هناك من لا يعبأ بالروح، ولا يعرف، أو يعرف ولا يؤمن بأن الروح كالجسد، تمرض، تتألم، وتشفى وتبرأ من مرضها، والإنسان كما هو معروف عبارة عن جسد وروح، الجسد ظاهر مرئي معالجته أيضا مرئية وملموسة تتم عبر المضادات الحيوية والعقاقير والغذاء الجيد وغيره من المعالجات المعروفة، الروح شيء خفي غير مرئي غيبي غير ملموس، معالجاته أيضا غير مرئية، لكنها معروفة، منها يتم عبر الدعاء وتلاوة القرآن.

الشفاعة أيضا أسلوب لمعالجة الأرواح، وتتعدى ذلك إلى العفو عن الذنوب، بل تُسهم في شفاء الأجساد من أمراضها أيضا، عبر شفاعة الأولياء الصالحين عند الله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ/ قرآن كريم)، تحضرني في هذا الخصوص حادثة وقعت لأخي قبل سنين طويلة حين عجز أكثر من خمسة أطباء عن معرفة مرضه، الأعراض كانت متشابهة تتداخل فيها عدة أمراض، أخي عبد الرحيم في ثلاثة أيام فقط غابت ملامح الجمال عن وجهه، الذبول غزا كلّ شيء فيه، العينان غائرتان، الشفتان يابستان، الخدان لونهما الصفار، الجسد الممتلئ تحوّل إلى غصن يابس، أبي كان أكثرنا خوفا وقلقا، في منتصف السبعينيات حدثت هذه المشكلة الصحية الخطيرة لأخي (عبد الرحيم) الذي يصغرني بسنتين، وبعد مراجعات وآلام هائلة، اكتشف أحد الأطباء العلّة ولكن (في الوقت الضائع)، فقد انفجرت الزائدة الدودية في بطن أخي ولم يكتشف الأطباء ذلك، كان بينه وبين الموت شعرة كما يُقال، نقلْتُهُ بصحبة أبي إلى المستشفى الكبير في المدينة، وفورا أحاله الطبيب الذي اكتشف علّتهِ إلى غرفة العمليات، بعد أن اشترط على أبي قائلا له: إنّ نسبة نجاح العملية الجراحية لا تتجاوز (5 %) فقط، ويجب أن تبصم لي على تعهد بموافقتك على إجراء العملية الجراحية، فرفض أبي التوقيع وطلب من الطبيب أن يمهله دقائق، غاب أبي في مكان لا نعرفه، أنا حاولت أن أعرف أين مكانه، فرأيته يقف على إحدى الشرفات (بلكونه أو شرفة)، رافعا كفيها باتجاه السماء، ناظرا إلى مكان بعيد، ثم عاد مسرعا، عيناه مخضلّتان بالدموع، وأعلن موافقته للطبيب على أجراء العملية الجراحية مرغما، رأيت أصابع كفه اليمنى ترتجف بشدة وهو يوقّع على قبوله بشرط الطبيب.

بعد ساعات خرج أخي (عبد الرحيم) من صالة العمليات بين الحياة والموت، ورأيت أنبوب مطاطي شفاف يدخل من أنفه إلى داخل بطنه، كان يؤلمه جدا، على الرغم من أن التخدير لا يزال مفعوله قائما، بقينا (أبي وأنا) أربعة أيام في المستشفى، نراقب حالة أخي عبد الرحيم ونرعاه، وكان غراب الموت يحوم فوق رأسه، يقترب حينا، ويبتعد حينا آخر، وأشد ما كان يعانيه آلام الأنبوب المطاط، آلام شديدة جدا على الرغم من أن (عبد الرحيم) كان ذا شخصية كتومة ولا يُظهر آلامهُ ولا مشاعره للآخرين إلا ما ندر.

في اليوم الخامس كنتُ نائما مع أخي (عبد الرحيم) وسمعتُ فيما يشبه الحلم أبي وهو يتلو فوق رأسه بعض الآيات القرآنية ليخفف عنه بعض آلام الأنبوب الذي يخترق أنفه، غفوتُ قليلا ثم استيقظتُ في الساعة السابعة صباحاً، فلم أعثر على أبي في فراشه كما في صباح كل يوم، كان أخي مستيقظا وعيناه نصف مغمضتين والاصفرار يجتاح وجهه، بحثت عن أبي لم أجده، سألت الممرضين والمرضى، لكن لا أحد يعرف أين أبي، طلبه أيضا عبد الرحيم بإلحاح عجيب، فهو لا يطمئن إلا عندما يرى أباه قريبا منه.

مرّت ساعتان وأكثر وأبي غائب لا نعرف عنه أي شيء، في ضحى ذلك اليوم دخل أبي الغرفة مسرعاً لاهثا، وذهب مباشرة إلى سرير عبد الرحيم وألقى عليه نظرة عميقة وطويلة فتساقطت الدموع بغزارة من عينيه وهو يحمد الله ويشكره، ثم خرج إلى الشرفة وراح ينظر نحو مركز المدينة حيث مرقد الإمام الحسين عليه السلام.

قبل أن يدخل أبي على أخي بنصف ساعة، كان الطبيب قد فحص أخي ورفع الأنبوب المطاط من أنف وجوف أخي وقال.. لم تعد هناك حاجة له.. وحين سألتُ أبي.. أين غبت عنّا؟ عبد الرحيم كان بحاجة كبيرة لك؟، فقال: ذهبتُ منذُ الفجر أستشفع بـ (الحسين) إلى الله وطلبتُ منه أن يخلّص ولدي عبد الرحيم من الموت ومن الأنبوب وآلامهِ....

وعندما عاد أبي من الإمام الحسين.. رأى عبد الرحيم معافى، يشرب العصير، ووجههُ خالياً من الأنبوب المطاط الذي تسبب له بآلام مبرحة..

الآن عبد الرحيم بصحة جيدة، وهو أب صالح لخمسة أولاد وبنات، بعضهم تزوج وأنجب أيضا..

شكراً لله.. وللإمام الحسين سبط الرسول الكريم (ص).

شكرا لأبي رحمهُ الله برحمته الواسعة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2