يقظة شعبية غير مسبوقة والفاسدون على رمال متحركة، هكذا يبدو المشهد العراقي بعد احتجاجات على مدى أسابيع في بغداد ومدن بجنوب العراق، للمطالبة بإصلاحات حكومية ودعوة وجهها المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني للعبادي لبذل مزيد من الجهد في مكافحة الفساد، فقدم على اثر ذلك حزمة قرارات من بينها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء التي يجري تقاسمها في الوقت الحالي على أسس طائفية.

وفي أول تطور لهذا الاصلاحات حصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على موافقة مجلس الوزراء على تقليص عدد المناصب الحكومية الكبيرة في إطار مبادرة تهدف إلى تحسين الوضع المالي للبلاد والحد من الفساد.

لكن بعد ان اصدر العبادي القرارات الاصلاحية المعلن عنها ودفع بها الى البرلمان، يبقى السؤال الاهم هو هل سيقف البرلمان مع الشعب ام سيقول أعضاؤه أن القانون الدستوري لا يجيز ذلك؟، يرى بعض المحللين أن معظم الإصلاحات المقترحة تحتاج إلى موافقة مجلس النواب العراقي قبل إقرارها، في الوقت الذي تبدو فيه حكومة العبادي في غير حاجة إلى مزيد من القلاقل، حيث تأتي الاحتجاجات متزامنة مع ظروف صعبة للحكومة، وتوترات سياسية وأمنية في مقدّمتها الحرب ضد تنظيم داعش وما تجره في الكثير من الأحيان من انتقادات لأداء الحكومة.

في حين يرى مراقبون للشأن السياسي العراقي إن الفساد والضغوط الاقتصادية والمعركة ضد داعش دفعت العبادي مع البلد الى حافة الانهيار، لكن دعوة السيد السيستاني للعبادي لاتخاذ قرارات جريئة كانت تمثل الدعم المثالي له، وفي الوقت المناسب، أعطت هذه الدعوة قوة للعبادي ومنحته الحصانة ضد أية معارضة محتملة، ففي وقت سابق دعا السيستاني رئيس الوزراء في خطبة الجمعة الى أن يضرب الفساد "بيد من حديد" والى تعيين المسؤولين بناء على الكفاءة وليس على أساس الانتماءات الحزبية أو الطائفية.

فيما يرى بعض الخبراء في الشأن الداخلي العراقي انه مع الضوء الأخضر من السيستاني فالعبادي الآن اقوى من أي وقت مضى وسيمضي الى الأمام بأجراء تغييرات جوهرية وبدون أي تردد.

ونظراً للمخاطر الكبيرة التي تنطوي عليها هذه التطورات، لاسيما الاضطرابات الأمنية التي تغذيها الصراعات السياسية الخفية، يجب التعامل مع الوضع الحالي بعناية شديدة، من خلال الحكمة السياسية، لكنها ستكون صعبة التنفيذ في البيئة السياسية الحالية.

لكن التفويض الشعبي ودعم المرجعية هيأت فرصة تاريخية للسيد العبادي لإنقاذ البلاد، وفي اطار الموضوع ذكرت بعض المصادر الاعلامية بأن العبادي طلب تحضير الملفات التالية التي تطال شخصيات كبيرة في الحكومات السابقة وأعضاء في حكومته كحزمة أولى من كشف ملفات الفساد المالي والإداري وهي:

أولا: ملف عقود الكهرباء السابقة.

ثانيا: ملف صفقة السلاح الروسي.

ثالثا: ملف شراء أجهزة كشف المتفجرات.

رابعا: ملف ميزانية عام 2014.

خامسا: ملف سندات الأراضي الوهمية التي وزعت على المواطنين.

سادسا: ملف 50 الف عنصر فضائي في الجيش العراقي.

سابعا: ملف عمليات القتل الطائفي والسياسي.

وعليه كما يبدو أن الوضع السياسي والامني في العراق صعب جدا لكن الخروج من هذا المأزق يحتاج أولاً إلى رؤية، ثم سياسات وآليات تنفيذية، وأن هذه المرحلة من تاريخ العراق تحتاج إلى أشخاص غير تقليديين لأننا في مرحلة غير تقليدية.

فيما يتوقع محللون آخرون بأن بعض الاحزاب والكتل ومسؤوليهم سيحاولون الالتفاف على مطاليب الشعب بأن يكونوا اصحاب مطالب وليس مطلوبين للشعب، والواقع يدل على ان صراع المصالح هو هروب من المسؤولية قد لا تتم المحاسبة عليها الآن لكن التأريخ – كما اثبتت التجارب- لا يتساهل مع المخطئين بحق شعوبهم.

إصلاحات حازمة

في ذات الصدد أمر رئيس الحكومة العراقي حيدر العبادي، بإلغاء منصبي نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء، في إطار حزمة من الإصلاحات استجابة للاحتجاجات التي شهدتها العديد من المدن العراقية ضد الفساد. بحسب فرانس برس.

أقر مجلس الوزراء العراقي في جلسة استثنائية إصلاحات العبادي في موافقة بالإجماع على الحزمة الأولى من الإصلاحات قبل إحالتها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها، إذ أن بعضها قد يتطلب تعديلا دستوريا وبالتالي من المرجح أن يستغرق تطبيقها بعض الوقت.

وتشمل إصلاحات العبادي تقليص شامل وفوري في أعداد عناصر الحماية (الحرس) لكل المسؤولين في الدولة" و"فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت إشراف لجنة عليا (...) تتشكل من المختصين"، وتأتي هذه الإصلاحات التي يتطلب بعضها موافقة البرلمان، بعدما دعا آية الله علي السيستاني إلى اتخاذ خطوات إصلاحية تبرهن على "جرأة وشجاعة".

كما تتضمن إصلاحات العبادي "إلغاء المخصصات الاستثنائية لكل الرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمتقاعدين منهم"، و"فتح ملفات الفساد السابقة والحالية تحت إشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد تتشكل من المختصين (...)، ودعوة القضاء إلى اعتماد عدد من القضاة المختصين المعروفين بالنزاهة التامة للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين".

في سياق متصل أيد المبادرة أحد نواب الرئيس وهو نوري المالكي الذي استقال من منصب رئيس الوزراء في اغسطس آب الماضي بعد أن شغل المنصب ثمانية أعوام قال منتقدون إنه قد شابها انقسام عرقي. بحسب رويترز.

وقال المالكي على تويتر "نجدد موقفنا الداعم للاصلاحات التي تقتضيها العملية السياسية والتي وجهت بها المرجعية الدينية العليا السيد رئيس مجلس الوزراء"، وأبدى نائب آخر لرئيس الجمهورية وهو أسامة النجيفي تأييده.

ودعا العبادي الى إنهاء توزيع المناصب الحكومية على أسس طائفية وحزبية وإعادة فتح التحقيقات في قضايا الفساد إلى جانب "تقليص شامل وفوري في أعداد الحمايات لكل المسؤولين في الدولة... ويتم تحويل الفائض الى وزارتي الدفاع والداخلية حسب التبعية لتدريبهم وتأهيلهم ليقوموا بمهامهم الوطنية في الدفاع عن الوطن وحماية المواطنين"، وتتطلب المقترحات موافقة البرلمان.

من المسؤول عن تردي قطاع الخدمات في العراق؟

الى ذلك امتدت التظاهرات الاحتجاجية في العراق خلال الآونة الاخيرة، لتصل إلى مدن في الجنوب العراقي مثل كربلاء والبصرة احتجاجا على تردي الخدمات خاصة الكهرباء والماء، وسوء الأحوال المعيشية في وقت قال فيه متظاهرون إنهم سيواصلون مظاهراتهم التي قد تتحول إلى اعتصام مفتوح إن لم تتحقق مطالبهم.

وكان لافتا في معظم احتجاجات العراقيين خلال الأيام الماضية، أنها شملت أطيافا مختلفة من الشعب العراقي بشيعته وسنته ،حيث بدا أن المواطنين العراقيين راغبون في حكومة توفر لهم احتياجاتهم اليومية ، بما يخفف من معاناتهم بعيدا عن الخطاب الطائفي الذي سيطر على الساحة السياسية لفترة طويلة، كما كان من اللافت أيضا تحول الاحتجاج على تدهور الخدمات إلى احتجاج ضد الفساد وسوء الإدارة الذي أبدته الحكومات العراقية المتعاقبة، منذ الغزو الأمريكي للعراق وانهيار نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين خاصة فيما يتعلق بملف الخدمات العامة. بحسب البي بي سي.

من جهته برّأ وزير الكهرباء قاسم الفهداوي نفسه من مسؤولية الأزمة التي تشهدها بغداد والمحافظات، ملقيًا اللوم على الإدارات السابقة لملف الكهرباء، وقال الفهداوي في تصريح صحافي "نحن نتعاطف مع المواطن ومتألمون لما يعانيه ونشعر به لأننا جزء منه، ولكن نقول إننا لسنا مسؤولين عن المشكلة، فنحن استلمنا واقعًا خربًا، والآن نسعى جاهدين ليلًا نهارًا لغرض التخفيف مما يعانيه". وتشير مصادر عراقية إلى أن حكومات البلاد التي تعاقبت على حكم العراق بعد عام 2003، قد أنفقت على مشاريع الطاقة الكهربائية خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية حوالى 30 مليار دولار، لكن المصادر تشير إلى أن معظم هذه الأموال أهدرت في عقود وهمية بسبب الفساد وسوء الإدارة، لكن محللين يقولون أيضا أن شبكة الكهرباء العراقية تضررت كثيرا خلال الغزو الأمريكي عام 2003، كما أنها تعرضت للتخريب على يد مسلحين فيما بعد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0