل قام المثقفون بما ينبغي كي يضاعفوا من شحنة الأمل لدى الشباب بغد أفضل؟.

ان الواقع يجيب بوضوح عن هذا السؤال، لقد بقي الشاب وحيدا في معترك حياتنا العراقية الصعبة، ولم يمد له احد من المسؤولين وقادة النخب يد العون المادي او المعنوي، وهنا تتجسد مسؤولية الثقافة والمثقفين في هذا الجانب، إذ لم يصدر موقف فاعل ومؤثر من المؤسسات الثقافية لمساعدة الشباب على تجاوز محنة الحاضر، مع كل ما يعترض حياتهم من مصاعب، فضلا عن مجهولية المستقبل، وضبابة ما يحدث حولهم.

وعلى الرغم من أهمية موقف المثقف في الأزمات الصعبة التي يتعرض لها المجتمع والدولة، تبعا لادراكه العالي ومسؤولياته المضاعفة، لكننا لم نلمس ما يؤكد هذه المسؤولية والتصدي لها، والحقيقة المكشوفة امام الجميع ان هناك تقصيرا ثقافيا واضحا حيال أزمة الهجرة التي تضرب البلد، وهو يخوض معركة شرسة على صعيدين، الاول معركة العراق ضد داعش الارهابي، ومعركته الثانية ضد ارهاب الفساد التي تضربه منذ سنوات.

خطوات عملية للثقافة

هل الثقافة مسؤولة عن وقف هجرة الشباب، أم هي مسؤولية جهات اخرى حكومية او اهلية، في الواقع المسؤولية التي تقع على المثقف والثقافة اخلاقية بالدرجة الاولى، فهي ليست وظيفية ولا قانونية، مثلما يقع ذلك على عاتق الجهات الحكومية المعنية التي ينبغي أن تخضع للمساءلة عما يحدث من هجرة جماعية للشباب، إذ لابد أن تكون هناك اسباب تدفع بهم لمغادرة البلاد، وجانب كبير ومهم من هذه الاسباب يقع على عاتق الحكومة واهمالها لمتطلبات الشباب.

ولكن نحن نتكلم هنا عن موقف الثقافة والمثقفين المعنوي والاخلاقي حيال هذه الأزمة، ودورهم في الحد منها، وما هي الخطوات التي اتخذها المثقفون (ليس الفعل الثقافي الآني)، بل على المدى البعيد، ماذا فعل المثقف؟؟ وماذا صنعت الثقافة للشباب، هل خطط المثقفون والمؤسسات الثقافية للقيام بخطوات اجرائية عملية تساعد الشباب على تطوير مهاراتهم ومواهبهم، بحيث تتيح لهم فرصا مضاعفة للعمل؟.

وهل أقدمت الثقافة على خطوات فعلية تساعد الشباب على وضع قدراتهم في خدمة بناء المجتمع والدولة، وهل فتحت لهم آفاق التطور والتشبث بالهوية الوطنية التي تجعلهم أكثر تمسكا بأرضهم وبلدهم، لاسيما ان هذا البلد معرض للعدوان الارهابي في كل لحظة، وهل تم تقديم خطط ثقافية تساعد على ترسيخ المفاهيم الوطنية في اذهان الشباب، وتحرسهم من الموجات الثقافية الخبيثة التي تتوافد عليهم من الخارج كالوباء؟.

في الحقيقة ليس هناك ما يشير الى اتخاذ المثقفين والمؤسسات الثقافية مثل هذه الاجراءات والخطوات، بل هناك اهمال لهذا الجانب، باستثناء بعض الخطوات الخجولة وغير المدروسة، والتي لا يمكن أن تشكل موقفا واضحا للمثقف والثقافة ازاء الشباب وطاقاتهم ومساعدتهم على صقل مواهبهم وتوفير فرص العمل المناسبة لهم.

قد يقول قائل هذه ليست مهمة المثقف ولا الثقافة، فالخطوات الاجرائية ملقاة على عاتق الحكومة ومؤسساتها المعنية بذلك، ولكن أين هو دور المثقف ازاء الشباب، وماذا تفعل الثقافة بخصوص مسؤولية ترسيخ المبادئ الوطنية في اذهان وعقول الشباب؟، نعم هناك دور جوهري للثقافة والمثقفين ازاء ما يحدث للشباب، وتقع عليهم مسؤولية اتخاذ الموقف الذي يرتفع الى مستوى الخطورة التي تتسبب بها الهجرة الشبابية من العراق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1