التنوع والتعدد في وجود الجماعات واختلاف مشاربها وأشكالها هو سنة طبيعية جميلة في الحياة، فعبر ذلك تتحقق المنافسة الإيجابية ويحدث التطور والتقدم، ولكن أن تتمحور هذه الجماعات نحو ذاتها، وتتحول إلى طاقة هدامة ومستنفرة ضد الآخرين، فهو ضد حقيقة التنوع والتعدد؛ إذ التنوع الايجابي قائم على الاعتراف بالآخرين واحترام وجودهم.

ويؤدي انقطاع الحوار وعدمه بين الجماعات المتنوعة -دينياً وعرقياً وقومياً- إلى خلق تنافر خطير وفئوية متعصبة تتغذى في وجودها وغايتها على تدمير الآخر وإفنائه، وهذا الأمر هو سبب رئيسي في حدوث كثير من الأزمات في بلادنا بشكل خاص، وفي العالم بشكل عام، حيث يتصاعد القهر الفئوي ضد الآخر بعد أن كان وليداً لتاريخ حافل بالاضطهاد والتعصب وتدمير الآخرين، وهو الأمر الذي يزيد من الأوضاع تعقيداً في انقطاع قنوات الحوار والتفاهم.

إن تمييز فئة ضد فئة مضر بالمجتمع؛ لأن الذين يقع التمييز عليهم يكرهون على الانطواء والعزلة وعلى كبت فعاليتهم، وعلى إضمار الكراهية والحقد ضد الفئة التي تضطهدهم، وتنشب النزاعات بينهم وبين الذين ينكرون عليهم حقوقهم فتهدر فيها طاقات كان بوسع المجتمع أن يستفيد منها لو وجهت في الطريق البنّاء السوي(1).

ويتحول فقدان الحوار بين الفئات الى اضطهاد القوي منها للضعيف، وتسلطه عليه، ومحاولة محوه وتدميره، وبالتالي يقود ذلك لمزيد من نشوء الفساد والعنف والجريمة والتفكك الاجتماعي والسياسي وفي مرات كثيرة الى الحرب الأهلية، فإذا لم تستسلم الفئة المضطهدة لليأس والعجز فإنها تتبنى النظريات الهدامة، وتتذرع بها في سبيل تقويض سلطة المستبدين بها، فيصبح لدى كل فريق صورة خاطئة عن الآخر، وينكر عليه إنسانيته، وتذهب وحدة المجتمع هباء منثورا(2).

ويمثل ترسيخ ثقافة الحوار الحل الأمثل لتحقيق التعايش والسلام؛ إذ يصبح التفاهم والتواصل أقدر على رفع التحفظات والأحكام المسبقة، ويمكن ذلك عبر تكييف تدريجي للعلاقات الفئوية، وتوجيهها نحو التساوي في الفرص، وعبر التحرر من المفاهيم الخاطئة لدى كل فئة عن الفئة الأخرى، والانعتاق من المخاوف والمصالح الضيقة التي تدفع الناس إلى التمييز ضد بعضهم البعض، ولا يمكن تحقيق كل هذا إلا عبر الجهود الشاقة التي تنطوي عليها عمليات التربية الاجتماعية، وتعزيز الشعور الاجتماعي الذي اضعفه انقسام المصالح وبعث الوعي بالقيم المشتركة التي تضمها الثقافة العامة(3).

استراتيجية الحوار

في طريق الإصلاح والتجديد فان الحوار لا يمثل وسيلة للتفاهم مع الآخرين فقط بل يمكن أن يعد استراتيجية أساسية نعتمد عليها لتحقيق هذه النهضة؛ إذ إن جوهر الحركة التقدمية يستند على الفعل الإنساني المعنوي، والتفاعل مع الآخر، والتثاقف بين المتنوع والمتعدد، لتحقيق النتاج التطوري للقاح الأفكار؛ لهذا فإن الحوار يصبح في هذه الحالة مصدراً سببياً للإصلاح والتجديد. فعن طريقه يتحول إلى الاتجاه الصحيح، وبسببه تستجمع الطاقات قواها التنافسية، لمزيد من التفوق والابداع.

ويمكن رؤية استراتيجية الإصلاح من خلال مجموعة زوايا هيكلية تشكل بعداً مستقبلياً متبصراً لاستشراف المستقبل من خلال تجارب الماضي؛ إذ إن القيم الأساسية التي قامت عليها رسالات الأنبياء والمصلحين تصبح أكثر تعمقاً وتوسعاً في الإدراك والمعرفة، كلما تقدم الزمن وازدحم الاتصال الانساني وزاد الاحتكاك الانساني.

أولاً: إن الحوار يمثل استراتيجية قامت عليها الرسالات الالهية في جدلها المستمر مع الآخرين؛ فالحوار هو رمز قوتها من أجل إقناع الآخرين، وبذلك فان قوة منطقها كان أساس نجاحها في الحوار، واستقطاب المؤمنين؛ فأصبحت خالدة بخلود أفكارها التي ترسخت في الأذهان والقلوب. والقرآن الكريم هو نموذج حي دائم لحوار مستمر مع الآخر تارة باسلوب المحاججة، وأخرى بالجدل الحكيم، ومرة عبر الايحاء الرمزي للقصة المعبرة؛ فكان الحوار في القرآن رمز إقناع الآخرين من مختلف التوجهات، بقوة منطقه وسلامة أفكاره وحيوية قيمه.

ثانياً: إن الحوار يمثل محورا استراتيجياً، لان الحياة في الكون فطرت على التنوع والتعدد والاختلاف، فأصبح هذا التنوع الطبيعي في الطبيعة، والكون بشكل عام، وفي الانسان بشكل خاص، رمزاً لإعجاز الباري تعالى ووحدانيته؛ وهذا التنوع الفريد يحتم ويفرض استراتيجية الحوار لتحقيق الانسجام، وبلورة النظام البشري القائم على التعقل، وإيجاد عدالة الحقوق والمصالح.

ثالثاً: ولأن الحياة قائمة على التثاقف والتفاعل المعرفي المتواصل المتطور والمتجدد الى ما لا نهاية، كان الحوار استراتيجية محتمة لتحقيق المزيد المستمر من النمو والرشد المعرفي والمعلوماتي؛ وصولاً إلى التفوق العلمي والحضاري، لبناء إنسان أكثر تكاملية ونضجاً أخلاقياً وثقافياً.

رابعاً: تصبح حالة الحوار استراتيجية حضارية، عندما تتوقف حالة السلام والتعايش العالمي على التحقق المستمر للتعارف الانساني والثقافي بين الحضارات والأفكار؛ وصولاً إلى غايات تكاملية نبيلة طرحتها الآية القرآنية الكريمة: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)(الحجرات:13).

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 58-حزيران 2001/ربيع الأول 1422
تحت عنوان: آفاق الإصلاح والتجديد الحوار طريقاً

......................................
الهـــوامـــش:
(1) روبرت.م.ماكيفر، ترجمة حسن صعب، تكوين الدولة، ص507، دار العلم للملايين.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2