إن التأمل بالواقع الفكري الذي نعيشه ومقدار الانفصام عن العالم الخارجي يساعدنا على فهم حقيقة الازمة الفكرية التي نعيشها، هذه الازمة تجسدت عبر مجموعة من الظواهر المتفاوتة بحيث شكلت نتاجا ملحوظا لعدم القدرة على ايجاد الترابط المتوازن بين الداخل والخارج، لذلك يمكن من خلال استعراض اشكال الازمة الفكرية ان نحدد ونصل إلى جوهر الانفصام ومن ثم ايجاد البدائل اللازمة لتجديد البنية الفكرية والخروج من دائرة التشوش للوصول إلى بعد اوضح في فهم الحياة وارتباط أكثر صوابية مع العالم الخارجي.

ان الازمة الفكرية يمكن ان نحللها عبر مجموعة ازمات فكرية تحللت إلى انماط سلوكية حفرت نفسها وتجذرت في خنادق محصنة أصبحت عبئا ثقيلا يصعب اختراقه أو تجديده، ولكن المعرفة بالأمر وتحليل دوافع سلوكنا وتصرفاتنا يمكن ان يعطينا دفعات تدريجية من الوعي الناضج للخروج من هذه الأزمات المتخندقة.

أزمة التحجر:

عندما يفقد الفكر مبرراته التطورية والتقدمية يصبح خارج دائرة الزمن حيث يتحصن في داخله رافضا الخروج من دائرة الماضي والانسجام مع حلقات الحاضر والمستقبل المتسلسلة. حينئذ يصبح التحجر والجمود هو من اساسات بنائه ووجوده، والفكر عندما يفقد مبرراته التطورية يفقد غاياته اساسا ويتجرد من تسميته الحقيقية إلى وجود جامد لا يستطيع ان يلاحظ خارجه. انه ساكن في اجتهاداته قامع لها ورافض لمتغيراته، فيحارب كل متغير يسري في داخله ليقدس كل مقتنياته ويحدد كل انتاجاته، فيحتكر كل الحقيقة وينبذ كل النقد، ويصبح العناد المطلق جوهر تفكيره المنغلق على عوالمه الخاصة. قد يكون السبب هو عدم الثقة بالعالم الخارجي والاحساس بالضعف وفقدان القدرة المنطقية على الاستدلال ولكنه في النتيجة يخسر كل شيء عندما خاف ان يخسر البعض.

لايمكن ان تكون المحافظة على القديم مبررا للتحجر والجمود بل على العكس من ذلك فان عدم التجديد يقضي على غايات وجودها ويقودها نحو العدم، لان التحجر لايعني كغاية وهدف التمسك بالاصول والثوابت بل يعني بشكل أكبر تحجير المبادئ ورفض الانسجام مع تحديات التغيير التي تحتمها معطيات الكون المتحرك والمتغير.

ان مفاهيم الدين الإسلامي تحض على الاستجابة الفعالة مع العالم الخارجي وتطوير الفكر الإنساني باستمرار لتحقيق الحرية والاقتناع والابداع والتطور التي هي من اساسات تحرك الإنسان وتصاعده نحو الكمال، والملاحظ للكثير من التصريفات في الافعال المستخدمة في القرآن تدل على حركة الفكر وعدم جمودها مثل: (التدبر..التفكر..).

ازمة التحجر ازمة حقيقية لان اصحابها يرفضون الحوار والتغيير ويقدسون افكارهم بشكل مطلق ويحاربون الرأي الآخر. وهي تنطبق على اتجاهات فكرية متنوعة لأنها تشكل ازمة اجتماعية عامة تنبع من البنيان الثقافي العام للامة.

ازمة الذوبان:

وهي أزمة تشكل نمطا آخراً من التفكير الذي يفقد مبرراته الحقيقية حينما يفقد تفاعله الحيوي مع العالم الخارجي ويتمرد بشكل مطلق على تجاربه السابقة ويضع اللوم كل اللوم على تراثه واصوله ليقع في معضلة فقدان الهوية، وبالتالي لايجد إلا افكار الغالبين ليذوب بكامله في الآخرين متنصلا من تاريخه وماضيه ومنصهرا في حاضر منقطع لا أسس له.

ليست المشكلة في ان يثور الإنسان لتغيير وتجديد حاضره بل هو الأمر الذي يمكن ان يجدد الافكار ويحيي المبادئ، ولكن ان يتطرف في ذلك عبر الغاء كل الماضي والتاريخ فهو الأمر الذي سوف يزيد انفصامه عن العالم الخارجي ويضعه في متاهات لا يستطيع ان يخرج منها. واذا حاول الغرب منذ قرون عديدة ولحد الآن ان يتنصل من الكثير من الاخلاقيات والمبادئ ويلغيها بدعوى التقدم العلمي والوجود العقلي المحض ويضع التجارب الحضارية الماضية خلف ظهره بدعوى الحرية الفردية المطلقة، فانه اليوم يعاني كثيرا من فقدان الهوية الإنسانية ويواجه عواصف وأزمات أخلاقية وروحية كبيرة ولذلك يتمرد اليوم كثير من مفكريهم على ليبراليتهم ويدعون نحو ايجاد الاعتدال بين التحديث والتأصيل والتمسك بالأسس الاخلاقية والدينية التي قامت عليها دعوات الأنبياء والمصلحين.

ان التنصل من الماضي بدعوى التحديث يؤدي بالنتيجة إلى التبعية إلى الآخرين وفقدان خصائص حضارتنا الاصيلة ونسيان تجاربه المتألقة والتي يمكن ان تعطينا دروسا كبيرة في عملية التجديد والتغيير مع الحاضر والمستقبل.

أزمة الدونية:

الشعور بالدونية تجاه الفكر الآخر وفقدان الثقة بفكر الذات ُيلجئ بعض المفكرين إلى التمسك والتمحور حول مناهج فكرية أخرى والتمسك بها دون وجود اقتناع حقيقي وشعوري بها، إلا ان التجارب السيئة التي مروا بها ادت إلى سريان الاحباط في أرواحهم وأفقدتهم الثقة بالذات.

فبدلا من السعي إلى تجديد الفكر ومحاولة علاج الازمة بمراجعة نقدية هادئة سعوا إلى التنصل من الثوابت والمرتكزات في محاولة لملء الفراغ الفكري والروحي الذي افقر دوافعهم الذاتية، ويمكن ان نرى ذلك في الانبهار- المتدافع نحو الحضارة الغربية والاقتداء بقيمها - مهما كانت دون النظر إلى سلبياتها أو إيجابياتها والتعبد بها، وهو تعبد لا يعتمد على الموضوعية والدراسة النقدية بقدر ما يعبر عن فقدان القدرة والشعور بالعجز أمام خصم قوي بمظاهره وشعور نفسي بالإحباط واللاجدوائية من احداث لم تعط صورة آمنة للمثقف يستدر منها الغائية والهدفية في حياته.

وهذا الاتجاه والاحساس بالدونية امام القوي أو الالتجاء للآخرين طلبا للاستقرار والامان الفكري لا يؤدي إلى تجاوز الازمة الفكرية ان لم يؤد إلى تفاقمها، لأنه في الواقع التجاء نفسي يفتقد في بعض جوانبه النقدية المتعددة والموضوعية الحكيمة. وقد ادى ذلك إلى نشوء اتجاهات فكرية تعتمد على الاقتباس المطلق في ظرف عدم وجود حقيقي لاستقلاليتها وروحها الابداعية ودون ان تحكم قدراتها النقدية والبحثية وهي بذلك تحاول ان تصنع لها وجودا ثابتا على هامش تلك الوجودات الأخرى.

وبالطبع فان الدونية هي تبعية خطرة تجعل الفرد أو النخبة في متناول سلطات الآخرين وتحكمهم وبالتالي يكون فاقدا لعناصره الذاتية المستقلة في الابداع والاجتهاد والنقد. وقد يسمي البعض هذه الدونية بالتغرب نسبة إلى الانبهار الاعمى بالغرب ولكن هذا النوع من الازمة هو عام لايشمل الغرب فقط بل يشمل كل شعور بالضعف وفقدان الثقة تجاه الآخرين. ومن هنا يجب الحذر من الوقوع في مطب هذا النوع من الأزمات بشكل غير شعوري حتى لا نصبح مجرد احياء نفكر على هامش ما ينتجه الاخرون من افكار.

أزمة التقليد:

وهي ازمة تنشأ من رحم الشعور بالدونية والضعف أمام ابداع الآخرين فنبدأ بتقليد أفكارهم بشكل حرفي ونسوق قيمهم ونجتر تجاربهم، وبذلك تبدأ ملكاتنا الفكرية من الابداع والنقد والابتكار في الاضمحلال والاندثار. ومشكلة التقليد هي مشكلة تعيش في جذور المجتمع البنيوية عبر تقاليد ثقافية جامدة تفرض على الفرد الطاعة المطلقة للسلطات الفردية المستبدة لتعيش حالة التبعية والذيلية فاقدة لقدرتها الشخصية في التفكير المستقل والابداع المتحرر والابتكار الخلاق. فالفرد ينشأ منذ نعومة اظفاره مقلدا، وبعد ان يكبر يبقى مقلدا ولكن بشكل اخطر عندما يخرج من مجتمعه إلى عالم جديد يعجز فيه عن تجديد طاقاته وتحفيز ملكاته الفكرية.

أزمة التعصب:

من اخطر الأزمات التي يمكن ان تعصف بالفكر الاجتماعي فتقوده نحو نتائج عنيفة تؤدي في النهاية إلى التصادم والتحارب، لان المتعصب يقدس افكاره بشكل مطلق ويحتكر الحقيقة لنفسه ويُخطئ الآخرين دوما دون الرجوع إلى احتكام الحوار والنقد، وهذه الازمة هي تجسيد شبيه بمنطلقات ازمة الدونية ولكنها تقود إلى اتجاه معاكس تماما، وهو الانغلاق على الافكار دون السماح لجريان نسائم الافكار الأخرى من خلالها. وهذا دليل الضعف الذي يعانيه الفكر المتعصب، وهو يفقد القدرة على الاستدلال والحوار مع الافكار الأخرى، ولانه يخاف على نفسه من الانهيار يحصن نفسه بتقييد فكره واعطاءه صفة القدسية المطلقة، ومن منا لم يشعر بشيء من التعصب عندما يتعرض لموقف نقدي يبين ضعفه ويكشف عجزه فيكابر اعتقادا منه انه يدافع عن ذاته.

وعندما نستعرض واقع التعصب في ازمات امتنا نجد ان التعصب قد استشرى في مختلف الاتجاهات حتى اصبح الاحتراب والتصادم هو سمة التعامل اليومي بينها مستخدمة اشد الوسائل القمعية لتدميرها حسب مستوى امتلاكها للقدرة والقوة. وتساعد وسائل الاعلام كثيرا في انتشار التعصب عبر ضربها للآخرين أو تجاهلها المطلق للحقائق التي لا تتماشى مع منطلقاتها الفكرية، لذلك فان السلاح الاقوى اليوم في تمزيق الأمة هو التعصب المطلق والاعمى الذي يتمظهر بأشكال مختلفة مثل التعصب الديني والطائفي والعنصري والقبلي والعلماني والتحزبي.

ان المتعصب هو فرد في اغلب الاحيان منعزل عن العالم الخارجي وغير قادر على قراءته لانه لايراه إلا من خلال نافذة ضيقة جدا تعكس له اعتقاده المطلق بأفكاره، لذلك فهو لايرى عالم الآخرين وافكارهم بل يرى فقط نفسه لنفسه بنفسه.

أزمة الخوف من التجديد:

قد توجد رغبة في تجديد الفكر وادواته ولكن قد يكون الخوف والرهبة من التجديد عنصراً أساسياً في إيقاف مسيرة التجديد، لان التجديد سوف ينتج عنه مصاعب وتطورات يمكن ان تطيح بالكثير من المصالح والثوابت والمبادئ التي قام عليها، وبطبيعة الحال فان معظم الناس يفضلون البقاء محافظين على ما يمتلكون دون المخاطرة في مستقبل قد يسلب أمنهم واستقرارهم، خصوصا عندما تمر عليهم تجارب مؤلمة كان فيها التجديد باهض التكاليف.

ولكن الاشكالية الاساسية التي تواجه هذا النوع من التفكير هو ان البقاء والمحافظة من التجديد والتمسك بالحاضر الذي يتحول إلى ماض سوف يقود حتما إلى انقلاب الوضع بشكل مفاجئ يسلبهم فيه كل شيء، باعتبار ان حركة الحياة لاتتوقف وان التغيير والتجديد أمر حتمي، فعندما يرفض البعض التجديد يعرض واقعه الاجتماعي والفكري لثورة عنيفة تعصف به خصوصا عندما تجد التيارات الشابة نفسها منفصلة عن التيار الفكري القديم فتنتفض دون حكمة مدمرة كل شيء. ولكن الخوف من التجديد يمكن ان يرتفع عندما تقدم التيارات الفكرية على إيجاد نهضة إصلاحية هادئة تعتمد على التدرج في التحديث مع التمسك بالثوابت والمرتكزات والحفاظ على الأسس المبدئية، وبهذا فإنها تساير التطور الزمني وتنسجم مع العالم الخارجي.

أزمة الانغلاق:

حيث ينغلق الفكر على ذاته مفضلا عدم الانفتاح على الآخرين خوفا أو ضعفا أو تهربا من المسؤولية، هذا الانغلاق سوف يقود إلى وجود سوء فهم كبير من تيارات مختلفة وابتعاد عن الحياة.

أزمة الفكر العنيف:

حيث يتحول من اداة للحوار إلى اداة قوة لفرض التغيير السريع على الآخرين مستخدمة اسلوب القفز الفوري دون مراعاة الخطوات العلمية والمنطقية لمسيرة التطور الفكري التدريجي، اذ ان الفكر بطبيعته يستلزم الانضاج الهادئ والاقناع الصبور والاستقامة بنفس طويل.

أزمة الازدواجية:

وهي ازمة تقود الفكر المحبط إلى ازدواجية متلونة بأفكار متناقضة يتعامل معها حسب اندفاعاته النفسية والمصلحية لا حسب موضوعيتها، ونرى ذلك كثيرا في المجتمعات المخنوقة والمكبوتة حيث يعجز المثقف من أن يعبر عن رأيه بحرية وجرأة، وهذا الأمر سوف يقود الفكر إلى أزمة في التناول الغائي معه عنما يصبح مجرد وسيلة.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 54-ذو القعدة 1421/شباط 2001-الذي نشر تحت عنوان: انطباعات الإصلاح والتجديد الفكر اساسا

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0