يوجد فارق واضح بين الشهادة المدرسية المزوَّرة وشهادة الزور، فالأخيرة تحدث غالبا في المحاكم عندما يدلي الشاهد بشهادة زور مدفوعة الثمن أو بسبب التهديد، وكلاهما لن يغيّر عنوان هذا النوع من الشهادات الباطلة، فهي تبقى شهادة كاذبة بغض النظر عن كونها حدثت بسبب تهديد الشاهد أو جشعه ورغبته في الحصول على أموال، ويمكن أن تحدث مثل هذه الشهادات الباطلة في جلسات العشائر لفض النزاعات وسواها من المشكلات.

أما النوع الثاني ونعني تزوير الشهادة العلمية، فهي تتعلق بالحصول على شهادة دراسية عليا أو أدنى لبلوغ أهداف كثيرة، وقد شاع هذا النوع من التزوير في السنوات الأخيرة بالعراق، بعد موجات التوظيف الجماعية و (العائلية)، وكلما اقتربت دورة انتخابية ازدهرت موجة تزوير الشهادات حتى وصلت إلى مستوى (عضو مجلس نواب).

مخاطر هذين النوعين من الشهادات كثيرة وكبيرة، الأولى تقلب الحق إلى باطل، ويصبح المجرم بريء وبالعكس، والثانية ترتفع بالأغبياء لتضعهم في مكانة الأذكياء، وتختلط أوراق (المناصب) والمسؤوليات، وتُستهدَف الكفاءات وتُهمَّش ثم تُركَن جانبا، وهذا ينعكس سلباً على الدولة ثم الشعب كلّه، أما الخطر الثالث والأكبر فهو الخطر المزدوج لهذين النوعين من الشهادات، ونعني بالمزدوج (الخطر المشترك لهما).

يبدأ الخطر الثالث في الأسرة، فالأطفال عندما يشبّون على أبّ مزوّر، والزوجة عندما يدخل بيتها طعام حرام وتسكت مضطرّة، هذا سوف يخلق أطفالا مشوهين أخلاقيا، وزوجة مستعدة للتزوير والكذب في كل شيء، لأنها رأت نموذجها (زوجها) يلجأ للتزوير كي يحصل على رزقه، فلماذا لا تكون هي مثله أيضا، وهذا يشمل شهادة الزور وتزوير الشهادة، أما الأطفال فإذا ترعرعوا في بيئة مزوِّرة، ماذا يكون مستقبلهم؟!، وما الآثار التي يتركونها في المجتمع؟

يحكي لنا أحد الرجال المسنين الخبراء بقضايا وسلوكيات المجتمع، أن هناك أشخاصا يسترزقون من شهادات الزور، وهؤلاء يتجمعون يوميا في مكان معلوم بالقرب من المحاكم، ومن يحتاجهم سوف يصل إليهم دونما عناء كبير، لأنهم معروفون، يعلنون عن أنفسهم وخدماتهم دون تردد أو خوف من عقاب.

هؤلاء على استعداد للإدلاء بشهادة الزور مقابل مبلغ يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، ويمكن لشاهد الزور هذا أن يدلي بأكثر من شهادة مزوّرة في اليوم الواحد، فالمهم لديه كثرة ما يجنيه من أموال، والغريب أنهم مقتنعون بأن ما يقومون به هو عمل يمنحهم رزقَ عائلاتهم، ولا يرون ضيراً أو ضررا فيه!، بل يصرّحون به كعمل يوميّ لهم، مسموح به وكأنه لا غبار عليه بل مكتمل المشروعية، مما يثير الغرابة حقاً.

لكنّ ما يقوم به هؤلاء (كما يقول الرجل المسنّ الخبير) كلّهُ حرام في حرام، وتجاوز يحدث في وضح النهار، فكيف يكون رزقا حلالا يُطعم أطفالا وأفواها كثيرة، إنّ مثل هذه الأفعال ذات تدمير متعدّد الجهات، فهي تدمر من يقوم بها أولا، من خلال تشويه شخصيته ليصبح انتهازيا ضعيفا مهزوزا ومستعدا لارتكاب الحرام في أية لحظة، وشاهد الزور هذا عنصر مُصاب بداء خطير ومعدٍ، يصيب أشخاصاً وجهات أخرى، وأول من يُصاب بذلك أطفاله وزوجتهِ والأقربين له، كالأصدقاء أو الأقارب.

تُزعزِعُ مثل هذه السلوكيات القيم التي تقوي الروابط الاجتماعية، وتحمي المجتمع من الانحراف، لذلك أخطر ما ينتج عن شهادة الزور و تزوير الشهادة ضرب البنية الأخلاقية القيمية في المجتمع، وهذا ينتهي إلى (تنمّر) العادات والسلوكيات الدخيلة على المجتمع، تلك التي ازدهرت بسبب هؤلاء المزوّرين، مما يجعلنا وجها لوجه أمام احتمال تمرير التزوير على أنه فعل اجتماعي مقبول، وقد يتحول في يوم ما إلى نوع من الشطارة (كالرشوة) مثلا.

محاربة تزوير الشهادات وشهادات الزور يجب أن يكون هدفا للجميع، وأولهم الجهات الرسمية المختصة، ثم يجب أن يتشكل رفض شعبي أخلاقي لمثل هذه الظواهر المدمِّرة.

الرجل المسنّ الخبير الاجتماعي نفسه حكى لنا هذه الحكاية:

هناك قرية اشتهر سكانها بالكذب وشهادة الزور، في هذه القرية تزوج رجل من امرأة سراً وكان زواجاً شرعيا عند شيخ وبحضور شهود، وبعد أكثر من سنة اختلف الزوج مع زوجته، فطردها من المنزل وسلبها جميع حقوقها، ذهبت إلى لقاضي مشتكية من زوجها وقالت: حضرة القاضي لقد تزوجني زواجاً شرعياً ويشهد بذلك فلان وفلان، طلب القاضي حضور الزوج والشاهدين، فأنكر الزوج والشاهدان معرفتهم بهذه المرأة، و أنهم لم يروْها سابقا بالمطلق. نظر القاضي للشاهدين جيداً وللزوجة أيضا وسألها:

هل عند زوجك كلاب..؟

أجابت: نعم

قال: هل تقبلين بشهادة الكلاب وحكمهم..؟

قالت: نعم

قال: خذوها إلى بيت (الزوج) فإن نبحت الكلاب عليها فهي تكذب، وإن رحّبتْ بها فهي صاحبة الدار.

ارتبك الشاهدان واصفرَّ وجهاهما، فقال القاضي: أجلدوهما فإنهما يكذبان، وأدليا بشهادة زور، بئس القرى التي كلابها أصدقُ من أهلها.

اضف تعليق