لقطة أولى:

رجل أشيب، مسنّ، طاعن في العمر، محنيّ الظهر، التجاعيد العميقة تغزو وجههُ بكثافة، عيناه كليلتان، بالكاد يتمكن من فتحهما حتى يحصل على بصيص نظر يستدل به على الطريق، هذا الرجل غدا جسده مزرعة لجميع الأمراض المزمنة والطارئة، لا معيل له سوى الله ونفسه، إذا لم يعمل يموت جوعا ومرضا، رأيته يحمل كتلة من الآجرّ (الطابوق) لا يقوى على حملها إلا الشباب، دنوتُ منهُ وسألتهُ لماذا تكلّف نفسك فوق ما تطيقهُ، فقال وهو يلهث ويتعثّر بخطواته البطيئة:

- إذا لم أعمل سأموت..... !!؟؟

لقطة ثانية:

جمهرة من الشباب من كلا الجنسين يتجمعون بكثافة لأمرٍ ما، فتيات وشباب يحملون لافتات تطالب الجهات الحكومية المختصة بأن تستجيب لمطالبهم، كانوا يحملون شعارات تطالب الوزارة المعنية بالاستجابة لحقوقهم وإنصافهم، وجعل العدالة والكفاءة والمؤهلات هي المعايير الحاسمة للتعيين، إنهم من حَمَلة الشهادات العليا (ماجستير، دكتوراه)، يتجمعون بكثافة، ويصرخون بأصوات عالية معلنين رفضهم للظلم الذي يتعرضون له، الجهات المختصة رأت في هذا التجمع خطرا على الحكومة، فأرسلت قوات لتفضّ هذا التجمع الخطير الذي يشكل النساء أكثريتهُ، بدأت المنازلة بين المحتجين (شباب وشابات) وبين القوات التي سعت لتفريق المحتجين، رشاشات الماء المتدفق القوي أخذ ينهال على النساء، فجرفَ العديد منهن وألقى بهن على الأرض في منظر لا يقبله كل ذي ضمير وبصيرة وعدل.. تم تفريق جمع الشباب والنساء بالقوة المفرطة، في منظر مؤسف ومؤلم لم يكن يتوقعه أحد مطلقاً، فالمرأة لها حرمتها، وحين ترش عليها تيار الماء القوي وتلقيها أرضا، فهذا عار ما بعده عار.....

لقطة ثالثة:

في تقاطع طريق، تزدحم عنده السيارات التي تنظم سيرها إشارة المرور (الترفك لايت)، يتجمع العديد من الأطفال والمراهقين والشباب وحتى الكبار، من النساء والرجال، يتسولون أصحاب السيارات كي يعطفوا عليهم ويمنحوهم ورقة نقدية صغيرة أو قليلة القيمة، رأيت طفلة يربو عمرها على السبع سنوات، وجهها مستدير، تلفّ رأسها بحجاب فاقع اللون بسبب لفح الشمس، تقرّبتُ منها وسألتها:

- ما اسمك؟

قالت: اسمي نور..

سألتها:

- لماذا تستعطين أصحاب السيارات؟

قالت: أبي ميّت وأمي مريضة وأخي مشرّد مثلي...

انسحبتُ من المكان على الفور، بعد أن أعطيتها ورقة نقدية، ونصحتها بالكف عن هذا العمل، أخذت الورقة النقدية مني ولم تردّ على كلامي بل واصلت التسوّل كأنه المنقذ الوحيد لأمها ولها!!....

لقطة رابعة:

في إحدى المستشفيات، رأيتُ المراجعين يدخلون باب الاستشارية بكثافة، حتى شعرت أو تخيّلت بأن جميع العراقيين مرضى بسبب الأكداس البشرية الهائلة التي تدخل بوابة المستشفى، أيعقل أن كل هؤلاء مرضى؟ هكذا تساءلت، وبعد أن دخلت، رأيت أكداسا أخرى تحتشد عند طبيب الباطنية، وطبيب القلب، وطبيب الكلى والمسالك البولية، وطبيب المفاصل، وطبيب الأمراض المزمنة، والتجمع الأكبر رأيته يتجمع عند الصيدلية التي تقدم الأدوية للمرضى، هنا رأيت مشاهد تذبح القلب وتقتل الإنسانية، الأغلبية الغالبة من المراجعين للصيدلية يعودون خائبين بخفيّ حنين، يتأففون ويلعنون اليوم الذي وُلدوا فيه، أيدهم فارغة إلا من الورقة (الوصفة الطبية)، بعد أن تقول لهم الصيدلية لا يوجد دواء، هنا تذكرت ما حدث في إحدى المستشفيات المهمة في العاصمة، حين عجزت المستشفى عن توفير (سرنجة) حقنة لزرق الأبر فاضطر أحد أولياء المرضى أن يشتري (من خارج المستشفى) عشرات (السرنجات) ويدخل بها إلى المستشفة وهو يصيح بأعلى صوته (ها أنا أتبرع بهذه السرنجات للحكومة اشهدوا يا ناس)!!!!!....

الخلاصة:

1- مسؤولية ما حدث في (اللقطة الأولى) تقع على الرعاية الاجتماعية وهي جهة حكومية عليها أن تكفل الحياة الكريمة لكبار السن.

2- مسؤولية ما حدث في (اللقطة الثانية)، تقع على وزارتي التخطيط والتعاليم العالي، وكلاهما تتبعان للحكومة.

3- مسؤولية ما حدث في (اللقطة الثالثة) تقع على عدة وزارات، منها الرعاية الاجتماعية، وهي تابعة للحكومة أيضا...

4- مسؤولية ما حدث في (اللقطة الرابعة) يقع على وزارة الصحة، وهي جهة حكومية طبعا.

الخاتمة: تعرض اللقطات في أعلاه، مشاهد واقعية من حياة العراقيين تحدث في كل يوم تقريبا، في ظل موازنة سنوية تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، ماذا يعني هذا؟، السؤال موجّه إلى كل جهة تشعر وتعرف بأنها مسؤولة عمّا يجري اليوم في العراق، عليكم تدارك هذه الكوارث اليومية بسرعة، ما يجري فاق كل التوقعات والتصورات، ومن لا يجد من (القادة والمسؤولين من الطبقة السياسية والحاكمة خصوصا)، القدرة على الحلول، عليه أن يعلن ذلك بشرف، ويفسح المجال لمن هو أقدر منه على توفير الحلول اللازمة، لا تتركوا العراق يغرق في بحر عميق من المخاطر لا ينجو منه أحد!!!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1