لابد أننا لاحظنا عبر مسيرتنا في الحياة، تأثير البيئة الاجتماعية في تشكيل شخصية الشباب، فمن يسعفه الحظ أو الظروف أو الأهل بالعيش في بيئة صالحة، فإنه سوف يكون من الناجحين في الغالب، هناك استثناءات تحصل هنا وهناك، ومن الممكن أن يخرج من البيئة الجيدة شاب محبط أو كسول أو باحث عن لذائذ النفس وحدها.

لكن غالبا ما نجد أن الأسرة (وهي أصغر تشكيل اجتماعي)، لها تأثير مباشر في شخصية الطفل والمراهق والشاب، فمن يكون أبوه طبيبا سوف يفتح عينيه على حاضنة تمتهن الطب، ويكون نموذجه الأب الطبيب، وغالبا ما يصبح الأولاد أطباء، وينطبق هذا المثال على المهن الأخرى التي يمتهنها الآباء والأمهات، لماذا يحدث هذا الشيء؟

الجواب يكمن في تأثير النموذج الذي يتعايش معه الابن أو البنت في الحاضنة الاجتماعية الأصغر (الأسرة)، ويحدث العكس حين يكون النموذج فاشلا أو سيّئ الأخلاق والسلوك، حيث ينعكس ذلك على الشباب أو الأبناء من الجنسين، لا يرتبط النموذج بالأب والأم ولا بالأسرة وحدها، فهناك نماذج كثيرة صالحة ومتميزة يعثر عليها الشباب خارج محيط أسرهم.

كأن يكون أستاذا أو معلّما له، أو أن يكون شخصية اجتماعية أو فكرية أو دينية أو أدبية لا تمتُّ له بصِلة قرابة، نعم من الممكن جدا أن يكون النموذج المؤثر في حياة الشباب من خارج حواضنهم الأسرية، ولكن هذا الرأي لا يلغي التأثير الحاسم للأسرة في أبنائها.

جودة استثمار وسائل التواصل

المهم في هذا الجانب أن لا يفتقد الشاب للنموذج، ولا ضير في أن يكون من خارج المحيط الأسري، ويحدث التأثير الخارجي عندما ينعدم النموذج داخل العائلة، أي إذا كان الأب فاشلا متقاعسا لا يشعر بمسؤولياته الأسرية، فهذا دليل على أنه نموذج فاشل، لذلك أما أن يصبح أبناؤه مثله ويشابهونه في الفشل، وإما أن يتطلّعوا نموذجهم الخارجي، أي من خارج الأسرة.

هناك نماذج كثيرة في حياة الشباب، لاسيما في عصرنا الحالي، بعد أن وفّرت وسائل الإعلام المختلفة، ومواقع التواصل جميع القدرات لوصول الشباب إلى نماذج قريبة أو بعيدة، ومن مختلف المجالات، وهذا يزيد من مسؤولية الشاب بعدم الركون إلى الحاضنة الأسرية التي ينتمي إليها، في حال كان الأب، أو الأم، أو الأخ الأكبر، نماذج فقيرة الفكر والذكاء والسلوك.

ليس هناك عذرا بعد اليوم لشاب لا يكون متميزا، حتى الفقراء منهم صار بإمكانهم العثور على نماذجهم الصالحة، وهناك تجارب متميزة قدمتها مدوّنات التاريخ بكل أبعاده، وقدّمها الحاضر أيضا، تؤكّد أن الفقر وعسر الحال لا يشكل عائقا حاسما أمام بلوغ الشاب لأهدافه، فيما لو تحلّى بالإرادة الصلبة، وخطط لأهدافه واقتفى آثار النموذج الصالح الذي يختاره بدقة وحرية، ويتأثر به ويسير وفق خطواته وصفاته الشخصية التي جعلته نموذجا جيدا.

بل حتى العاهات الجسدية التي تصيب بعض الشباب، لا تقف عائقا أما تقدمّهم وتطورهم وتميّزهم، المهم في هذا الجانب هو طبيعة شخصية الشاب نفسه، ومدى إصراره على أن لا يبقى صفرا على الشمال، أي لا قيمة له، فالشاب هو الذي يصنع مكانته وقيمته وتميّزه بنفسه وإصراره ومثابرته، وعليه أن يصنع فرصته في كل الأحوال، سواء بمساعدة آخرين أو بجهوده الشخصية، لكن يبقى النموذج هو المؤثّر الأول في نجاح الشخصية الشبابية.

خطوات الشباب لاختيار النموذج؟

أما الشباب الذين لا يجهدون أنفسهم بالبحث عن نموذجهم الصالح، فهؤلاء رضوا بحياة عادية حيادية تمضي بشكل روتيني، ومع تقدم العمر يتحول هذا الشاب إلى إنسان آلي، لا يختلف عن سواه من البشر (الآليين)، يبقون بلا تقدم ولا تطور، يعيشون أياما متشابهة ولا نتائج متميزة في حياتهم، هؤلاء الشباب سوف يبقون يعيشون على هامش الحياة، وعندما يغزو الشيب مفارقهم، سوف يتنبّهون إلى أنهم أهدروا أعمارهم دون مقابل.

نعم منذ هذه اللحظة على الشاب أن يفكر بالنموذج الصالح بطريقة جديّة، وعليه أن يدقق ويستشير ويبحث ويبذل جهدا كبيرا كي يصل إلى نموذجه المفضّل، ولن تكون هناك فائدة باختيار النموذج بشكل اعتباطي أو بلا مبالاة، أو بطريقة شكلية خالية من العمق والصدق، اختيار الشاب لنموذجه الصالح عملية ليست سهلة، لكنه إنْ اختارها بنجاح، فسوف يصبح إنسانا متميزا مؤثرا وناجحا بين الآخرين.

هل فعلا يحتاج الشاب إلى النموذج الجيد؟، هذا السؤال يجب أن يضعه جميع الشباب أمام أعينهم وأذهانهم، ويختبروا أنفسهم، والإجابة ستأتي بنعم طبعا، إذاً كيف يختار الشاب نموذجه الصالح بنجاح، وما هي الخطوات التي تضع أقدامه على طريق الاختيار الصحيح؟

هناك خطوات مهمة يمكن للشاب أن يحددها ويقتفي أثر الناجحين فيها، منها:

- أن يشطب الشاب بشكل تام على اللامبالاة في حياته.

- أن ينظر إلى الوقت على أنه أثمن شيء يمتلكه بالوجود ولن يفرط به.

- أن يحدّد أهدافه بوضوح، تبعا لمؤهلاته وممكناته وتخطيطه.

- أن يبتعد كل البعد عن الشباب المصابين بوباء الإحباط واليأس.

- أن ينظّم حياته ونشاطاته بشكل دقيق.

- أن يوازن بين وقت الجد والعمل وبين وقت الترفيه والتنفيس.

- أن يؤمن بمسألة البحث عن النموذج الصالح إيمانا قاطعا، ويعمل على اختياره بنفسه وبمشورة من يثق بهم.

- لا مشكلة في أن يكون النموذج واقعيا حاضرا أمامه، أو يستلّه من صفحات التاريخ، أو يستقدمه من أماكن جغرافية أخرى، أي لا يشترط أن يكون النموذج معه مكانيا.

- أن يصمم الشاب تصميما قاطعا على أن يكون مختلفا عن الآخرين بمنجزه الجيد.

- وأخيرا عليه أن يقارن ما أنجزه اليوم، بما أنجزه في الأيام الماضية، ويتعرّف على درجة تطوّره، ويواصل مسيرته بالاستفادة من نموذجه الصالح.

اضف تعليق