على الرغم من ظهور الثقافة كأنها خاصة بالنخبة، او انها ذات طابع نخبوي، او انها ثقافة ارتقاء نخبوي، لكنها في الحقيقة، لا تنتسب الى فئة بعينها، بمعنى ان الثقافة الصحيحة ليست مخصصة لأفراد وتستثني آخرين، إنما هي من حصة الجميع بلا استثناء، فالكل له الحق ان يحصل على ثقافة سليمة ترتقي به وبأفكاره وتحسّن سلوكه الفردي، كي يكون الحاصل الجمعي، ثقافة مجتمعية راقية يتحلى بها الجميع، ويتأثر بها الجميع.

في هذه الحالة سوف نحصل على مجتمع مثقف وامة مثقفة وشعب مثقف، بل ونحصل على دولة مثقفة، وعندما نقول دولة مثقفة، فهذا يعني ان السياسي فيها مثقف وصانع القرار السياسي او الاقتصادي او التعليمي كذلك، إننا في ظل الثقافة السليمة سنكون ازاء مجتمع كل من ينتمي اليه يتحلى بالثقافة والارتقاء، وربما يتصور البعض، أن الثقافة تدل على شيء نخبوي جمالي، او ان المضمون الثقافي يتعلق بشريحة معينة من الناس، او بالطبقة الارستقراطية (النخبوية) التي تنظر للثقافة وكأنها أمر كمالي، لابد منه لكي تكتمل الصورة!، في حين أن الواقع يؤكد على أن الجميع، من دون استثناء، هم بحاجة للثقافة، بل الثقافة هي حق من حقوق الانسان.

لا يمكن ولا يصح حرمان احد من هذا الحق مهما كانت الاسباب التي تقف وراء ذلك، إلا في حالة تكون الثقافة منطوية على افكار فاشلة ومضامين متطرفة، لذلك مهما كانت الاسباب او التبريرات، ستبقى الثقافة حقا جماعيا، لسبب بسيط، يتعلق باكتمال شخصية الانسان، ووعيه، بمعنى أوضح، إذا حُرم الانسان من الثقافة لأي سبب كان، فإنه سوف يتعرض لنقص في المعرفة، وهذا بدوره يتسبب في خلل في الفكر وطبيعة السلوك، ومن ثم شبه عجز أو خطأ في معالجة المصاعب والمشكلات التي تواجه الانسان، أياً كان نوعها أو مصدرها.

علما اننا نتفق بطبيعة الحال على عدم القدرة على الاستغناء عن الثقافة، وقد يُطرح تساؤل في هذا الصدد، مفاده، هل الثقافة عامل مساعد على طرح البدائل والمعالجات، للمصاعب التي تواجه الفرد والمجتمع؟، الاجابة قد تكون على النحو التالي من وجهة نظر شخصية بطبيعة الحال، فالثقافة هي التي تضخ الافكار الى العقل، محملة بمنظومة قيم ومسارات تكتنز بمحمولات اخلاقية ذات بعد انساني متطور، ينطوي على سمات التعاون المتعارف عليها، ومنها التعايش والاحترام وقبول الاخر وتقدير الرأي والتكافل والتسامح وما شابه، فهذه القيم كلها نتيجة حتمية للثقافة، من هنا عندما تختفي الثقافة وتُحجَب عن الانسان لأي سبب كان، فإنه سوف يتعرض للجهل، ومن ثم قلة الوعي، وهذا بدوره يقوده الى الضعف والعشوائية في معالجة المصاعب والمشكلات التي تعترض سبيله، الامر الذي يقود الى جملة من التعقيدات التي تواجه الانسان في معظم تفاصيل حياته، فضلا عن عجزه في الحصول على حقوقه السياسية، او محافظته على الحقوق المدنية كما هو الحال لدى المجتمعات المثقفة او المتمدنة.

ولا شك أن من فضائل الثقافة الكبيرة والكثيرة صناعة وعي متقدم يهدد الطغيان والظلم والجهل معا، لهذا السبب تحديدا، تعمل الانظمة السياسية الدكتاتورية، على حرمان شعوبها من الثقافة، حتى تسهل قيادتها وفق مصالح النظام السياسي، وحماية عرشه من السقوط، على الرغم من ادارته للدولة بطريقة، تحرم الناس من ثرواتهم، وحقوقهم السياسة، مثل الانتخابات واختيار الحكومة وما شابه، من هنا فالثقافة حق للجميع، لا يصح اهماله، أو تجاوزه، كونه السبيل الاقصر والاسرع لنشر الوعي بين صفوف عامة الناس، حتى تعرف حقوقها، وتحافظ عليها، من خلال مطالبة النظام السياسي بتحقيقها، عبر وسائل ضغط كثيرة، تتصدى لها جماعات الضغط، ممثلة بالاحزاب السياسية، والمنظمات والمؤسسات المعنية بهذا الامر.

وربما يعتقد بعض المثقفين ايضا، أن الثقافة حكرا عليهم، وهو تصوّر غير صحيح بطبيعة الحال، لأن دور المثقف أساسا، هو نشر الثقافة بكل السبل المتاحة له، بين عموم طبقات وشرائح ومكونات المجتمع، بغض النظر عن التسميات والعناوين، فإذا كانت هذه هي مهمة المثقف، إذن لا يصح أن يدّعي بعض المثقفين، بأن الثقافة لا تخص الجميع، أو أنها أمر كمالي جمالي، لا يشمل عامة الناس!، لكن الثقافة لها علاقة وثيقة بالجانب المعرفي، وهذا بدوره حق اساسي من حقوق الانسان، يشمل التعليم، وتشكيل الوعي السليم، للتعامل مع الايجابيات والسلبيات بصورة عامة، حتى يتمكن الانسان من خلق البيئة الحياتية التي تناسبه، وتصون حرمته وكرامته وحرياته كافة.

من هنا، لابد أن تتحرك الجهات المعنية الحكومية: (كوزارة الثقافة)، والجهات الأهلية المعنية بنشر الثقافة، ومنها منظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات والمؤسسات الثقافية، وتعمل بجدية وتنظيم وتخطيط، على نشر الثقافة عبر السبل المتوافرة، والاستفادة القصوى من وسائل الاعلام كافة لتحقيق هذا الهدف الثقافي المعرفي لعموم افراد ومكونات المجتمع، بمعنى لابد أن تكون الثقافة في المحصلة متاحة للكل من دون استثناء، وكذا تشترك جهات اخرى في هذا الجهد الذي يهدف الى جعل الثقافة متاحة للجميع، منها على سبيل المثال، المدارس والجامعات وأماكن الدراسة كافة كالمكتبات العامة مثلا، ولابد من اقامة الدورات التثقيفية التي يتم تقديمها بطريقة منظمة ومخطط لها، بالاضافة الى الندوات المدروسة، والمهرجانات، والمؤتمرات ذات الجدوى الحقيقية والمخطط لها، خدمة للعقل ونشر الفكر والمعرفة على ان يكون الهدف هو تقديم الثقافة بطريقة سليمة تجعلها متاحة للجميع من دون استثناء.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0