على الرغم من أن هذا الموضوع يبدو من عنوانه ذا طابع اقتصادي، لكنه في واقع الحال يتعلق بطبيعة شخصية الشاب، والبيئة التي ترعرع ونما فيها، وكذلك نوعية الأفكار التي يحبذها دون سواها، فالأمر ليس اقتصاديا بحتا، بل له علاقة بشخصية الشاب وعقليته وطريقة تربيته، وما يؤمن به، والكيفية التي يسيَّر بها حياته.

إذا كان شابًّا منظّما دارسا وناهلا جيدا من تجارب غيره، الواقعية منها والتاريخية، فإنه سوف يؤسس لمشروعه الخاص في طلائع مرحلة الشباب، ولا ينتظر من ينوب عنه بالقيام بهذه المهمة، فبناء المشروع الشبابي الفردي، يعود بالدرجة الأولى إلى الشاب أولا، من حيث التفكير والتخطيط والتصميم ووضع الخطوات العملية للتنفيذ.

لا توجد مشكلة في الاستعانة بالآخرين كالآباء أو الأخوة أو الأصدقاء، بل حتى الغرباء وتجاربهم في مجال بناء المشاريع المربحة، يمكن أن يتّخذ منهم الشاب عونا له في التأسيس لمشروعه الخاص، المهم في هذا الأمر هو أن يضع الشاب قضية تأسيس وتشييد مشروعه الحياتي العملي الخاص نص عينيه، وأن يمنحها الأهمية بل الأولوية التي تستحقها، كونها تؤسس لحياته بأكملها، ويمكن أن ينبني عليها نجاحه أو فشله.

إذاً قضية البدء بتأسيس المشروع الخاص بالشاب أمر طبيعي، بل هو واجب ملزِم للشاب الذي يريد أن يصبح فردا ناجحا في المجتمع، ذلك أن تأمين الجانب الإقتصادي الفردي ومن ثم العائلي، أحد أهم مرتكزات واشتراطات نجاح الإنسان في الحياة، وكلما ارتفع سقف طموحه، كان هذا مؤشرا ودليلا على مواهبه وقدراته وحصوله على فرص ونسب نجاح عالية، أما الخمول وترك الأمور تجري على عواهنا دونما اهتمام أو تخطيط من قبل الشاب، فهذا ليس في صالحه قطّ، بل أحد أكبر مؤشرات الفشل حين يهمل الشاب بناء مشروعه.

لماذا على الشاب أن يبني مشروعه؟

هذا السؤال لابد أن يتم طرحه سواءً على الشاب المعني، أم على المختصين؟، الجواب واضح، ولا يحتاج إلى الغوص بعيدا في علم الاقتصاد أو سواه، لأن الهدف الأول هو أن المشروع يؤمّن حياة كريمة له، ويمكن أن يساعده على بناء أسرة ناجحة، والنتيجة الأهم أنه سوف يكون عنصرا فاعلا وناجحا في المجتمع.

من مجموع الشبان المتميزين، يتكون ويُبنى المجتمع المتميز، فالفائدة ليست فردية فحسب، وإنما جماعية، وأمر طبيعي حين يحسّن الشاب حياته، إنما يُسهم في الوقت نفسه بتحسين حياة المجتمع، وأنماط عيشه وثقافته الاقتصادية والاجتماعية وسواها، كذلك يحتاج الشاب إلى خطوة بناء مشروعه وأن يعدّها هدفا أساسيا في حياته، كونها تنقذه من الحاجة إلى الآخرين من الناحية المادية، لاسيما الحاجة للدولة ودرجاتها الوظيفية.

فالوظيفة الحكومية باتت تُخضع الموظف للحكومة والدولة، وتفرض عليه إرادتها وأوامرها المختلفة، وتحيطه بضوابط قد تُزيل بعض أو كثير من قدراته ومواهبه، بالإضافة إلى محدودية مواردها، وقد أكد اقتصاديون مهتمون على أن الوظيفة الحكومية اليوم، جعلت من الموظف الشاب أو غيره من الموظفين الرسميين عبيدا للدولة.

في حين أن المشروع الخاص يقوم على مبدأ حرية العمل، وبالتالي فإن فرص تطوره متاحة، ولا حدود أمام ابتكاراته وتطوره، وهذا ينعكس على عدم محدودية الموارد والأرباح التي يمكن أن تُجنى من المشاريع الخاصة، بالإضافة إلى كونها عامل مهم جدا في تنشيط الاقتصاد وجعله في حالة متطورة دائما، بمعنى لا تنحصر الفائدة بالشاب وإنما بالدولة والمجتمع أيضا.

كيف يبني الشاب مشروعه الخاص؟

في الغالب يتردد الشباب من تنفيذ هذا الهدف لأسباب عديدة، أكبرها عدم توافر الدعم المادي، وهو عنصر أساس لكل مشروع صغير أو متوسط أو كبير، وإذا توافرت فرص تحصيل بعص الموارد لفتح مشروع ما، فهنالك قضية التردد والتخوّف من الخسائر التي قد تقصم ظهر الشاب اقتصاديا وهو في أول الطريق.

قد يكون التردد والتفكير بهذه الطريق محق، ولكن هناك مقترحات كثيرة في هذا المجال، منها توفير القروض الحكومية أو الأهلية وبشروط وفوائد بسيطة، كذلك لابد أن تكون للآباء والأقارب دور في مد يد العون ماديا للشاب في هذه المرحلة، ومن المهم جدا أن يبادر الأثرياء إلى تقديم قروض وخبرات ونصائح للشباب كي يتشجعوا ويبادروا بالفعل في فتح مشاريعهم الخاصة، ولعل توافر الخبرة للشاب في طبيعة مشروعه أمر في غاية الأهمية.

أحد الشباب توافر له رأس مال كي يفتح مشروعه، وهو من طلاب كلية الإدارة والاقتصاد، فأقدم على فتح مشروعه الأول والخاص في خطوات لم تكن محسوبة جيدا، أول الأخطاء أنه عمل في مشروع لا يتقنه، والثاني أنه قام بتأجير محل كبير في منطقة تجارية بسعر مرتبع قياسا لطبيعة مشروعه، وثالثا لم يستثمر معلوماته الاقتصادية في قضية العرض والطلب، أو أسلوب التعامل وطبيعة العلاقات بين البائع والمشتري.

ثم جاءت ظروف كورونا، فوجّهت ضربة قوية للمشروع، وانتهي الأمر بخسارة تفوق نصف المبلغ المستمثمَر، ومع الفشل والخسارة، لم يستسلم الطالب الشاب، فقد استفاد من تجربته، وناقش آخرين في الأسباب، وحصل على موارد عبر قرض ميسّر، وتلافى أخطاء المشروع الأول، وفتح مشروعه الثاني، ورافق ذلك تحسّن في حركة الناس، وتحسن الوضع التجاري في ظل تراجع كورونا، فبدأت بوادر النجاح ترافق مشروعه الثاني.

لا يزال الخط البياني لمشروعه الثاني في حالة تصاعد من حيث الربح والتطور، وخلال هذه السنوات اكتسب خبرات عملية مهمة من خلال تعامله المباشر مع الزبائن من جهة، ومع التجار الذين يستورد منهم بضاعته، وقد أحسن جميع الخطوات التي أخطأ فيها بتجربته في المشروع الأول، وهذا دليل على أن الشاب إذا فشل فإن فشله سوف يقوده إلى التصحيح والنجاح، والمهم في هذا الأمر أن لا ينكسر ولا يتردّد، ويصمم على بناء مشروعه الناجح.

اضف تعليق