الإزعاج يعني أن تقوم بفعل أو قول أو أي شيء لا يراعي الآخرين، فالجار مثلا عليه أن يراعي حقوق الجيرة، وأهم هذه الحقوق هو أن لا تسبب في إزعاج جيرانك، وقد شببْنا على أعراف وتقاليد وأخلاق وتعاليم دينية تحث على حفظ حقوق الجار، وفي المقدمة من ذلك عدم إزعاجه.

لكن الذي حدث في هذا الصباح أمر يخالف مراعاة الجار، فقد أيقظني فجرا صوت دويّ مزعج وضجيج هائل، ليس أنا وحدي بل عائلتي أيضا، وكذلك أيقظ عائلات عديدة تقع بيوتهم في نفس الزقاق، وحين حاولت أن أستطلع ما يحدث، رأيت أكثر من شاحنة حمل كبيرة وهي تفرّغ مواد إنشائية (طابوق، حصى، رمل)، وهناك (شفل/ آلة رافعة) يقوم بنقل ركام البيت المهدّم إلى ظهور الشاحنات التي أفرغت حمولتها.

بالطبع لا أحد يستطيع منع أحد من ترميم بيته، أو بناء بيت جديد، ولكن حين تتم هذه الخطوة في أحياء مأهولة وقديمة ومكتملة البناء، فإن إزعاجات من هذا النوع سوف تكون كثيرة، وبعضها يخرج عن المألوف ويفوق طاقة تحمّل الجيران، لكن في معظم الأحيان لا أحد يعترض على صاحب البناء أو الترميم.

بعد ساعة من ضجيج الفجر الذي أيقظني والعائلة والجيران، خرجتُ إلى العمل بمزاج معكّر، فرأيت أكوام الطابوق والحصى والرمل تصطف إلى جانب بعضها، وتغلق الزقاق أمام سيارتي وسيارات أخرى تروم الخروج إلى الشارع العام، عادت السيارات على أعقابها بحثا عن مخرج آخر إلى الطريق العام.

دخلتُ دائرة العمل بوجه متجهّم، وقد أثار ذلك انتباه زملائي من الموظفين، فقد اعتادوا على دخولي بوجه ضاحك وثرثرة جميلة، وتوزيع تحيات الصباح هنا وهناك، ممزوجة بضحكة أو قهقهة عالية، وأحيانا أبادرهم بنكتة طازجة أنقلها لهم من الطريق، لكن هذا اليوم دخلتُ الدائرة عَبوسا، منزعجا بل ومقهورا.

سألني زملائي الموظفون، ما بك؟ هذه أول مرة نراك فيها منزعجا إلى هذا الحد، هل حصل حادث معك، هل توفي قريب لك بـ كورونا، ما الذي جعلك تنزعج بهذا الشكل؟؟، لم أرد عليهم، خرجتُ إلى الحديقة، ورحتُ أنفث دخان سيجارتي وأتأفَّف، وصرتُ أتمتم بكلمات حتى أنا لا أعرف معناها....

لم أقم بإنجاز أي معاملة، بل لم أطالع ورقة واحدة من الملفات الملقاة فوق طاولتي، وبعد أكثر من ساعة من الصمت والخمول والعزلة، أخبرت زميلي الموظف الذي يقاسمني الغرفة بسبب تعكير مزاجي هذا الصباح، فبادر على الفور بتشغيل جهازه النقال (الموبايل)، وأظهر لي صورة بيت حديث الإنشاء، ولوحة ملصقة على جداره الخارجي مكتوب عليها:

(جيراني الأعزاء آسف لإزعاجكم وأعتذر لكم بسبب مضايقات بناء بيتي الجديد لكم، وسأبذل كل ما في وسعي كي أنتهي من هذا البناء بأقصى سرعة، لأكون عونا لكم وتكونوا جيران السعد لي).

هذا ما قام به جار زميلي الموظف بطريقة متحضرة، أثلجت صدور الجيران كلهم، علما أن هذا الشخص (كما أخبرني زميلي الموظف)، لم يتسبب في غلق الزقاق، ولم يمنع السيارات أو المارة من بلوغ الشارع العام بسبب غلق الزقاق بمواد البناء المختلفة، فقد حرص على نقل المواد إلى داخل مساحة بيته فور تفريغها في الزقاق، وقد أوصى جميع العمال بأن لا يتسببوا بأي إزعاج للناس.

حين رأيت اللوحة وما فيها من كلمات متحضّرة طلبتُ منه أن ينقل لي نسخة منها إلى موبايلي، وحسدتُه على هذا الجار الذوّاق المتحضّر الذي يراعي جيرانه بهذه الطريقة التي لم نألفها سابقا، وسرعان ما قمت بمقارنة هذا السلوك الإنساني الراقي، مع سلوك جاري الجديد الذي لم يبالِ قيد أنملة بحقوق جيرانه في عدم إزعاجهم بالضجيج والدويّ المتواصل.

أما غلق الزقاق بمواد البناء وعدم الحرص على ترك مجال للسيارات أو حتى المارة لبلوغ الشارع الرئيس، فهذا فعل خال تماما من الشعور بالآخر، ولا يدل على أدنى اهتمام بحقوق الآخرين، فالزقاق ليس ملْكا لشخص واحد أو عائلة واحدة، بل هو مرفق خدمي جماعي يجب أن تُراعى فيه حقوق الجميع.

وحين سألت زميلي الموظف عن الإجراء الذي يجب أن أقوم به تجاه جاري الجديد (المزعج)، أخبرني بأهمية تنبيهه على الخطأ الذي ارتكبه بحقي وحق جيرانه الآخرين، وبعد عودتي من الدوام، ذهبتُ إلى جاري (المزعج)، سلمتُ عليه ورحبتُ بجيرته، وفتحت له (موبايلي) وأظهرت له صورة اللوحة التي نقلها زميلي من موبايله، فنظر لي نظرة مائلة وساخرة، وظهرت في وجهه علامات الامتعاض وقال دونما حرج أو تردّد:

يمكنك أن تبحث عن جار غيري...!!!

اضف تعليق