يرتبط وجود الإنسان ككائن اجتماعي بارتباطه بأخيه الإنسان ارتباطاً حتميا في جميع جوانب الحياة، فالإنسان الذي يفتقد التواصل مع الناس يعتبر سلوكه شاذا يشوبه المرض وبالتالي يعتبر فاقدا لقدرته على ممارسة وظائفه الطبيعية في الحياة. وقد تنشأ من رفض الآخر تبعات أثار تبرز بشكل مميز في حياتنا ويمكن قراءتها على هذا الشكل:

أولا: التواصل السلبي مع العالم الخارجي

يتقدم الفرد وتنمو المجتمعات بنمو تواصلها الإيجابي الذي يحافظ على أسسها مع تطور تدريجي ينعكس اطرادا على أشكال وصور حياتها، فالمجتمعات المتقدمة في عصرنا كاليابان مثلا هي التي استفادت من هذا التواصل الإيجابي ولكنها حافظت على قيمها ولم تنصهر في المجتمعات الأخرى، وهذا يدل على وجود قدرة واعية في تفهم الآخر والاستفادة بشكل متبصر من خلال التبادل الفكري والعلمي والحضاري.

ولكن مع فقدان التواصل الإيجابي والحوار المتفاهم تتحول لغة التبادل إلى لغة سلبية قائمة على التصادم والشك والتلقي الثقافي السيئ، فنحن نعيش اليوم مثلا حالات سلبية متكاثفة مع العالم الخارجي بافتقادنا للتواصل الإيجابي فهناك من يستخدم العنف كلغة أساسية مع الغير وهناك من ارتأى العزلة المطلقة عن التأثر والتأثير وهناك من انصهر انصهارا كليا في الغير حتى فقد مكوناته وقيمه.

هذه اللغة في التفاهم والتواصل تجعلنا غير قادرين على فهم حقيقتنا وفهم حركة العالم الخارجي وهو ما انعكس كثقافة تساجلية على تعاملنا مع بعضنا البعض، انها غربة حقيقية يعيشها الفرد عندما يعجز عن التفاهم مع عالمه الخارجي كالأخرس أو الاعمى الذي يفقد بعض الادراكات الحسية ولكن بشكل اسوء لأنه فقدان لإدراكات حدسية.

فالهروب من الحاضر والعيش الارادي في (جيتو) منغلق يؤدي إلى انحسار الثقافة وتحوصلها وتحجرها وقد تموت، ولكن هذا التقوقع في العصور السابقة كان ممكنا ولكن في عصر المعلومات الاثيرية والعولمة الجانحة والمعلوماتية الواسعة تعجز الحصون عن صد هذه الهجمات ولكن بعد انهيار الحصون ينفرط العقد وتسقط القيم لتذوب في بوتقة الغازي، وتتحول العزلة إلى عزلة نفسية هي اقرب منها إلى المرض والموت.

ثانيا: عدم فهم التطورات والمتغيرات المحيطة بنا

العالم يعيش بصورة متصاعدة، تغيرات متسارعة ومتصاعدة في مكوناته الحضارية والثقافية نتيجة للثورة التقنية والمعلوماتية التي أنتجت نماذج فريدة في تشكيل العالم يصعب اللحاق بها أو فهمها. ومع وجود الشك في الآخر وعدم التواصل معه يصبح من العسير التجانس مع التغيرات والتطورات، وهذا يقود لوجود تأثيرات سلبية متزايدة لأننا سنكون تحت قبضة عالم متنام لا نعرف ماذا يجري حوله. فالأمية السياسية والاقتصادية والثقافية تزداد اتساعا في مجتمعاتنا عندما نجهل ابسط قواعد الاتصال والحوار، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فان التطور الحتمي الذي يلحق في البنية التحتية لمجتمعاتنا خصوصا مع بروز الأجيال الحديثة التي نمت في رحم العولمة يجعل الأمر اكثر صعوبة بفقداننا للتواصل الداخلي وعدم وجود لغة حوار منفتح تقودنا نحو التجانس والتنسيق والعمل المشترك مع ان الحقيقة هي سيطرة لغة التصادم والقطيعة والحوار من طرف واحد.

ومع عدم القدرة على استيعاب المتغيرات الحتمية التي تهب علينا نصبح اسرى لمسيرة القدر وقوة سلطان الآخرين.

ثالثا: الانحراف وتراكم الأفكار السلبية

لقد اثبتت إفرازات الواقع ان اغلب الانحرافات العقائدية والاخلاقية تنشأ في الأجواء المنغلقة والاستبدادية، لان عدم وجود التواصل المستمر يلغي حركة الحوار والتخاطب البناء في المجتمع مما يساهم في ترسيخ الأفكار السلبية ونمو الأفكار الضالة التي تنشأ في الأذهان لشبهات بسيطة لم تجد جوابا ونقاشا من الآخرين. لذلك نرى الكثير من المجتمعات المنعزلة تصبح مرتعا للانحراف بعد ان فقدت التواصل مع عالمها الخارجي وحتى فقدت التواصل في قواعدها الداخلية. والشباب معرض في عالم اليوم إلى ان يستقي أفكاراً منحرفة من الغير ان لم توجد هناك أسس لتواصل وحوار داخلي وخارجي يمنهج عملية الاتصال بصورة منطقية وعقلانية، لذلك نشأت في بلادنا الكثير من الحركات العنيفة والأحزاب الغريبة نتيجة لعدم وجود هذا التواصل المنهجي. وقد يتحول الامر إلى عزف منفرد عندما يحاول ان يتواصل مع العالم الخارجي دون الداخلي فيذوب في ذلك العالم وينصهر فيه.

رابعا: تسلط الجمود والركود وموت الابداع والفاعلية

بالتنافس يحيى الإنسان ويتحرك ويبدع وينمو، فاغلب الحضارات والإبداعات ظهرت عندما واجهت تحديات وتواصلت بشكل إيجابي مع الآخرين لان إبداع الآخر يستثير ويحرك روح التنافس. والتواصل الفكري يؤدي إلى وجود أفكار جديدة عبر التفاعل والتكامل والتضاد، فلا يمكن تحقيق عمل إبداعي ما لم يكون في إطار تفهم لإبداع الآخرين. والآية القرآنية قد تؤدي هذا المعنى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات) المائدة48.

وعندما تواجه إبداعات الغير مواجهة استنكارية فهذا يقود إلى قتل الإبداع في داخلي لأنه بنكراني لإبداع الآخر اقتل روح التنافس في فكري وروحي اذ ان: الرفض هو نتيجة تحجر وتقوقع وعجز عن التمثل أو التفاعل الخلاق وليس رفضا واعيا لديه القدرة على طرح البديل فالثقافة المتحجرة تستهلك طاقتها في إعادة إنتاج ذاتها كما هي والانغلاق ضد المؤثرات الخارجية.

ان العزلة ستقود حتما إلى فناء الفرد واضمحلال المجتمع واكثر المنعزلين قد واجهوا هذا المصير لان روح الإبداع والخلق والإنتاج قد ماتت فيهم، ففي رفض الآخر رفضا مطلقا دعوة إلى مخاصمة كل الثقافات المعاصرة والاستهانة بها والاستدبار عن التعرف العلمي والموضوعي للثقافات الحية، وفي هذا النهج خروج من العصر والحياة إلى الموت الحضاري التدريجي بينما المطلوب ان نعيش عصرنا وان نكون فاعلين فيه ومتفهمين له وكلها أمور لا تتحقق بغير التعامل مع الآخرين.

خامسا: فناء الجماعات

ان النتيجة الأساسية لموت الإبداع والتفاعل هو فناء الجماعات المنغلقة، لأنها بانغلاقها تفتقد مقومات البقاء والاستمرارية اذ تكون قادرة على الاستمرار عندما تضخ باستمرار بالأفكار والرؤى والانتاجات التي تنبع من خلال الاتصال بالآخرين والتفاعل معهم، وحينئذ فإنها تستنزف أفرادها وتخسر كفاءتها الذين يتوقون نحو التواجد الإنساني الفاعل بالحيوية والنمو والتقدم. فالجماعة الحقيقية القابلة للاستمرار والقادرة على الفعل والابتكار لأجيال طويلة هي التي تستجيب للمتطلبات الحقيقية للواقع ولا تغرق في أوهامها الزائفة حيث ان الجماعة المتعصبة المتربصة بالآخرين عن إحساس بالضعف والفقر أو توهم كاذب بالعلو والمجد قد تكون بسبب إرهابها وعصبيتها عالية الصوت في هذا العصر ولكنها لابد ان تخمد وتموت بعد ذلك، لذلك نرى ان التراث الإيجابي الذي خلفته الحضارة الإسلامية لازال يرفد الأمة بالحيوية والمثل والقيم، اما الصيحات الفارغة للبعض كالخوارج مثلا وغيرهم فقد اندثرت إلا ما بقي منها كأمثولة يستدل بها على جهلهم وسطحيتهم.

فالجماعات الفانية هي الجماعات التي تحرّم الحوار على افرادها وتعتبره دنسا، وهي التي تكفرّ الآخرين وتخرجهم عن الدين، وهي التي تنصب حول كيانها وأفرادها سورا حديديا يعزلها بشكل مطلق عن العالم الخارجي، وهي تتصور انها تمتلك الحقيقة المطلقة حيث لاشيء ابعد من ذلك، وهي التي تستخدم العنف لضرب خصومها وتطويع أفرادها... فهل هناك استمرار لهكذا وجود..؟

سادسا: سلطان العنف

العنف هو الذي يستخدمه البعض عندما لا يستطيع ان يستجيب لمتطلبات التواصل والحوار، فعندما يعجز الفرد عن إقامة التفاهم والاتصال الموضوعي مع الآخرين يلجأ للعنف لإثبات وجوده وفرض قيمه اذ ان استخدام العنف في غير موقعه يبين ضعف الفرد أو الجماعة في التواصل والاندماج بشكل سليم في المجتمعات البشرية وفقدان القدرة التفاعلية على الحوار والتفاهم والتكامل.

ان التواصل يهدف إلى إقامة أسس الحوار والتعايش وإنهاء العنف من الصراعات الدائمة، وبعبارة أخرى فان التواصل لا يلغي الصراع والاختلاف الذي هو حقيقة ثابتة ولكنه يقوده نحو التدويل السلمي والاعتراف المتبادل بالحقوق والأعراف.

سابعا: تمحض الفردية وجموحها

أحد سلبيات الانقطاع عن الآخرين هو الجموح المطلق نحو الذات وإيجاد محورية تعتمد على الذات فقط وإنكار المجتمع والاستغناء عن الآخرين وهذا هو الذي يؤدي إلى نشوء الاستبداد والفردية المحضة. بينما الحقيقة الاجتماعية تفترض ان يندمج الفرد مع المجتمع ويتعايش معه مع الحفاظ على استقلاليته الفردية في إطار اجتماعي عام يقوم على الحوار والتبادل والتكامل وقد قال ارسطو سابقا: ان الفرد الذي يعيش الاكتفاء الذاتي المطلق إما وحش أو إله. وربما فان فقدان القدرة على التفاهم مع الآخرين يؤكد أوهام الفرد في تفوقه المطلق ويوحي له باستعلائه وأحقيته.

واذا كانت الدكتاتورية هي من أهم المشاكل المستعصية في بلادنا فان تعميق روح التواصل والتعايش والحوار يمكن ان يمهد إلى وجود أجواء ديمقراطية حرة تؤول نحو الاستقرار والأمن وتأد الصراعات العنيفة المدمرة، لأنها تؤسس روحا جماعية تعاونية.

* مقتطف من مقال منشور في مجلة النبأ-العدد -47-ربيع الثاني 1421/تموز2000، تحت عنوان: التواصل مع الآخر لتأصيل منهجية التعايش

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1