في مقارنة أولية بين ما تحرقه الحرب من أموال وموارد وجهود استثنائية، وبين ما يستوجبه السلام من نفس المتطلبات، سيكتشف المعنيون من القادة، أن كلفة السلام تقل كثيرا عن الكلفة التي تستهلكها الحرب، وينطبق هذا على فرق الكلفة بين تحقيق العدالة مقابل نشر الظلم، فاعتماد قيمة أو معيار العدل في إدارة شؤون البشرية، يقل في متطلباته بكثير عما يحتاجه القادة الفاشلين أو القائد الفاشل لإدامة ماكنة الظلم وما يحتاجه من أموال لنشره بين الناس.

نسوق هذه المقدمة ونحن نتابع ما يجري في العالم من حروب طاحنة، وخصوصا ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، كما في سوريا واليمن والعراق ولبنان والسعودية وسواها، ويفسر المراقبون أن ما يحدث من توتر وحالات اقتتال وتأجيج إقليمي كله يعود إلى مصالح دولية وتوازنات تحركها نوازع الرغبة إلى الشر وإشعال فتيل الحروب وإهمال القطب الآخر المتمثل بالعمل على نشر السلام في ربوع الأرض واعتماد الحوار والعدالة في معالجة المصالح الدولية.

وفي مسح متخصص لمناطق الحروب في العالم، سنجد أنها تفوق كثيرا تلك التي تتمتع بالسلام النسبي، ومما يضاعف من فرصة اتساع الحرب على حساب السلام، تلك الحروب التي تتخذ أشكالا أخرى غير السلاح والتصادم المباشر، فقد انتشرت حروب من نوع آخر، وفي المقدمة منها الحروب الاقتصادية، والتجارية، وحرب الحصارات، ولعل التهديد الأخطر لهذا النوع من الحروب أنها تشكل تمهيدا أوليا أو شرارة حتمية لإشعال حروب التصادم بالقوات القتالية العسكرية.

كما أن الحروب بأشكالها المختلفة، تستنزف موارد الأرض، وتترك ترسبات خطيرة كالتلوث وما شابه، فضلا عن أنها تشغل الإنسان عن المهمة الأكبر في وجوده وهي تعمير الأرض، فبالإضافة إلى استنزاف الموارد على نحو عالمي تتسبب به الحروب فإنها لا تكتفي بذلك، بل تذهب إلى شل العقول والأيدي وتعيقها عن مواصلة بناء الأرض بما يليق بقيمة الإنسان، وكل هذا يحدث على حساب العدالة التي تترسب في القعر وتتلاشى في ظل جشع القوى العالمية المتكالبة على النهب والسلب بعيدا عن معيار العدالة.

ويتكرر هذا المشهد العالمي نفسه في دول وشعوب بعينها، فداخل الدولة الواحدة هناك قادة سياسيون يفضلون نشر الظلم على نشر السلام وتشجيع الإبداع، والسبب واضح لكل ذي عين وبصيرة، وقد يكون ما يحدث اليوم في العراق عموما والبصرة بكل خاص مثالا للاحتراب الداخلي بين الشعب والسلطة السياسية بكل تفرعاتها وأحزابها، وبنظرة بسيطة على ما يجري في مدينة البصرة الآن، يمكننا كباحثين عن الحقيقة، أن نفهم بيسر أن المتحكمين بالسلطة لا يرغبون بالسلام والهدوء والسكينة لأنها ليست الأرض المناسبة لتحقيق مصالحهم، بل ما يخدمهم الفوضى والاحتراب والخوف والتوتر في ظل غياب شبه تام للعدالة.

صورة ما يحدث في البصرة لا يختلف كثيرا عما يحدث في عموم العراق، وصورة ما يحدث في العراق لا يختلف كثيرا عما يحدث من احتراب في دول ومناطق أخرى قريبة وبعيدة عنه، فما يجري في إيران بين السلطة والشعب يخضع أيضا لمعادلة نسف السلام وتغييب العدل في العلاقة بين السلطة والشعب تماما كما يحدث في العراق وفي السعودية وسواها، وكل هذا لم يأت اعتباطا ولا يحدث جزافا، إنها سياسة حرق الشرق الأوسط برمته وجعله في حالة توتر والتهاب  مستمر، حتى يتاح للقوى الدولية أن تحقق ما تصبو إليه.

في حين أن المسؤولية الأخلاقية تدعو الكبار من دول العالم، والقوى العظمى، الى تغيير السياسات العالمية الراهنة، وجعلها تدور في مدار المعادلة التي تقول إن السلام أقل كلفة من الحرب، وأن نشر العدل أقل كلفة مما يتطلبه الظلم من أموال وموارد، واذا ما تم اعتماد مثل هذه السياسة على المستوى العالمي خصوصا من قبل الدول الكبرى ومنها بل وأهمها الدول الست المعتمدة في مجلس الأمن ولها حق النقض (الفيتو)، فإنها سوف تنعكس إيجابا على الدول الأصغر، كون أن الكبير يشكل نموذجا للصغير في تفكيره وسلوكه.

ولهذا نجد اليوم أن عالمنا كله متأجج بنيران الكراهية والتكالب على المصالح والاحتكارات، بعيدا عن المعايير الأخلاقية وقواعد اللعبة السياسية التي ينبغي أن يلتزم بها الجميع، وإذا كانت الثروات والموارد التي يسيل لها لعاب الدول الكبرى والأقل حجما هي الدافع الأساس لهذا النوع الخطير من التصادمات الإقليمية وحروب الإنابة، فحريّ بمن يهمه الأمر أن يتنبه للأوضاع العالمية الخطيرة التي يمر بها العالم والشرق الأوسط على وجه الخصوص.

ولعله لم يفت الأوان بعد في الدعوة إلى ضبط إيقاع السياسة الدولية، ولابد أن تتخذ الإجراءات اللازمة التي تخفف من التوتر العالمي والشرق أوسطي بالأخص، وهذا يرجع بالدرجة الأولى إلى قادة الدول الكبرى، مع نشر الثقة في العلاقات السياسية والابتعاد عن التحالفات والمحاور، حيث يبدو المشهد السياسي في الشرق الأوسط بالأخص والعالمي عموما خاليا من عنصر الثقة وتحكمه التكتلات التي غالبا ما تسعى إلى التأجيج بدلا من التهدئة.

أخيراً إن من يقف خارج ساحة الصراع ويعتلي قمة التل، سوف يرى كتلة نار تلتهم دولا عديدة في الشرق الأوسط خصوصا، وهي منطقة الثروات الأهم والأغنى في العالم وشريان الطاقة العالمي، ولابد من خطوات أممية دولية سريعة وفعالة لتهدئة ما يجري اليوم في هذه المنطقة، فما يجري في مدينة البصرة لا يمكن أن يكون بمعزل عن السياسات الدولية والإقليمية وإن بدا شأنا عراقيا، إن البصرة اليوم هي ضحية سياسات القوى الدولية والإقليمية التي ينبغي أن تضع حدا لفتيل النار والخراب قبل أن تشتعل المنطقة برمتها، وهذا يستوجب تفكيرا متوازنا وخطوات جدية بالسلم على حساب الحرب وبالعدل على حساب الظلم.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
أحبائي
نعم نعم نعم السلام أفيد كثيرا كثيرا لكل المجتمعات من الحرب
لو عاش الناس في سلام لفاضت الخيرات وملأت كل شارع ودرب
ولاختفت من الحياة الغالبية العظمى من المشاكل وكل أمر صعب
ولخفت حدة الكراهية المتصاعدة بين البشر ورضى عن البشرية الرب
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-05

مواضيع ذات صلة

0