الرشد كمفردة تعني سداد الفكر، والإجراءات التي تتبع ذلك الفكر، وهو بالتالي يصب في صالح بناء الدولة والفرد والمجتمع، كونه ينطوي على توابع، كلها تقف الى جانب الانسان، وتصون حياته من التراجع والنكوص والتردي، بعد أن يقوم الرشد وتوابعه، بوضع الحواجز المبدئية والعملية التي تقي الدولة والمجتمع من الضعف والانهيار.

فمن توابع الرشد على سبيل المثال، سداد الرأي، وهذا يقود بدوره الى سداد مماثل في النتائج النظرية والتطبيقية، إذ لا يمكن أن يؤدي سداد الرأي الى معضلة أو مشكلة او خلل، فالرأي الصحيح يؤدي الى نتائج صحيحة في الشقّين الفكري والعملي، وهذا الأمر كفيل بأن يجعل الفرد ماضيا في الطريق الصحيح، صعودا الى المجتمع ثم الدولة بأجمعها.

ومن توابع الرشد، الهدى والبر، فإذا كان الهدى خلاص الانسان من الزلل، وحمايته من المغريات الدنيوية التي تنتشر حوله، في العمل او الشارع أو في أي مكان تنشط فيه الناس، فهذا وحده كفيل بصناعة حياة الارتقاء، وهو هدف قائم لم يغادر مخيلة الانسان يوما، بل لم يخرج عن إطار طموحه في لحظة ما، فالارتقاء هدف الفرد بغض النظر عن مؤهلاته المادية والفكرية.

ماذا يعترض طريق التقدم؟

وهذا يؤكد أن الانسان يطمح نحو الأفضل بالفطرة، أي أن تركيبته النفسية المجبول عليها، تدفعه نحو تحقيق الأفضل دائما، ولكن هناك عثرات ومشكلات تعترض طريقه، أثناء التحرك العملي نحو الهدف، لذلك يحتاج الى الرشد بشكل دائم، حتى يكون في منأى عن المغريات والانزلاق في مسارب الانحراف.

علما أن هذه المشاكل، ليست فردية، بقدر ما تكون في الغالب، مصاعب مجتمعية جماعية، يعاني منها المجتمع عموما، فالحالة الفردية، والتراجع الذي يعاني منه الرشد، وعدم نشر الثقافة، لا تمثل حالة فردية، بل المجتمع كله يعاني من هذه الاشكالية التي ينبغي معالجتها والتصدي لها بتحصين الجميع من التخلف، بصفته مشكلة جماعية وليست فردية.

وهذه الحصانة لا تتوافر للانسان إلا من خلال الرشد، والاخير يمنح الانسان السداد، والبر، والتقوى، فضلا عن قيم ومزايا اخرى كثيرة، تساعده على تحقيق الارتقاء، وهذا الهدف يطمح به الانسان الفرد، ومن ثم يشكل خلاصة لارتقاء المجتمع بصورة عامة.

وعندما يكون هدف المجتمع تحقيق الارتقاء، فليس أمامه سوى طريق الرشد، لما ينطوي عليه من مزايا خلاقة، تعيد تشكيل البناء المجتمعي، وفقا لمزايا الرشد نفسه، وهذا يستدعي اهتماما خاصة من الدولة، والجهات الحكومية المعنية، والمنظمات التي تُعنى بالجانب الفكري والاخلاقي، بالاضافة الى دور المؤسسات الخيرية في هذا المجال، على ان يكون العمل منتظما ومخططا له، وليس عشوائيا، لان التنظيم والتخطيط في التنفيذ يمثل جانبا بل ركنا مهما من اركان الرشد، إذ لا رشد من دون تخطيط وتنظيم وتنفيذ لا يمت للارتجال بأية صلة.

يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في احدى مواعظه:

(أما الرشد فيتشعب منه السداد والهدى والبر والتقوى والمنالة والقصد والاقتصاد والصواب والكرم والمعرفة بدين الله، فهذا ما أصاب العاقل بالرشد فطوبى لمن أقام به منهاج الطريق).

إذاً كما هو واضح من معاني ومضامين الموعظة النبوية الكريمة، أن الانسان ليس أمامه سوى طريق الرشد، اذا كان جادا في سعيه لبلوغ التطور، وسبق أن ذكرنا ان طموح الانسان نحو الارتقاء، يتضاعف كلما كانت سبل الرشد متاحة له، وكما قرأنا في الوصية النبوية، فالرشد تتبعه مزايا كثيرة، تنتج عنها قيما مجتمعية راقية.

عوامل تساعد على تحقيق الرشد

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة علينا، كيف يمكن تحقيق الرشد للجميع، حتى يتسنى للفرد والجماعة بلوغ درجة أفضل من العيش؟، في الحقيقة يتعلق هذا الامر بأمور كثيرة، أولها قضية التخطيط المدعومة بإصرار جماعي على بلوغ هدف الرشد.

فالمطلوب أولا، أن تتوافر رغبة ذاتية واستعداد فردي للتطور، ومن ثم تطور هذه الرغبة والاستعداد الفردي، لكي يكون جماعيا، وهذا لا يتحقق من دون أن تكون هناك عوامل مشجعة في هذا الطريق، فالإنسان عندما يجد الاخرين في سعي دائم نحو الامام، سوف يتأثر بهذا التوجّه نفسيا، وسوف يكون لديه الاستعداد للسعي بصورة فردية وجماعية نحو التقدم.

أما العوامل المشجعة لتحصيل الرشد، فهي كثيرة، ولكن أهمها يتعلق بقضية التخطيط والتنفيذ، والمشاركة الرسمية والأهلية في هذا المجال، فالحكومة على سبيل المثال ينبغي أن تضع مؤسساتها الفكرية والثقافية والتربوية، في خدمة تحقيق هذا الهدف الجوهري، يُضاف الى ذلك يعي المنظمات المدنية والمؤسسات الخيرة في الاتجاه نفسه، وعندما تتشارك القدرات الرسمية والاهلية، لتحقيق الرشد، فإن الاستعداد الفطري للتطور، سوف يدفع الفرد في هذا الاتجاه، تحت قاعدة التأثير المتبادلة.

وهذا بدوره يقود الى استعداد جمعي، يجعل الجميع في حالة سعي دائمة لتحقيق الرشد الفكري، لاسيما عندما يلمس الجميع المزايا التي يحققها الرشد للفرد والمجتمع عموما، حيث الحياة تأخذ أبعاد أخرى أكثر سعة وتطورا وحرية، وتصبح أكثر مراعاة الى الكرامة الانسانية، التي لا يمكن أن يحصل عليها الانسان، بعيدا عن الرشد ومزاياه.

والخلاصة، كما لاحظنا ذلك في الموعظة النبوية، ان الرشد يقود الانسان والدولة والمجتمع عموما، الى نتائج راقية جدا، لذلك جاء في هذه الموعظة عن الرشد تحديدا (طوبى لمن أقام به منهاج الطريق)، لأن النتائج التي تتحقق من بلوغ الرشد، تعود بالفائدة والتطور والارتقاء للجميع من دون استثناء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0