مضى شهران تقريبا على اول جمعة انطلقت فيها المظاهرات الشعبية الداعية لإصلاح الأوضاع السياسية، والاقتصادية، والخدمية في العراق، وفي الوقت الذي كان يتوقع كثيرون، أن حكومة العبادي التي اتخذت (حُزم اصلاحية عديدة)، ستنجح في تطبيقها الفعلي السريع، يرى آخرون أن التأخير في تنفيذ تلك الاصلاحات المعلَنة، فاق جميع التوقعات، وأن صبر الجماهير التي منحت ثقتها للعبادي في طريقه الى النفاذ.

كذلك يرى مراقبون أن توقيت اعلان الخطوات الاصلاحية الحكومية في كل خميس (أي قبل انطلاق المظاهرات بيوم واحد فقط.. في كل جمعة)، جعل البعض ينظر إليها الى كونها جرعات حكومية تخديرية، تستهدف امتصاص نقمة الشعب على اخفاق المؤسسات المعنية في تحويل مفردات الاصلاح المعلنة، من الأقوال والمفردات اللغوية، الى الواقع العملي الملموس.

في حين أعلن عدد من الشخصيات والجهات (الحيادية)، أن الحزمة الاولى التي تضمنت (إلغاء مناصب نواب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء)، كانت إجراءاً (عمليا) مكتفيا بصدوره (اللفظي)، والدليل على ذلك، أن مجلس الوزراء صوّت على هذه الخطوة الجريئة وأجازها، كذلك هناك اجراءات مهم تتعلق بتخفيض رواتب كبار المسؤولين، واعادة هيكلة سلم الرواتب، وتقليل الفوارق الكبيرة في ارقام هذه الرواتب وتقليلها الى ادنى حد ممكن، بما يحقق العدالة الاجتماعية بين الطبقة الشعبية الواسعة، والطبقة الحاكمة.

كذلك بقيت حزم الاصلاحات تتوالى، ومنها تقليص حمايات الرئاسات، والشخصيات السياسية التي تمتلك مناصب عليا في الحكومة، واحالة الفائض منهم الى القوات القتالية التي تواجه داعش الارهابي في جبهات الانبار وصلاح الدين وسامراء والفلوجة وغيرها، كذلك هناك خطوات ادارية مهمة اعلنها رئيس الوزراء، تتعلق بإعفاء (123) مسؤولا من ذوي المناصب الخاصة، بدرجة مدير عام وما شابه.

هل نحتاج الى معجزة؟

وعلى الرغم من أن كثيرا من هؤلاء اعلنوا أن مثل هذه الإعفاءات والإقالات غير دستورية، وتتناقض مع القوانين التي تنظم العمل الوظيفي وما شابه، إلا أن هذه الاجراءات أخذت طريقها نحو التنفيذ، وهذا دليل آخر على إصرار رئاسة الوزراء على تطبيق الحُزم التي تم اعلانها للشعب، علما أن رئيس الوزراء أعلن أكثر من مرة أن طريق الاصلاحات طويل وشاق، ولا يمكن أن يتم تنفيذه بعصا سحرية وبين ليلة وضحاها.

علما أن بعض المراقبين المعنيين، يؤكدون أن هناك تناقض في مواقف الجهات والشخصيات التي تضررت من (حزم الاصلاحات)، فهؤلاء يعلنون الى الملأ أنهم مع الاصلاحات، حتى لو كانت تأخذ من جرف سلطاتهم وامتيازاتهم، وبهذه الخطوة يهدف هؤلاء الى تجنب غضب الشعب، ومنهم من يذهب بعيدا، فيحسب حسابه للانتخابات البرلمانية وانتخابات الحكومات المحلية، ولا يريد أن يجازف بحرق ورقته وفقدانه للاصوات التي قد يخسرها في حالة اعلانه بوضوح أنه يقف ضد الاصلاحات.

ولكن لم ينتهِ الامر عند هذا الحد، حيث يقول المراقبون أنفسهم، أن هؤلاء المتضررين الذين يعلنون أنهم موافقون على ما تتخذه الحكومة من اجراءات بحقهم، يعملون في الخفاء على تعويق تطبيق الاجراء العملي لها، ويناقشون فيما بينهم بالخفاء مدى دستورية تلك الاصلاحات!، وهذه الامور تشكل تناقضا في مواقفهم، فالصحيح، أما يقبلون تلك الخطوات علنا، ولا يعترضون عليها سرا، وأما أن يرفضوها بإعلان رسمي، مع بيان أسباب الرفض.

وطالما أنهم يقولون أن سبب الرفض دستوري، أي أن هناك تعارضا بين الاصلاحات الحكومية المعلنة من جهة، وبين النصوص الدستورية من جهة اخرى، وهو امر غير مقبول بطبيعة الحال، وإن كان المتظاهرون، يقولون، أن الشعب هو مصدر السلطات، وهذا أمر صحيح ومتفق عليه، ولكن هناك من يرى أن أعداد المتظاهرين (دستورا) لا تمثل أعداد الشعب بصورة كاملة، وهذا ما يجعلها محط مناقشة من حيث نسبة التمثيل.

وربما يتساءل آخرون، من الجهات او الشخصيات، التي تعلن موافقتها علنا على الاصلاحات وترفضها سرا، والحقيقة لا يمكن أن تكون هناك دقة في تشخيص هذه الجهات، لسبب واضح أنها غير معلنة، والدليل أن الحزمة الاولى للعبادي، تم التصويت عليها بالاجماع في مجلس النواب، وبأكبر عدد من حضور النواب قارب الـ (300) نائبا، وهو رقم قلما يجتمع تحت قبة البرلمان في جلسة واحدة، لذلك يرى المراقبون، أن لا تأثير لمن يرفض خطوات التصحيح، اذا وافق عليها علنا، لاسيما أن الرفض سيشكل خطرا على مستقبلهم السياسي.

هناك فرصة لنجاح الإصلاحات

بعد إلقاء الضوء على جانب من حُزم الاصلاحات، هنالك سؤال يتردد بين الجميع، لاسيما أولئك الذين يبحثون عن فرصة لحياة أفضل، ونعني بهم الطبقة المسحوقة من العراقيين، إنهم يتساؤلون بأمل وجدّية، هؤلاء يتساءلون بإلحاح هناك فرصة فعلية لنجاح (إصلاحات حكومة العبادي) التي تم اعلانها تباعا وراء بعضها البعض؟؟.

وبعضهم يذهب الى مسافة أبعد من ذلك، عندما يطالب بضمان التطبيق الفعلي لما أعلنه رئيس الوزراء، ويقول هؤلاء نحن نعرف أن المتضررين من اجراءات الحكومة، لن يقفوا مكتوفي الأيدي، وأن هناك صراعا معلنا بينهم وبين الحكومة، لكن الجانب الخفي من هذا الصراع هو الأكثر حدة وخطرا، لذلك يرى متابعون ومعنيون بهذا الشأن، أن هذه المواجهة الشرسة بين الحكومة والشعب من جهة، وبين رؤس الفساد الكبيرة من جهة، من الأفضل أن تكون مكشوفة ومعلنة، حتى يتم وضع النقاط على الحروف، وحتى يكون الشعب والجماهير الى جانب الحكومة بقوة وحزم.

لكن هناك من يرى العكس، فالامر متشابك وليس بهذه السهولة، فالفساد الذي تراكم منذ اكثر من عشر سنوات، فضلا عن جذوره الضاربة في المنظومة الادارية قبل عقود من الآن، كلها تجعل من خوض هذا الصراع صعبا للغاية، وهذا يؤكد ايضا أن معركة الاصلاح سوف تكون طويلة من حيث التطبيق، وهي تحتاج الى خطوات كبرىـ على ان يسهم فيها الجميع حكومة وشعبا وما يتبع لهما.

على أن توضع أولويات، وخطوات مخطط لها من جهات ومؤسسات وشخصيات مختصة بمعالجة الفساد، والاخفاقات في المجالات الاخرى، حتى يكون التنفيذ علميا ومدروسا، ويكون دقيقا من حيث التطبيق، وأن يكون هناك هامش كبير للصبر على الاصلاح، وهذا ما أعلنه العبادي بنفسه مؤخرا، عندما قال، لا يمكن محاربة عشر سنوات من الفساد في بضعة ايام او شهور.

وهذا يعني بدقة، أن الحكومة تحتاج الى مزيد من الوقت والتفهم الشعبي، فضلا عن حاجتها لدعم الشعب المتواصل لاتمام عمليات محاربة الفساد بصورة صحيح والوصول الى نتائج مضمونة، لاسيما أن الحكومة العراقية، لم تواجه (فساد الداخل فقط)، إنما هناك عدو شرس يتمثل (بالتنظيم الارهابي داعش)، يستدعي ايضا التعامل معه بحزم ودقة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0