هل يختلف المثقف عن غيره من الناس؟، سؤال يُطرَح بين حين وآخر على المثقفين أنفسهم وعلى غيرهم، والجواب في الغالب لن يكون واحدا، فكل إنسان له تعريفه وتفسيره للمثقف، كما أن المثقفين أنفسهم لا يتشابهون في ذلك، وحتى اللحظة لا يوجد تعريف متَّفق عليه للمثقف، وهل هو كائن مختلف أم حاله حال البشر الآخرين، ولكن هنالك سمة أو صفة قد يتفق كثيرون على أن وجودها مهم لدى المثقف.

هذه الصفة التي تكاد لا تغيب عن كينونة وطبائع المثقف، هي تعويله الزائد على الأحلام، وسياحته المستمرة عبر أجنحة الخيال، فهو شخص يطمح للكثير بسبب سعة ثقافته واطلاعه، والأشياء التي يطمح لها تجمع بين الحاجات الذاتية والجمعية.

فمن الجانب الفردي له رغباته وأهدافه التي قد يطمح لها كل الناس، ومن الجانب الجمعي فهو يحلم بالمدينة الفاضلة دائما، لكن الحلم شيء وتحقيقه شيء آخر، فكثير من المثقفين الذين نعرفهم، يقولون عن حلم المدينة الفاضلة، أنه لا يزال حبيس الخيال وأنه لم يدنُ من أرض الواقع قيد أنملة.

المدينة الفاضلة حلم المثقف غير القابل للتطبيق، أو غير الممكن، ليس المثقف وحده له حق الحلم، الجميع مكفول لهم هذا الحلم أو سواه، ولكن ليس الكل لديهم القدرة على الحلم، فالناس البسطاء قليلو الوعي والمعرفة، لا تخطر على بالهم أحلام كالمدينة الفاضلة، فأحلامهم بسيطة سهلة ومع ذلك كثير منها تبقى أحلاما مؤجّلة حتى الموت.

إسكات صوت القلق

يقول أحد المثقفين: الحلم كما أعرفه الآن، بعد ستة عقود في رحلة الحياة، بديل مناسب للقحط، للجفاف، لتعويض الحرمان، ولإسكات صوت القلق، لسد النقص الصارخ في أعماق الروح، الحلم كذبة بيضاء، يحتاجها الإنسان لكي يملأ الفراغات التي يعاني منها، إنه نوع من التخيّل لأشياء لا يمكن العثور عليها أو بلوغها في الواقع، ولذلك يصنع الإنسان أكاذيبه الخاصة من خلال الأحلام، لكي يهدّئ خوفه وقلقه ويروي عطشه للمدينة الفاضلة أو غيرها من الأحلام غير القابلة للتحقيق.

ويضيف هذا المثقف نفسه: أما عن أحلامي فحين أختلي مع نفسي وأسألها بعد هذه الرحلة الطويلة في الحياة، هل تحققّتْ أحلامك؟ فلا تجيبني نفسي، وأكرر السؤال عليها وتصمت، ثم أعيد السؤال بشيء من الرجاء والتوّسل، فتجيب نفسي بأن أحلامي لم يتحقّق منها شيء، هذا هو جوابي عمّا تحقق من أحلامي، وهو جواب أشعر أنه صادق وحقيقي.

لو أننا أتينا للبلدان وشعوبها وعلاقتهم مع الأحلام، ومن هذه الدول العراق، فهل هو بيئة صالحة للأحلام الكبيرة أملا؟، أما عن كون العراق كبيئة صالحة للحلم فأقول من وجهة نظر شخصية، إن العراق هو أكثر بقعة بالأرض تحتاج إلى الأحلام، لأن واقعها مجدب وجاف ولا طراوة فيه، وربما لهذا السبب أتخيَّل أحيانا أن جميع العراقيين أناس حالمون من الطراز الأول، وذلك لكي يملأوا فراغ الروح والقلب والحياة معا.

هناك علاقة شائكة بين المثقف والمسؤول، فالمسؤولون عادة واقعيّون، مصلحيّون، أو كما يُقال براغماتيون، يعنيهم المنفعة أينما كانت، ولا يوغلون كثيرا في الخيال، وربما لا يحلمون مطلقا، على خلاف المثقف الذي يصدمه الواقع دائما، فيسعى لإيجاد الوسائل التي تخفف عنه وطأة ذلك الواقع ونواقصه الكثيرة، فيطمح للكثير، وغالبا يسبب حرجا للمسؤولين.

هل المثقف مصدر تهديد للمسؤول؟

قد يكون هذا هو السبب الذي يجعل المسؤولين الحكوميين يكرهون المثقفين، وينظرون إليهم كمصدر تهديد لهم، المسؤول الحكومي الرفيع له امتيازاته التي يتنعّم بها، ولا يريد أن يخسرها، وأكثر من ينغّص عليه هذه الامتيازات هم المثقفون الحقيقيون وليس المثقف الطارئ أو المزيّف، وهذا النوع من المثقفين المرائين المتزلفين موجود في الساحة دائما.

وهؤلاء هم السبب في تشويه سمعة المثقفين الحقيقيين، فالمثقف الحقيقي يمكنه الحلم دائما، لكن عليه مسؤوليات واقعية يجب أن يتصدى لها، ويجب أن يتحلى بالمبادئ التي تحمي وجود الإنسان وتحافظ على كرامته من المسؤول أو غيره.

لذلك فإن المثقف الحقيقي غير مرغوب به ليس في العراق وحده، وإنما في البلدان العربية كلها وربما في العالم (مع اختلاف البيئة الاجتماعية ونوع الثقافة)، هناك إهمال متعمّد للثقافة والمثقف وحتى للأدب من المؤسسات الحكومية، مثال بسيط على ذلك حتى الآن لا توجد جائزة أدبية أو فكرية مرموقة في العراق، مع قدرته الكبيرة على تحقيق ذلك.

في النهاية المثقف الحقيقي لا يكره المسؤول، لكنه يكره سلوكهُ الرسمي الذي يتجاهل القضايا الجادة، ويهتم كثيرا بالقشور والشكليات، لذلك أحد أهم أحلام المثقف الجاد، أن يكون المسؤول نفسه مثقفا، ويحمل من الأنفة والنقاء والضمير ما يجعله رفيع النفس وعالي السلوك، وكبير في التعامل مع المغريات الكثيرة والكبيرة.

اضف تعليق