أعلنت مفوضية الانتخابات تسجيل 27 كيانا أو تحالفا سياسيا، كلها تنوي المشاركة في الدورة الانتخابية الجديدة، وينضم في هذه الكيانات 147 حزبا سياسيا، وهو كما يتضح من الرقمين السابقين يشكل سابقة ربما لم يعرفها تاريخ العراق السياسي المعاصر أو المنظور، وقد لا نخطئ إذا قلنا العالم العربي كله أو العالم الأوسع لم يشهد مثل هذا التزاحم على الترشيح لخوض الانتخابات، يقابل هذه العدد الكبير للكيانات والأحزاب والشخصيات المرشحة، غياب واضح للبرامج التنموية التي يخوض أصحابها الانتخابات في ضوئها، وإن وجدت فهي إما مستنسخة متشابهة أو ضعيفة أصلا.

ماذا يدل هذا التكالب في ظل تردي الأوضاع الخدمية والاقتصادية والأمنية والتعليمية وسواها، ألا يعني أن هنالك أهداف أخرى غير معلنة لهذه الأحزاب، ثم ألا يدل انتشار الفساد في البلاد على وجود عاهات مرضية مستعصية أصابت الأحزاب والعاملين في الميدان السياسي؟، تشل الجسد والذهن وتؤثر على التفكير وتصبح في معظم الأحيان، مشكلة تؤدي الى العجز في أداء الواجبات كما يجب، لكنها لا تنحصر في الإنسان وحده، لأنها قد تصيب كيانات غير بشرية أيضا، فتشل حركتها وتعرقل فاعليتها، وتمنعها من أداء الواجب المطلوب منها، كما يحدث مع الأحزاب السياسية في العراق، خصوصا أنها تدخل ساحة معركة الاقتراع بلا سلاح، بلا برامج نافعة فتشكل حالة مشجعة على الفساد بدلا من القضاء عليه، لأن جميع المرشحين يحلمون بالامتيازات التي سيغدقها عليهم فوزهم بمقعد في المجلس النيابي.

والسؤال هنا لماذا لم تنجح الأحزاب منذ ما يقرب من عقد ونصف من إنصاف العراقيين وتعويضهم عما لحق بهم من مظالم في ظل الأنظمة الفردية الدكتاتورية؟، تُرى هل أحزابنا مصابة بعاهات تمنعها من أداء واجبها السياسي على النحو الأمثل؟، واذا كان جوابنا بالإيجاب، فما هي هذه العاهات، وما هي تأثيراتها على الوضع السياسي في العراق، وهل هناك أمل بمعالجتها، لكي ننجح جميعا في بناء دولة الحلم، دولة المواطن، دولة المؤسسات التي تحمي حقوق الجميع وتكفلها، مقابل أداء الواجبات المطلوبة؟، أولا إن الأحزاب في العراق مصابة بعاهة التلاعب بالديمقراطية، وثانيا هي مصابة بغياب الشفافية والنزاهة، وثالثا مصابة بتضخيم شخصية القائد الأعلى للحزب، ورابعا هي أحزاب صراعات وليست للبناء، لهذا فهي تعد أحزاب مقاوِمة - بكسر الراء- للتطور والتقدم، ومن ثم فهي عاجزة عن نقل البلاد من مستنقع الجهل والتخلف والاضطراب، الى واحة النور والتقدم والاستقرار، والدليل حجم الفساد المنتشر في مؤسسات ودوائر الدولة، مضافا الى أطنان من الشكاوى التي يعلنها المواطنون عبر وسائل المختلفة لدرجة أن المواطن لم يعد يحاذر من إطلاق النعوت المسيئة على بعض الأحزاب والشخصيات السياسية علنا وبلا تردد.

الوعود هل ذهبت أدراج الرياح

هل فكر قادة التحالفات والكيانات والأحزاب بما ستؤول إليه الأمور بعد أن يئس المواطن من إنصافه، وبعد أن ذهبت وعودهم للناس أدراج الرياح بسبب عاهات الأحزاب وأمراضها، وهكذا فإن التأثيرات السلبية لمثل هذه العاهات، كبيرة ومؤثرة جدا على حياة الفرد العراقي، وتؤدي بقوة الى ضياع حقوقه المدنية والخدمية وغيرها، كما يشير الواقع الراهن، حيث الصراعات بين الكيانات على أوجها، بينما هناك نسبة كبيرة من العراقيين يعيشون تحت خط الفقر بلا سكن ولا غذاء ولا ماء ولا كهرباء ولا قدرة شرائية ولا أمن أيضا.

لماذا عجز السياسيون قادة وقواعد حزبية عن ترميم الوضع العراقي؟ فإذا كان هذا البلد، وهو صاحب الميزانيات المليارية الضخمة (100 مليار دولار ميزانية 2012 وهي أعلى ميزانية في تاريخ العراق وبعض دول المنطقة) عاجزا عن إنقاذ هذه النسبة السكانية الكبيرة من وطأة الفقر وقسوته، فهذا دليل قاطع على وجود الفساد السياسي واستشرائه بقوة، الأمر الذي يدل بدوره على فساد الأحزاب، ولأنها هي التي تدير العملية السياسية في العراق وما يتبعها من جوانب أخرى اقتصادية وتعليمية وصحية وسواها، فإن هذه الإدارة قاصرة عن تحقيق الأهداف المرجوة منها، والتي تتمثل ببناء دولة مدنية تحفظ حقوق المواطن من خلال القانون والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وما الى ذلك، لهذا تبدو الأحزاب السياسية إقطاعية عائلية فئوية استبدادية بالنتيجة، ولعل من أهم أسباب فشل بناء الدولة المدنية، هو فشل العمل السياسي لأحزابها، بسبب افتقارها للشعبية والحيوية الفكرية والمبدئية، وبسبب تكرار نفس الوجوه العاملة في السياسة رغم الفشل المتكرر لها في إنقاذ البلاد من الانحدار.

كيف نبني دولة حامية للحريات؟

لقد استبشرنا خيرا وشعرنا في بداية الأمر أن كثرة التحالفات والأحزاب علامة صحة وعافية للوضع السياسي العراقي، كرد فعل على الفردية والدكتاتورية وسطوة الحزب الواحد أو القائد، ولكن مع السنوات تحولت التحالفات والكتل والأحزاب إلى عبء على الدولة والميزانية والشعب معا، فالأضرار الخطيرة التي انعكست على الوضع السياسي بسبب الكيانات والتحالفات والأحزاب واضحة، لأنها تنعكس على العمل الحكومي بكل أنواعه، وإذا كانت الأحزاب مريضة فإن هذا المرض حتما سينعكس على الحكومة، وبالتالي ليس هناك أداء حكومي ناجح إلا بوجود أحزاب ناجحة، ويقودنا هذا الى القول أن من أسباب الفشل الذي تم ذكره، هو سن قانون الأحزاب وطبيعة بنوده، فهو قانون موضوع من لدن الأحزاب نفسها، وقد تمت صياغته لكي يمنحها فرصا اكبر للاستغلال والاستئثار والاستحواذ والقمع، بدلا من أن يطورها ويدفع بآليات عملها نحو الأفضل، بعيدا عن السلطوية والتفرد والتطرف وما الى ذلك، من مظاهر تحوّل روح العمل الحزبي، من ميزته الجماعية الديمقراطية الى صبغته الفردية المتعالية، ولعل أخطر ما تمخض عن هذا المشهد المريب غياب البرنامج السياسي الحقيقي، مع فقدان فرص التصحيح وإنصاف الشعب من خلال الكف عن استغفال الناس وسرقة حقوقهم.

لذلك بعد هذه السنوات الطوال وتعدد الدورات الانتخابية، مع عدم تحقيق العدالة في التعيينات وغياب الخدمات وانعدام الرعاية الصحية وارتفاع الأسعار، كل هذه وسواه صنع نوعا من الإحباط لدى المواطنين، لكن من طبع العراقي انه يبقى متشبثا بغد أفضل، فالأمل في بناء دولة المؤسسات فإنه يبقى قائما على الدوام، لكنه سيظل مرهونا بالقضاء على عاهات الكيانات والأحزاب، لذا مطلوب من القيادات الحزبية، أن تعي المخاطر التي تم ذكرها آنفا، ولابد أن تندمج الأحزاب بالشعب وشرائحه كافة، لكي تلقى قبولا ودعما وتصحيحا متواصلا للأخطاء، وهو الأسلوب الأمثل لمعالجة العاهات، لأن القبول الشعبي سيمنح الحزب شرعيته من خلال الضغط باتجاه المسار الصحيح، أما الانغلاق والتحجر والانكماش والاحتماء بالنهج الفئوي ضيق الأفق، فلا يجدي نفعا ولا يمنح الحزب تأثيره الفاعل، فالمطلوب في النهاية هو قلة في التحالفات والأحزاب، وكثرة في البرامج السياسية المتميزة، وليس العكس، وإذا ما حدثت مثل هذه الرؤية المتطورة ستعود ثقة الشعب بقادته السياسيين كتلا وأحزابا وشخصيات وطنية مؤمنة به ومنصفة له.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0