منذ قرن مضى والدولة العراقية الحديثة كأنها تقف على بركان لا يهدأ من الأزمات، ويقول باحثون مخضرمون عايشوا الحقبة الملكية في العراق، وظلوا أحياءً عند الانتقال القسري إلى حقبة الانقلابات العسكرية، يقول هؤلاء إن كل حكومة جديدة تحل محل القديمة بالقوة أول خطوة تقوم بها تهديم كل ما بنته الحكومة التي سبقتها، وهنا ضاع البناء الترامي للدولة العراقية بسبب غياب رجال الدولة، ويزوغ نجم رجال الأزمات.

تساؤلات كثيرة يتم طرحها حول رجال الدولة، ما هي صفاتهم ومؤهلاتهم، وهل هم مختلفون عن الآخرين؟ وهل هناك فارق بينه وبين رجل الأزمة؟ وأين تكمن حاجة العراقيين في مرحلة التغيير الراهنة، لاسيما في ظل احتدام الأزمات، من مظاهرات تشرين إلى جائحة كورونا، في أي من الرجلين تكمن الحلول المطلوبة؟، وهل نحن بحاجة الى رجل دولة أم رجل أزمة، سيما وأننا نحاول أن نؤسس لمرحلة جديدة ونحثّ الأمل لبناء دولة مستقرة قوية؟

البديهي أننا أمضينا ما يقارب القرن في ظل رجال الأزمات، أي منذ نشوء الدولة العراقية في التاريخ الحديث، وحتى هذه اللحظة لم يهنأ العراقيون برجال دولة، بل الغالب وجود رجال أزمات داخلية وخارجية، حتى يخلو الجو لهم مع انشغال الشعب، فتتضاعف حالات الفساد وتزداد هشاشة الدولة وأركانها وتغدو أقرب للانهيار من سواه!!

ما هي أسباب ظاهرة ازدهار رجال الأزمات على رجال الدولة، ثم ما هي النتائج التي تنتج عن رجل دولة أو رجل أزمة؟، أسئلة كثيرة تتوالد من بعضها في هذا المجال، وقبل الإجابة لنعرف أولا بماذا يتّصف رجل الدولة؟، إنه باختصار شديد ذلك الرجل الذي يضع في مقدمة حساباته وخياراته، مصلحة الدولة، لذلك فهو يؤمن بأن حاضره الفردي ومستقبله، يرتبط عضويا مع حاضر ومستقبل الدولة.

ولهذا يكون حريصا على إرساء قواعد بناء الدولة قبل حماية عرشه وحاشيته ومصالحه، ورجال الدولة يؤمنون بأن أي خلل أو اعتلال يصيب الدولة، سينعكس عليهم وعلى أبنائهم وذويهم والمقربين منهم من دون أدنى شك، بل على الأجيال اللاحقة أيضا، لذلك ينطلق رجال الدولة في عموم نشاطاتهم السياسية والاقتصادية والفكرية، من مبدأ الحرص على الدولة وسلامتها، ضمانا لسلامتهم هم ومعيتهم.

من ينشر الفوضى بأجهزة الدولة؟

يُضاف إلى ذلك تمتع رجال الدولة بالرؤية الثاقبة التي تمتد إلى الأزمنة القادمة، حيث ستعيش الأجيال اللاحقة في دولة مرفهة مستقرة متطورة ومتوازنة، صنعها وأسهم في بنائها وتطويرها، رجال دولة يستحقون الاحترام والتقدير والاستذكار الذي يشيد بأدوارهم الخلاقة، بصفتهم أسهموا في بناء دولة متحضّرة وشعب يستحق الحياة، وهذا يتأتى من سعيهم الحثيث إلى بناء نظام سياسي يقوم على مبدأ التعددية واللامركزية ويرفض الانفراد بالسلطة.

هنا يتّضح الفارق الكبير بين هذين النوعين من الرجال، بين رجال الدولة ورجال الأزمات، فرجال الأزمة، هم على العكس تماما من رجال الدولة، إنهم يرون في اختلاق الأزمات وجودا ذاتيا له وديمومة لمصالحهم ونفوذهم، وكأنهم لا يستطيعون العيش إلا في ظل الأزمات والتوترات المتواصلة، بمعنى يمكن توصيفه كالسمكة التي تموت لو غادرت الماء، هكذا هو تماما، يموت لو انه يعيش في حياة بلا أزمات، لذا نلاحظ أن شخصية رجل الازمات معبأة بالافكار المتضاربة والمتناقضة، وهذا الوقع لا يتحقق إلا في ظل نظام سياسي هش ينخره الضعف والفساد من أعلاه إلى أدناه!!

نظام الأزمات ليس نظام دولة قوية ومستقرة، لأن النظام القوي يعني حفظ الحقوق ولعدالة والحريات واحترام الرأي وحق المعارضة، وهذه كلها تمنع حدوث الأزمات، مما يتسبب في حرمان الفاسدين من مصالحهم ومآربهم، أما نظام الأزمات فهو عبارة عن كتلة تناقضات لا يمكن لها أن تتواءم أو تستقر أو تتفاهم مع الآخرين، أو تلتقي معهم في مسار واحد، واقع متجانس كهذا لا يخدم رجال الأزمات بل يسحب البساط من تحت أرجلهم ويكنسهم خارج السلطة والامتيازات غير المشروعة.

بناء النظام السياسي اللامركزي

دولة الأزمات إذن هي من صنع رجال لا يخدمهم بناء نظام سياسي جدير بالاحترام، فهو يحرمهم من مصالحهم غير المشروعة، لذلك يلجأ مثل هؤلاء الرجال إلى صنع الأزمات، لأنها الجو الوحيد الذي يلائم تواصلهم مع أهدافهم، وباختصار فإن رجال الأزمات هم مجموعة من المرضى، يعتاشون على تعكير الأجواء بحيث ينطبق عليهم تماما التوصيف الذي يقول (إنهم أولئك الذين يصطادون في المياه العكرة)، فلا يسمحون لأحد أن يبني نظاما سياسيا تعدديا متوازنا وقويا وعادلا، هذا لا يصب في مصالحهم مطلقا فيصنعون الأزمات.

العراق لا يخدمه غير رجال دولة، سياسيون محنّكون مخلصون، ينتشلون البلد من براثن الفساد والفوضى، ويؤسسون لنظام لا مركزي قوي تحكمه قواعد الديمقراطية التي تقضي على رجال الأزمات، ليحل محلّهم رجال الدولة بالتوازي مع قيام نظام سياسي يرفض الدكتاتورية والانفراد بالسلطة رفضا قاطعا.

وهكذا فإن رجال الأزمات محط تعكير دائم لأجواء النقاء والعمل السياسي الاقتصادي السليم، كما أنهم يساهمون دوما بوضع العصي في دواليب التقدم الى أمام، فنجاح الدولة يعني فضح هؤلاء وكشفهم ومن ثم طردهم خارج عملية البناء، في أي مجال من مجالات الحياة، لذلك نلاحظ تمسك هؤلاء في بعضهم ببعض بقوة، بحيث يشكلون كتلة موّحدة تستميت من أجل خلق الأزمات السياسية والاقتصادية وبث الارتباك في مفاصل الحياة.

عملية رصد هذا النوع من الساسة (صنّاع الأزمات) يجب أن تتصدر مهام الطبقة السياسية لاسيما القادة إذا توفرت لديهم نوايا صادقة لبناء نظام سياسي رصين، فرجال الأزمات موجودون دائما وهم يسعون لخلق الأجواء التي تغطي على انتهاكاتهم وتجاوزاتهم على حقوق الناس، ورصدهم ومحاسبتهم وعزلهم خارج إدارة الدولة أمر بالغ الأهمية.

في الخلاصة نحن في العراق لسنا بحاجة للأزمات لأنها موجودة بكثرة لدرجة أن حياتنا تغص بها، نحن حاجتنا لرجال الدول أهم من كل الاحتياجات، فهذا النوع من الساسة هم وحدهم من يتمكن من انتشال العراق من واقعه المزري، وهم الذي ينقذون العراقيين من شبح العودة إلى الوراء إلى المربع الأول، إلى الدكتاتورية، رجال الدولة هم غاية العراقيين اليوم، والأمل كل الأمل بهم في بناء النظام السياسي اللامركزي والدولة القوية المستقرة الحامية للحريات والرأي والحقوق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2