حينما نطل بإخلاص على الإرث الثقافي الفكري التربوي الذي تركه لنا آية الله محمد رضا الشيرازي (رحمه الله)، فإننا سوف نقف أمام أفكار وآراء غاية في الوضوح والتخصّص والتركيز، وهذه السمات تميّز شخصية الفقيه الشيرازي عن غيره، وتكاد تتجسد في شخصيته تفكيرا وسلوكا.

من الناحية الشخصية يتميز الفقيه الشيرازي بوضوح الشخصية، وهدوئها، وعمقها، وفي نفس الوقت وضوحها، وقلّما يجتمع العمق والوضوح والبساطة في شخصية الإنسان، إلا من هو قادر على الجمع بين النقائض، وهي سمة نجدها في الشخصيات المؤثرة في محيطها البشري، وهذا هو دأب الفقيه الشيرازي، فكرا، سلوكا، وحضورا.

لقد ترك الفقيه الشيرازي إرثا كبيرا في مؤلّفاته ومحاضراته المرئية والمسموعة، ويمتلك هذا الإرث فرادة وبصمة خاصة، نستطيع الفرز بينها وبين سواها مما تركه الآخرون سواء في حياتهم أو بعد رحيلهم، وذلك من خلال استجلاء القيم التي ركّز عليها الفقيه الشيرازي، لصناعة شخصية ذات عمق ثقافي غير قابل (للغزو) أو للتأثّر بموجات وتيارات ثقافية دخيلة، وكان تركيزه على الشخصية المثقفة كبيرا.

متطلبات صناعة الشخصية

ينظر الفقيه الشيرازي إلى الفكر والثقافة على أنهما سلاحان لا يمكن التجرّد منهما، فلا يمكن لإنسان (فردا كان أو جماعةً، أمة أو مجتمعا)، مواجهة ما يتهدد كيانهم من مخاطر كبيرة، إلا بتهيئة متطلبات صناعة الشخصية المثقفة، فهذه الشخصية تكون قادرة على الفرز بين الجيد والمسيء من الأفكار، كما أنها تمتلك عقولا غير قابلة للاختراق، حتى لو كانت الأفكار والثقافات الأخرى من النوع الذي يُبهر الناس بشكله قبل جوهره.

في جميع المحاضرات الثقافية التي ألقاها الفقيه الشيرازي، أو ضمّنها في محاضراته ومجالسه، كان يفتح أمام الإنسان أبوابا كثيرة نحو التميّز والتفرّد، والإيمان بجذوره الفكرية والدينية والثقافية، وكانت أفكار وكلمات الفقيه الشيرازي تقدم دعما واقعيا للإنسان، يكون مدعوما بأدلّة وبراهين تصنع القناعة التامة بما يطرحه من أفكار وتفصيلات ثقافية أو فكرية، فكان قارئه أو المستمع إليه، يصل إلى القناعة التامة بما يطرحه الفقيه الشيرازي من شروحات مدعومة بالتوازن والانفتاح الواثق بالفكر الثقافة الإسلامية.

هناك كثير من الناس شخصيته غير راكزة ولا واثقة، تتلاعب بها الأهواء الثقافية والفكرية الوافدة، لأنها لا تمتلك القناعة اللازمة بثقافتها وجذورها، لدرجة أن الشعور بالدونية إزاء الثقافات الأخرى هيمن على عقول وشخصيات وسلوكيات هؤلاء المحسوبين على الإسلام، وكان الفقيه الشيرازي يركّز على هذا النوع من الشخصيات المهزوزة ثقافيا أو عقائديا.

لا للثقافة المنغلقة

من أولى الخطوات العلمية التي قدّمها الفقيه الشيرازي لصناعة شخصية مثقفة، دعوته إلى الابتعاد عن التطرف والانغلاق، فالثقافة المنغلقة في رأيه مصابة بالخوف من الآخرين، وكذلك ينظر إلى الثقافات المتطرفة على أنها مهزومة من الداخل، وأنها صنيعة عقول لا تصلح للحياة، لأنها تسعى إلى التكفير والتدمير.

من هنا لاقت أفكار الفقيه الشيرازي نحو ثقافة الثقة بالنفس أولا، قبولا لافتا، وصار محبو الفقيه الشيرازي ينظرون إلى شخصيته الواثقة كنموذج لهم، فمن يُبحر في أفكاره وثقافته والرؤى المبتكرة التي يطرحها في كتبه ومحاضراته، سوف يصل إلى مرفأ الاستقرار، لاسيما حين يُقرن تلك المضامين الخلاقة بشخصية الفقيه الشيرازي الواثقة الهادئة البشوشة التي تسلب قلوب الناس قبل أسماعهم.

في تركيزه على أهمية بناء الشخصية الثقافية، كان الفقيه الشيرازي يعيد ويكرر ويؤكّد على هذا النوع من الصناعة، ولا تتوقف دعوته هذه وإلحاحه هذا على الكلام أو الطرح المجرد من آليات وأدوات وأساليب هذا النوع من الصناعة، بل وضع بنفسه الخطوات التي تجب اتخاذها من الجهات ذات العلاقة بصناعة الشخصية المثقفة.

خطوات بناء الشخصية المثقفة

من تلك الخطوات العملية دور الأسرة في البناء الثقافي، فقد أكد الفقيه الشيرازي تأكيدا كبيرا على الدور الأسري في بناء شخصية ثقافية واثقة للطفل، واعتبر أن هذا الطراز التربوي يشكل حجر الزاوية في حياة الإنسان المستقبلية، فالطفل الذي يُبنى ثقافيا في توازن ووثوق سوف تكون حياته مستقرة، ونظرته ثاقبة، وسلوكه غير متذبذب، كما أنه سوف يكون أقل عرضة للأهواء والموجات الثقافية والفكرية المتقلّبة.

بإمكان الأب والأم والأخ الأكبر بناء قواعد ثقافية فكرية تربوية راسخة في شخصية الطفل، لتجعل منه (ذاتًا) قوية متحدة ومتصالحة مع السرائر والدواخل، بما يسد جميع الثغرات التي قد تتسلل منها أفكار غير مرحَّب بها، بسبب نزعتها المادية أو الفردية، أو تلك الثقافات الموغلة بتمجيد الشكل على حساب العمق والجوهر، هذا ما ركّز عليه الفقيه الشيرازي بخصوص بناء الشخصية المثقفة المتطلّعة لمستقبل باهر، فالبدايات كما يرى الفقيه الشيرازي مؤشّر مهم على صلاحية واستقرار حياة الفرد والأمة.

دور المؤسسة التعليمية

من الخطوات المهمة الأخرى دور المؤسسة التعليمية والتربوية، فهذه المؤسسة لا تقل أهمية عن دور الحاضنة الاجتماعية، المعلم والمدرّس هو النموذج الأكثر تأثيرا في حياة الأطفال والمراهقين والشباب، إذا كان التدريسي نموذجا جيدا في التفكير والسلوك والأخلاقيات، فإنه سوف يصنع شخصيات طلابية واثقة وقادرة على مواجهة الموجات الثقافية الصاخية التي يضج بها عالمنا اليوم.

قد لا يقدّر بعض التدريسيين مدى أهمية حضورهم في حياة طلابهم، لكن ليثق الجميع بأن أية كلمة أو حركة أو نبرة صوت يطلقها التدريسي، سوف يكون لها تأثيرها الإيجابي أو النقيض في حياة الطالب، هكذا يرى الفقيه الشيرازي أهمية التدريسي فكريا وتربويا ودينيا، وبهذا فإنه دوره يكون مفصليا في صناعة الشخصية المثقفة القادرة على الاستقرار في وسط تيارات ثقافية وسلوكية متلاطمة في بحر الحياة.

وأخيرا لم يقصُر الفقيه الشيرازي مهمة البناء الثقافي على الأب والأم والتدريسي، بل أشرك الجميع في هذه المهمة الكبيرة والحاسمة في حياة الأمم، فرجل الدين ليس معفيا من هذه المهمة بل هو في صدارة الركب المتصدي لصنع الشخصية المثقفة، وكذا الحال بالنسبة للمثقف، والطبيب والمهندس وحتى الكاسب، الجميع تقع عليه مسؤولية أن يكون نموذجا ثقافيا ثابتا في تطلعاته ومبادئه ومتمسكا بمعتقداته الصحيحة، حتى تتم مواجهة الثقافة المتطرفة من خلال الإسهام في صناعة شخصية مثقفة واثقة ومنفتحة بتوازن على الجميع.

اضف تعليق