هذه حكاية تدخل في إطار الصراع بين الخير والشر، نقلها لي شخص عاشها بنفسه، وأنقلها لكم كما هي.... يقول صديقي:

هناء طالبة جامعية أنيقة، متوازنة، مرحة، محط انظار الجميع، واثقة، ذكية، متفوقة، علاماتها في معظم الدروس عالية، كنت أنا الأول على دورتي في المرحلة الأولى، وجاءت هي بعدي مباشرة، تفصل بيننا أعشار الدرجة.

بعد هذا التسلسل في درجات النجاح، قررت أن قريبا منها، مع أن الأمر يبدو صعبا إن لم يكن مستحيلا، تبعا لطبيعتها التلقائية التي تنظر من خلالها إلى الجميع نظرة واحدة، لا تفضّل أحدا على آخر، في أحد أيام المرحلة الثانية، بعد أن انتهى الدوام، لم يأتها أبوها في الوقت المحدد، تأخرت السيارة عليها، فتقدمتُ منها بثقة وقلت لها أنا سأقوم بمهمة إيصالك إلى البيت، لم تقبل في البداية، لكن سخونة الجو ويأسها من مجيء أبيها وخوفها من سائقي سيارات الأجرة، دفعها للقبول، فتحتُ لها الباب الأمامي، ترددتْ قليلا ثم ركبت السيارة، كانت قلقة، تشعر بالحرج، وكنت أحاول انتهاز الفرصة كي أعمّق علاقتي بها، لكنني فكرت أن التوقيت خاطئ، وسأبدو سخيفا ومستغلا لها، لأنها تصعد الآن في سيارتي، لذا أجّلتُ مفاتحتها إلى فرصة أفضل، وبدأنا نتداول أحاديث عن الدروس والمحاضرات والأساتذة وعن المستقبل وماذا تحب أن تكون وما هي مشاريعها، كان الحوار جميلا، سلسا، لدرجة أن الحرج الذي لازمها في دقائق الصعود الأولى سرعان ما تلاشى في الحوار التلقائي المتبادل بيننا، وصلت هناء إلى البيت ولم تغلق باب السيارة، فقلت لها: هيا أغلقي باب السيارة. قالت: لا أغلقها!!. قلت: أرجوك أنا أعيش في مدينة أخرى وتأخرت. قالت: عليك أن تنزل من سيارتك وتدخل معي حتى يعرف أهلي أن أحد زملائي الطلاب هو الذي أوصلني.

أقنعتْني بذلك ودخلتُ معها بيتهم، في غرفة الاستقبال عالم جميل لم أطلْ عليه من قبل، لوحات عالمية تتصدرها الموناليزا، وتُحَف تتوزع الجدران، ومكتبة عامرة بكتب متنوعة، وزهريات كبيرة وصغيرة أصيلة وجميلة، ولوحة لرأس حصان بتوقيع رسام شهير، قلتُ لنفسي: هذا العالم الساحر أريد أن أعيش فيه إلى الأبد.

أطلَّتْ امرأة في الستين، وجهها أحمر مثل رمانة رائجة، لها عينان تشعّان بقوة، بدَتْ ابتسامتها فريدة من نوعها، رحَّبتْ بي بجمال وصدق، وشكرتني بعد أن قدمتني لها ابنتها هناء، بعد لحظات جاء صبيّ جميل جدا، قالت هناء هذا أخي إبراهيم، صافحني أخوها وجلس إلى جانبي وكأنه يعرفني من زمن بعيد، حاولتُ مغادرة البيت، لكن عصير الرمان صار بين يديّ فجأة وقبل أن ارتشف الرشفة الثانية، انفتح باب خشب على غرفة ملاصِقة، طلبت مني الأم أن انتقل إلى غرفة الطعام، لم استطع الرفض، إبراهيم سحبني بإصرار ولطف إلى منضدة الطعام التي امتلأت بما لذ وطاب..

آه يا...، هذا العالم هو الذي ينقصني فعلا، بعد أكثر من ساعة صعدتُ سيارتي وكانت هناء تلوّح لي تعبيرا عن امتنانها وشكرها...

في اليوم التالي بدأت بيننا علاقة من نوع آخر، هناء لم تعد تمشي مع الآخرين، وتقضي وقتها كله معي، ومع الأيام بدأ المشاعر النقية تكبر، في نهاية السنة استلمنا النتائج، كانت هي الأولى وأنا الثالث هذه المرة، الثاني صديق لي ربطتني به علاقة هائلة، كان ثالثنا الدائم أنا وهناء، حتى اعتدنا رفقتهُ معنا، وحين يغيب لأي سبب يكون فراغه مزعجا، الحوار يجمعنا نحن الثلاثة دائما، وعندما يدخل رابع، طالبة أو طالب، سرعان ما يتبخر نتيجة لإهمالنا له، هكذا صرنا ثلاثي موحَّد، لا احد يستطيع أن يخترقنا أو يفرقنا...

في نهاية السنة كنتُ أنا الأول، وهناء الثانية، وصديقي الثالث على الدفعة.

السنة الرابعة كانت تختلف عن جميع السنوات الثلاث الماضية، فهي سنة المفاجآت كما أسميتُها أنا، كنتُ أظن أن الصدق والطيبة مثل شجرة تنمو بتصاعد وتزداد خضرة وأغصانا وثمارا، وكنت أظن أن الصداقة تدوم إلى الأبد وتدعم الحب، خاصة أن صديقي لم أتعرّفْ عليه في الدراسة بل كنا صديقين منذ وقت طويل سبق دراستنا الجامعية، في الشهور الأولى بدأت هناء تبتعد شيئا فشيئا، وكانت تختلق الأعذار، حتى حين تأخر عليها أبوها رفضت الصعود معي، أخذتني الشكوك بصديقي، يا لي من أحمق، تأخّر أبوها كثيرا فاستأجرت سيارة أجرة تكسي ولم تركب معي، مشيتُ بسيارتي وراء سيارة الأجرة تابعتها حتى أوصلتها البيت، نزلتْ من التكسي وقبل أن تدخل بيتها رأتني بوضوح، نظرتُ إليها بلهفة وأمل علّها تشكرني، لكنها أغلقت الباب ولم توجّه لي دعوة بالدخول ولو كذبا...

في الأيام التالية تأزّم وضعي النفسي وأخذتْ علاماتي تهبط رويدا، أما هي فبقِيَتْ متفوقة، وصديقي كذلك، حين فاتحْتهُ عن سبب ابتعادها عني، استغرب الأمر وقال هل ترغب أفاتحها بالأمر، رفضتُ ذلك بشدة، بعد أيام قليلة تعرّض صديقي لحادث سير ومات فورا، بعد شهر تقريبا، أعلنوا النتائج، هناء كانت الأولى على الدفعة، وصديقي مات وأنا راسب بمادتين.

في آخر يوم للسنة الأخيرة رأيتُ الرجل الذي أفسد وسرق سرق مني زميلتي الذكية الطيبة، وهو يصطحبها بسيارة فارهة، وتبدو عليه علامات الغنى والترف، وحين مرّتْ السيارة من جانبي، لم تلتفت هناء إليّ، لكنني تأكدت تماما أنها فقدت عذوبتها وتلقائيتها وإنسانيتها إلى الأبد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4