موجة الحر تفتك بأجسادنا، تنهكنا، تجبرنا على تقليل الحركة إلى أقصى حد ممكن، بلا تخطيط مسبق وجدتُ نفسي في مقهى على الرصيف، بجانب أحد المطاعم التي غزت المدينة، يقدِّم الماء والشاي لمن يجلس على أحد كراسيه، العامل في المقهى نحيف أسمر البشرة، يشبه الفتيان أو الشبّان العراقيين إلى حد كبير، حتى إنني حين طلبت منه استكان شاي، تصورته سيفهم لغتي، فبدأتُ أتحدّث معه عن عمله الشاق هذا، وكيف يمكنه تحمّل حرارة الجوّ الخانق، ولماذا يجبر نفسه على العمل لساعات طويلة؟!

كنت أنا المتكلّم فقط، وكان الفتى ينظر إليّ من دون أن يجيب على تساؤلاتي، أو يجاري كلامي بكلمات موافقة أو رفض، فقط كان يهز برأسه كي يبيّن لي بأنه يستمع لما أقوله من كلمات وتساؤلات، في النهاية قال لي الفتى بلكنة غريبة، باكستانية أو هندية:

(رفيك رفيك إنت يريد جاي)؟.

عرفتُ من أحد الجالسين بأنه (باكستاني)، توقَّفتُ عن الكلام، وبدأتُ أتأمّل هذا الفتى النحيف، وأتساءل مع نفسي، كيف يمكن له أن يتحمّل الغربة في هذا العمر الصغير، وكيف يستمر بهذا العمل المؤذي طيلة ساعات النهار، وحتى ساعة متأخرة من الليل، ربما حتى الثالثة أو الثانية صباحا، ثم ذهبتُ إلى السؤال الأهم، لماذا يعمل هذا الفتى بدلاً من العامل العراقيّ، ثم لماذا يلجأ أصحاب المطاعم إلى تشغيل العمّال الوافدين من دول أخرى، ويتركون شبابنا تفتك بهم البطالة، ويعصف بهم الفراغ؟

كنت أفكّر بهذا الموضوع، وأنا أتابع الفتى الباكستاني الذي لم يتوقّف عن الحركة، فهو يذهب بالشاي لمن يجلس في مقهاه، ثم يدخل المطعم الممتلئ بالناس، يقدم لهم الشاي، ليعود إلى مكان عمله، يحمل مجرفة صغيرة، لينقل الفحم من الكيس الجنفاص (كونيّة)، إلى موقد الشاي، ثم يبرّد عُلَب الماء الصغيرة ويقوم بتوزيعها على الزبائن، ظل يتحرك ويدور ويعمل باستمرار كأنّه ماكنة مبرمجة على الحركة بلا توقّف.

سألت أحد الجالسين إلى جانبي، تُرى لماذا يلجأ صاحب المطعم إلى عامل أجنبي ويترك شباب البلد للبطالة، ضحك الرجل الذي بجانبي وتوقعتُ جوابه مسبقاً، لكنه فاجأني بإلقاء اللوم على أصحاب المكاتب التي تجلب العمالة الخارجية وتترك شبابنا، واتهم الحكومة بإهمال الشباب، رجل آخر اعترض على كلامه، وقال له الشاب العراقي مستحيل يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها هذا الفتى النحيف، هل تعتقد هناك عامل عراقي يصبر أكثر من عشر ساعات في اليوم على مثل هذا العمل، ويؤديه كما يقوم هذا الفتى الباكستاني؟

فكرتُ بيني وبين نفسي، هل فعلا يختلف الشاب العراقي عن الشبان القادمين من دول أخرى للعمل بالعراق، وهل هناك قصد من أصحاب مكاتب العمالة بإغراق العراق بالوافدين من دول أخرى، وهل الحكومة تغض الطرف عن ذلك؟، أسئلة متتالية لم أجد لها جوابا شافيا، سألت العامل الباكستاني نفسه: كيف تحتمل هذا العمل والغربة معاً؟

لم يفهم كلامي، حاولت أن أوضح له السؤال باللغة الانكليزية، فأجاب الفتى الصغير: أهلي بحاجة للمال، وأنا أيضا.

لكن هل الحاجة إلى المال هي وحدها من جلبت هذا الفتي إلى بلد بعيد عن بلده، ليعمل في عمل شاق ومزعج؟؟

في ظني ليس المال هو السبب الوحيد، فالإنسان خُلِقَ لكي يعمل وينتج ويحقق ذاته ووجوده، والإنسان بلا عمل، هو إنسان فائض عن الحياة، فالموتى فقط هم من لا يشعرون بحاجتهم للعمل وتحقيق الذات!.

نهضتُ من الكرسي، دفعت ثمن الشاي للفتى الباكستاني، شكرتهُ بحرارة وطلبتُ منه الاستمرار بإصرار في عمله هذا، ثم ذهبتُ إلى مالك المطعم، وسألته بعد أن ألقيتُ عليه السلام: هل يمكن أن تخبرني لماذا الباكستاني بدلا من العراقي؟

ضحك الرجل وأجاب من الآخر: العراقي مَلِك، يريد أن يخدمه الناس، وهو لا يخدم أحداً!!.

خرجتُ من المطعم، أفكر فيما قاله صاحب المطعم، هل هذه الصفة موجودة فعلا في الشخصية العراقية، هل الشباب في مقتبل عمرهم يفكرون بهذه الطريقة ويتصرفون وفقاً لها؟

سألتُ بعض الشباب العراقيين عن ذلك، وهل هم يرفضون العمل بالأعمال الصعبة، أو تلك المهن التي تقدم خدمات للآخرين؟

بعضهم رفض هذا المنطق، وقال إن من يطبع هذه الصفة بالشاب العراقي يظلمه، نحن نحب العمل ونزاول كل الأنواع، ولا نترفع على المهن الخدمية.

لكن هناك شباب لم يتفقوا مع هذا الرأي، واعترفوا بأن بعض الشباب أو معظمهم يبحثون عن العمل المريح، ولا يقبلون بالضوابط مثل ساعات العمل وجودة الأداء، لذلك فإن تفضيل العمالة الوافدة موجود بقوة بسبب صبر وإخلاص وعدم تكبّر العامل الوافد على العمل!.

نقطة أخيرة لابد أن نستخلصها مما عرضناه هنا في هذه الحلقة من كاميرا السبت، وهذه النقطة تتفرع لعدة فروع هي:

- لابد أنْ نقرّ بوجود فارق الجودة والإخلاص والالتزام لصالح العامل الوافد ضد العامل العراقي.

- من الصعب تعميم النقطة الأولى على جميع الشباب العراقيين.

- على القطاع الخاص تنظيم هذا النوع من العمالة بما لا يسبب أذىً أو إهمالا للشباب العراقي.

- لا يمكن للدولة العراقية، أو الحكومة، أن تبقى بعيدة عن هذه القضية، لابد من وجود حلول عادلة.

- الشاب العراقي يقع عليه جانب مهم من المسؤولية، عليه أن يدرّب نفسه لبلوغ الشخصية العملية المنضبطة المخلصة وغير المتكبّرة.

- الأسرة عليها واجب بناء الشخصية العملية لأبنائها منذ الصغر.

- ثقافة المجتمع ككل، والمنظمات والمؤسسات والجهات المعنية، عليها القيام بدورها التوجيهي التثقيفي، لمساعدة الشباب العراقي على بلوغ الشخصية العملية ومواصفاتها الناجحة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0