الشرق الأوسط بعد الاتفاق النووي يملك فرصة جيدة للجنوح نحو السلام... ولو قليلا، طبعا لا نتحدث عما يمكن لإيران فعلة لتلطيف الأجواء الشرق أوسطية فحسب... بل ما تعطيه طبيعة "الاتفاق النووي" بين إيران والقوى الكبرى من صورة إيجابية للعلاقات الدولية والدبلوماسية الهادفة الى نزع فتيل الازمات عبر الحوار والمفاوضات بدلا من القاء القنابل والتهديد بالعقوبات الاقتصادية وما الى ذلك.

غالبا ما تكون الطرق العنيفة في حل النزاعات في كل العالم، وليس في الشرق حصرا، سببا في ارتفاع وتيرة العنف والتطرف، وسببا اخر لإراقة المزيد من الدماء والدمار... وفي المحصلة النهائية تضاعف عدد المشاكل التي يحتاج "المجتمع الدولي" الى أوقات إضافية، واموال إضافية، ودبلوماسية مضاعفة، للخروج من تداعياتها، بعيدا عن النظر في أساس الازمة او السبب من ورائها...

وهذا ما حصل في احتلال أفغانستان والعراق، بعد الالفية الثانية، من قبل الولايات المتحدة الامريكية، ردا على هجمات 9/11 الشهيرة، الا انها ولدت المزيد من المشاكل والأزمات، في منطقة الشرق الأوسط، نعيش اليوم على وقعها، بعد ان ولد احتلال البلدين، منظمات إرهابية أكثر تطرفا من تنظيم "القاعدة"... ومن اخطرها تنظم "داعش".

عندما ننظر من حولنا، الشرق الأوسط وشمال افريقيا، نجد الجميع وسط دوامة من الصراعات التي تبدو للوهلة الأولى كصراعات ابدية، لكنها في حقيقية الامر تشبه الى حد بعيد ما جرى بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران من صراع طويل استمر لعقود، وعقوبات اقتصادية طويلة، استمرت لأكثر من عقد انتهت خلال 21 شهر من المباحثات الجادة... والمتعبة... لكنها في نهاية المطاف اسفرت عن نتيجة إيجابية أشاد بها المجتمع الدولي...

واغلب الظن اننا بحاجة الى اسقاط ما تضمنته الأجواء الإيجابية والمشجعة للاتفاق النووي على باقي أزمات المنطقة، بذات الروح الإيجابية... وتحقيق النجاح الدبلوماسي لضمان الامن والسلم في المنطقة.

ففي لبنان، فشل مجلس النواب للمرة السادسة والعشرين، في جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، والسبب الانقسامات السياسية الحادة بين قادة الكتل والطوائف السياسية في هذا البلد الذي توزعت فيه التفسيرات والآراء السياسية بسبب النزاعات المسلحة القريبة من حدودها، إضافة الى توزع الارادات السياسية فيها بين أكثر من دولة.

اما جارتها سوريا، وبعد نزاع مسلح تدخل فيه الكل (تقريبا)، لم يسفر مقتل 200 ألف انسان، وتهجير 5 مليون اخرين، عن حل ينزع عن الحرب اوزارها... بل لم تكفي 5 سنوات من الصراع في رجحان كفة على أخرى... فيما حصلت التنظيمات المتطرفة (داعش، جبهة النصرة) على حصة الأسد في سوريا... وأصبحت هناك امارات وولايات إسلامية يحكمها المتطرفون القادمون من الشرق والغرب.

في اليمن، الوضع لا يحتاج لتعليق... صراع نفوذ رسمت فيه السعودية خارطة الطريق العسكرية عبر "تحالف عربي" لضرب اليمن، من اجل إيقاف تقدم "الحوثيون" نحو مناطق نفوذهم، خصوصا وأنها تعتقد (السعودية)، ان الحوثيين هم أداة "إيران" الطيعة في الخليج... ومع هذا لم يتم الحسم حتى بعد تجاوز المئة يوم الأولى من خطة "عاصفة الحزم" السعودية، التي اكدت انها قد تذهب في ابعد تقديراتها الى 6 أشهر لتحقيق كامل اهدافها، وهو ما يبدو مستبعدا عن النظر الى جغرافيا اليمن الحالية.

في ليبيا... الامر اشبه بلعبة (القط والفار) ... حكومتان وبرلمانان، أحدهما في طرابلس والثانية في طبرق، الأولى لم يعترف بها "المجتمع الدولي" والثانية يعترف بها كممثل عن ليبيا، الميليشيات والجيش والأهالي والقبائل توزعت ولاءاتهم بين الطرفان المتحاربان، والفوضى عمت ليبيا التي استبدلت نظام "القذافي" الاستبدادي... بفوضى مسلحة لا يعرف متى الخروج منها؟

طبعا جميع هذه الازمات والصراعات معقدة للغاية... لكنها في نهاية المطاف من صنع البشر... وهم قادرون على حلها ببساطة... لو توفرت الإرادة الإقليمية والدولية لذلك، مثلما توفرت ذات الإرادة لحل "الازمة النووية الإيرانية"، والغريب في الامر، ان جميع الدول التي وردت في سياق الأمثلة، طرحت امامها الكثير من الحلول، وجرت لأجلها مشاورات ومفاوضات ومؤتمرات وقرارات دولية.... لكنها فشلت او عجزت عن اكمال المشوار، لماذا؟ لأنها كانت تمثل "نصف" الحل، وليس الحل كاملا... والسبب هو في ضعف الإرادة الدافعة لنجاح الحل... ناهيك عن دفع الأطراف الأخرى نحو "افشال" هذا الحل.

لنأمل ان تكون الصورة في الشرق الأوسط اليوم قد تغيرت قليلا، بعد تغليب لغة العقل والمنطق على لغة القوة والتهديد، وان تكون هذه اللغة هي السائدة في حل باقي النزاعات التي دخل التطرف والإرهاب طرفا فيها، بعد ان ساهمت (النزاعات) في تقوية شوكته وعززت من خطورته على باقي دول العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3