في مرحلة مبكرة من حياتي داهمني شعور غامض لا أعرف كنههُ، ولم أحصل على تفسير له، ولم استطع مكاشفة أحد به أو أسألهُ عنه لأنني أجهل هذا الشعور، ولا أعرف ما هو؟!! ولا ما هي أسبابه أو كيفية التخلّص منه.

كان هذا الشعور الغامض الذي هو عبارة عن خوف من شيء مجهول، يُحدث انفعالات غير مفهومة في تفكيري وحتى سلوكي، كان يبدأ غالبا عند لحظات الغروب، حيث قرص الشمس ينحدر نحو باطن الأرض، وما أن يختفي وتبدأ موجات الظلام حتى يبدأ الشعور الغامض يكتنف لحظاتي ويحيل كياني كله إلى موجة من الخوف المجهول.

في تلك المرحلة المبكرة من عمري، اكتشفت كتابا عن طريق الصدفة، عنوانه (دع القلق وابدأ الحياة)، تبيّن أنه للكاتب الأمريكي دايل كارنيجي، وكان في وقتها كتابا رائجا بيعت منه ملايين النسخ، وظهرت عنه آلاف العروض والمناقشات، وما أن بدأت بقراءة ذلك الكتاب واجتزت صفحاته الخمس الأولى حتى بدأتُ أجد تفسيرا لذلك الشعور الغامض الذي أحالني في حينها إلى كائن مشوّش الذهن لا يعرف الاستقرار!

إنه القلق وما أدراك ما القلق؟

يقول علماء مختصون: إن القلق هو حالة نفسية وفسيولوجية تتركب من تضافر عناصر إدراكية وجسدية وسلوكية. لخلق شعور غير سار يرتبط عادة بعدم الارتياح والخوف أو التردد. غالباً ما يكون القلق مصحوباً بسلوكيات تعكس حالة من التوتر وعدم الارتياح مثل الحركة بخطوات ثابتة ذهاباً وإياباً، أو أعراض جسدية، أو الاجترار. القلق هو الشعور غير السار المصحوب بالخوف والجزع من أحداث متوقعة، مثل الخوف من الموت، حيث يشعر الشخص بالخوف والهلع عندما يفكر في موته.

القلق رد فعل طبيعي لضغوط الحياة

القلق هو حالة مزاجية عامة تحدث من دون التعرف على آثار تحفيزها. على هذا النحو، يختلف القلق عن الخوف، الذي يحدث في وجود تهديد ملحوظ. وبالإضافة إلى ذلك، يتصل الخوف بسلوكيات محددة من الهرب والتجنب، في حين أن القلق هو نتيجة لتهديدات لا يمكن السيطرة عليها أو لا يمكن تجنبها.

حيث يكون الشعور بالخوف والقلق وعدم الارتياح معمماً في حالة القلق تظهر على شكل مبالغة في رد الفعل اتجاه موقف يراه الشخص مهدداً بشكل غير موضوعي. قد يصحب القلق تشنج عضلي، الأرق، التعب والإرهاق ومشاكل في التركيز.

يقول رأي آخر أن القلق هو "حالة مزاجية موجهة نحو المستقبل وفيه يكون الشخص على استعداد لمحاولة التعامل مع الأحداث السلبية القادمة" مما يوحي بأن ذلك هو التمييز بين الأخطار المستقبلية مقابل الأخطار الحالية التي تفرق بين القلق والخوف.

ويُنظَر للقلق على أنه رد فعل طبيعي للضغط. وهو قد يساعد أي شخص للتعامل مع الأوضاع الصعبة، على سبيل المثال في العمل أو في المدرسة، بدفع الشخص لمواجهة هذا الأمر. وعندما يصبح القلق مفرطا، فإنه قد يندرج تحت تصنيف اضطرابات القلق. يتجنب الاشخاص الذين يعانون من القلق جميع المواقف التي أثارت حالة من القلق في الماضي.

القلق يكون على عدة أنواع:

القلق الوجودي: يظهر في الحالات التي يواجه فيها الشخص مشاعر القلق، الشك في أسباب الحياة ومعناها، والعدمية. وهناك أشخاص ممكن أن يعانوا من توتر الامتحان والقلق الرياضاتي ورهبة المسرح.

القلق من الغريب أو القلق الاجتماعي: وفيه يشعر الشخص بالتوتر وعدم الارتياح عند الاختلاط بالغرباء أو الناس بشكل عام. قد يكون القلق الذي يعانيه الشخص "حالة " تستمر لفترة قصيرة من الزمن، أو "صفة " تلازم الشخص لفترة زمنية طويلة.

أما اضطرابات القلق فهي مجموعة من الاضطرابات العقلية التي تتميز بالشعور بالخوف والقلق،. بينما تظهر صفة القلق على شكل قلق دائم من أحداث مستقبلية في مفهوم يشابه مفهوم الشخصية العصابية. اضطرابات القلق مرتبطة إلى حد ما بالجينات وقد ترتبط أيضاً باستخدام الأدوية، الكحول والمخدرات. وقد ترتبط اضطرابات القلق أيضاً بالأعراض المصاحبة لتناول لبعض الأدوية.

بين القلق الإيجابي والقلق السلبي

في معظم الأحيان تظهر اضطرابات القلق مصحوبةً بأنواع أخرى من الاضطرابات العقلية من مثل الاكتئاب أحادي القطب وكذلك الاكتئاب ثنائي القطب، بعض أنواع اضطرابات الشخصية واضطرابات الأكل. من أبرز طرق العلاج للقلق هي تغيير نمط الحياة، والعلاج النفسي والأدوية.

ولكن السؤال الأهم هل القلق ظاهرة مرضية تلحق الأذى بالإنسان وتجعل حياته خالية من الاستقرار، كما هو الحال اليوم مع فايروس كورونا الذي قلب حياتنا رأسا على عقب؟

هناك من يرى أن القلق حالة مطلوبة جدا لتحقيق النجاح، بل هناك من يرى أن بلوغ النجاح في غياب القلق أمر غير ممكن التحقيق، أتذكر هنا تصريحا لأحد المبدعين الكبار حين قال إنه أنتج أعظم رواياته تحت هاجس القلق من الفشل في كتابة جيدة، بل أضاف (لو لا القلق لا يمكن أن أحقق ما تحقق لي من شهرة ونجاحات متوالية).

مبدع آخر قال، في اللحظة التي أنتهي فيها من عمل جديد، تبدأ موجوة عارمة من القلق تهاجمني، خشية أن يكون هذا العمل هو الأخير الناجح في حياتي، لكنني تعلمتُ بالتدريب والخبرة أو أوظّف موجات القلق لصالحي، وأعيش حالة تحدٍ ذاتي مع موهبتي وقدراتي، وأستفزُّ نفسي وتاريخي فأبدأ بالإعداد والشروع لعمل جديد غالبا ما يكون أفضل إبداعا مما سبقهُ.

هذا يعني أننا في ظل كورونا، وفي أجواء العائلة أو العمل الجماعي، حتما نعاني من قلق متواصل، في حال عدم التعامل معه بصورة محكمة فإنه قد يدمّر حياتنا، ويمحو كل إنجازاتنا، لذلك نحن نحتاج إلى نحول القلق السلبي إلى قلق إيجابي يحثنا على التغلب على ظروف كورونا الصعبة التي تحيط بنا.

هل يمكن أن نتخذ من المقولة الشهيرة (أنا أفكر إذن أنا موجود)، دليلا لنا كي نتغلب على القلق السلبي الذي يرافقنا اليوم ونحن نعاني من هذه الجائحة، هناك من يقترح (وهو محقّ في ذلك) على أن نحوّل المقولة في أعلاه إلى (أنا أقلق إذن أنا موجود)، على أن لا يكون قلقنا من النوع المحبِط، بل من النوع المستفِزّ، قلق المبدعين، وهو قلق يدفعنا للنجاح وتجاوز المحن بألف طريقة وطريقة.

أخيرا لا خوف من القلق، إذا كان رب الأسرة ومدير العمل والمدرسة وغيرهم (فئة القياديين)، من النوع القادر على تحويل القلق السلبي إلى قلق محفّز على الإبداع والإنتاج، أي عليهم تحويل القلق إلى دافع إيجابي، إنه قلق المبدعين الذين لا يمكن لعائق في الحياة، أن يعيق تقدمهم، وهي في كل الأحوال ثقافة يمكن تطويرها ونشرها في كل مكان، ولو هذا النوع من التحدي والمصاعب والإرادات الجبارة، لما تجاوزت البشرية موجات الأوبئة الفتاكة التي ضربتها على مر الأزمنة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12