هل يتغير الإنسان إذا أصبح ذا سلطة قوية؟

سؤال طرحته على نفسي أولا، لكنني من حسن حظي أن الأقدار لم تمنحني سلطة سياسية أو إدارية أو مالية كبيرة، وكم حمدتُ الله أنني في منأى عن كل السلطات، لأن الذي رأيته بعيني يشيب له الرأس لاسيما من وصلوا السلطة.

أحد معارفي كان فتى فقير المظهر، مؤدّبا في أقواله وسلوكه، اليوم تجاوز عمره الثلاثين، جاءني ذات مرة مستشيرا وطالبا مساعدتي، استمعتُ له بتركيز، وعندي قرار مسبق بمساعدته في الرأي والمشورة، فهو رافقني منذ سنوات عمره الأولى، وأنا على معرفة بالتزامه وأخلاقه، ليس الالتزام الديني فقط، وإنما الالتزام الإنساني الكبير الذي كان يتحلّى به، وكثيرا ما كنّا نتبادل الآراء، وكنتُ دائما أجد فيه ذلك الإنسان الطموح الملتزم، كنت أرى بعيني وببصيرتي مواقفه والتزامه ورغبته بالتفوق لكن بأساليب مشروعة وعادلة.

اليوم جاءني إلى بيتي، رأيت في عينيه إصرارا على هدف محدّد، كان هذا الشاب سابقا والرجل الهُمام حاليا قد انتمى إلى أحد الأحزاب المعروفة بتاريخها وحجمها الكبير، وأخبرني بأنه يرغب بالترشيح إلى مجلس النواب ضمن تشكيلة ذلك الحزب الذي انتمى إليه، طلب مشورتي هل أوافقه على هدفه هذا أم أنصحه بانتهاج طريق آخر.

الحقيقة وأنا أنظر في عينيه ووجهه شعرتُ بالفرح والارتياح، وأنا أفكّر مع نفسي بأنه إذا أصبح أحد قادة العراق تحت قبة البرلمان، فإنه سوف يكون في المكان الصحيح وسوف يساعد الناس على استرجاع حقوقها المهدورة، فأنا أعرفه جيدا وأعرف صدقه وإخلاصه وأخلاقه والتزامه الصارم.

قلت له:

- السلطة بكل أشكالها مهمة صعبة، لأنها ستجعلك في صراع شديد مع نفسك وأخلاقك والتزامك، السلطة فيها امتيازات كبيرة، منها النفوذ والقوة والأموال، وسوف تجعلك دائما أمام خيارات صعبة، بين أن تبقى شريفا ملتزما طموحاً بشرف وعدل، أو أن تنزلق إلى سبل الغش والخداع والانحراف، أنا أعرفك جيدا وأنت خارج السلطة، لكنني لم أجربك وأنت صاحب سلطة ونفوذ وبين يديك الكثير من المال العام!، هل فهمت ما أقصدهُ؟

أجاب بعد تأمّل وشيء من الحرج:

- أنت تعرفني جيدا، وربيّتني على التوازن والأخلاق العالية والعدل والالتزام، هل تظن أن السلطة والنفوذ والأموال سوف تجعلني إنسانا آخر؟

قلتُ له:

- لا يمكن أن أجيبك عن سؤالك بنعم أو لا، كثيرون كانوا ملتزمين خارج السلطة، لكنهم بعد أن دخلوا في دوّامة الحكم والامتيازات، وصارت الأموال أمام أعينهم وبين أيديهم، سقطوا في الاختبار، وانزلقوا إلى الحرام، وتورّطوا في صفقات مشبوهة كي يحصلوا على أموال، والمشكلة، أن من يتورّط بالمال الحرام لا يكّف عن ذلك، بل يسعى لتبرير أفعاله ويصبح هو الخصم والحكم في نفس الوقت.

قال مستغربا:

- وهل تعتقد أنا من هذا النوع الذي يسيل لعابه أمام الفلوس والأموال العامة؟

قلتُ له:

- الفلوس تحطم النفوس!

أغضبه كلامي هذا، ونهض عاتبا عليّ، مؤكّدا أنه لا يمكن أن يضعف أو يخطئ، وخرج من بيتي كأنني أخطأت بحقه، لكنني ذكّرته قبل أن يخرج قائلا:

- احذر السلطة ومغرياتها.

قلّة من الناس يتأمّلون أنفسهم ويتحكمون بنوازعها حيال المكاسب المالية، أولئك هم المؤمنون أصحاب الضمائر والنفوس التي تتشذّب وتتربّى على القيم النبيلة منذُ الطفولة، فالنفس المنفلتة تدفع بصاحبها للاستحواذ على المال بأية طريقة كانت، بعيدا عن أن تكون خطوة الكسب مشروعة أو خارج القانون والحقوق، النفس المنفلتة تجعل صاحبها ضعيفا أمام المال أو الفلوس، والمهم لدية كمية المال التي يحصل عليها وليس الطريقة أو أسلوب الحصول على المغانم.

هذا ما حصل للأسف مع أشخاص نعرف أخلاقهم والتزامهم حين كانوا خارج السلطة، لكنهم ما أن صارت السلطة في قبضتهم، والأموال بين أيديهم وتحت تصرفهم، حتى انزلقوا ودخلوا في الحرام من أوسع أبوابه، حتى الشخص الذي زارني طالبا الدعم والمشورة، وخرج غاضبا من بيتي، لم يستطع أن يُبعِدَ نفسه عن الزلل، وصار واضحا لكل من يعرفه، أنه بات شخصا مختلفا، لا يشبه ذلك الشاب الملتزم.

لقد سقط للأسف في فخ السلطة وامتيازاتها، وحين كنّا نلتقي، بعد وصوله للسلطة، في مناسبات اجتماعية، يحاول أن يبتعد عني بل لا ينظر في عينيّ، لكنني كنت أسمع كلامه عن المشاريع الكبيرة والشركات وحصد الأرباح الهائلة، كانت نظرتي الأخيرة لسيارته الفخمة ولكرشهِ الذي بات كبيرا يتقدّم جسده بوضوح محشوّا بأموال السحت.

لقد تغيّر ذلك الشاب الملتزم، وصارت السلطة والفلوس كل شيء في حياته، لقد أصابته أموال الحرام والنفوذ والسلطة بلعنة عنوانها الحرام.

اضف تعليق