السؤال الذي يطرحه هذا المقال، موجَّه الى المعنيين من النخب التي تُسهم بصورة فعلية في قيادة كوكب الأرض حاضرا ومستقبلا، ويأتي في المقدمة منهم، صنّاع القرار السياسي، والمفكرون، والعلماء، والمثقفون، والدعاة بمختلف مشاربهم، وجميع النخب التي تقع عليها مسؤولية صناعة عالم متوازن، ينطوي على نسبة مقبولة من العدالة والمساواة، أما المبررات أو الدواعي التي تدفع لطرح سؤال كهذا، فهي كثيرة، أهمها وأوضحها، أن عالمنا اليوم لم يعد حاضنة للعدالة والرحمة، ولم يعد مكانا يتبارى فيه الفقراء والأغنياء بشرف، ولم يعد أيضا ساحة عادلة للتنافس بين الأسوياء، أذكياءً كانوا أم أقل مواهب وقدرات.

بمعنى أننا اليوم نقف ازاء نوع جديد من الظلم والغبن، يتمثل بحرمان الأغلبية من سكان العالم من حقهم في العيش الكريم، فهؤلاء الفقراء تنطبق عليهم اليوم معظم بنود حقوق الانسان العالمي، التي تحرّم إلحاق الأذى بسكان الارض، كونهم غير قادرين على الظفر بفرص شريفة لصنع حياة شخصية او مجتمعية لهم، على الرغم من قدراتهم الكبيرة (وفرة المواهب، الذكاء، حسن التدبير، حسن الادارة....الخ)، علما أن ظاهرة تكريس الثروات والاموال الطائلة لدى شركات وافراد، لا تزال مستمرة الى الان، فالعالم الغربي ومعه امريكا، يستحوذون على النسبة الاكثر والأكبر من ثروات العالم، حتى تلك التي تقع خارج بلدانهم، بمعنى هناك بلدان افريقية وآسيوية لا تزال تعاني من الفقر على الرغم من امتلاكها للثروات الهائلة، والسبب أن أغنياء العالم (الشركات العملاقة، والمافيات السياسية العالمية) هم من يستحوذ على هذه الثروات وليس الشعوب او الدول التي تملكها، والتاريخ المنظور يبيّن هذا بوضوح في صفحاته التي تدوّن الحقب الاستعمارية، وما قام به المستعمرون من استيلاء لا مشروع على خيرات الفقراء.

كل هذا وسواه من الحقائق الدامغة، تدل على أن الاسباب التي تقف وراء اضطراب العالم، هو غياب العدل، وتأجيج حالات الصدام، والتخطيط المسبق لإثارة الفتن والاضطرابات في الدول الفقيرة، من لدن الدول الغنية (وشركاتها) والمؤسسات المخابراتية والاستخبارية التي تشتغل عندها، وهكذا ينشغل فقراء العالم بالفتن والاحتراب فيما بينهم، بينما يحصد الغربيون واغنياء العالم الأقلية، نتائج صراعات وصدامات الفقراء فيما بينهم، وهي غالبا ما تكون من صنع الاغنياء بعد التخطيط لها وتغذيتها بما يلزم من وقود لتأجيجها.

ولكن ينسى هؤلاء الذين يسيطرون على كنوز العالم وثرواته، أن الإفقار له عواقب وخيمة، وانه سيكون سببا في تحويل العالم الى ساحة للانتقام كما يجري الآن فعلا، واذا كان هؤلاء قد خططوا لعزل الارهاب والتطرف والفتن ونتائجها عن دولهم ومجتمعاتهم، فإن ما يحدث اليوم على مدار الساعة يؤكد أنهم لم يعودوا بمعزل عن نتائج الإفقار، وان مجتمعاتهم وشعوبهم وأراضيهم، اصبحت اليوم ساحة واسعة ومفتوحة، يتحرك فيها الانتقام والتطرف والارهاب الذي ساعدوا على صناعته بقصد الاستيلاء على ثروات العالم عبر قرون وقرون!. يقول مهاتير محمد قبل رحيله، في احد خطاباته بماليزيا عام2004 : (إن الإرهاب ليس كالحرب التقليدية، لا يمكن للأسلحة المعقدة ولا الرؤوس النووية أن تهزم الإرهاب، فالهجمات الإرهابية هي نوع جديد من الحرب، إنها حرب الضعفاء ضد الأقوياء، فطالما يوجد هذا الفارق الهائل بين القوي والضعيف في القدرة على القتل. لا بد أن تحدث هجمات إرهابية ردا على أنواع القهر التي يذيقها القوي للضعيف).

كذلك لا يمكن أن ينسى فقراء الارض تلك الحروب التي كان يشنها عليهم الأغنياء الاقوياء، ومن بينها الحملات الاستعمارية الكبرى، وتجارة الرقيق في افريقيا، ونهب ثرواتها فضلا عما قاموا به في آسيا ايضا، من حروب استعمارية شعواء، أسهمت في إفقارهم وتأخرهم في العلم والتكنولوجيا وغيرها من الميادين العلمية والإنتاجية، إن الحرب التقليدية ليست بأكثر من إرهاب معطى شرعية، وإن المقتولين أكثرهم عزّلاً وليسوا مقاتلين، كما انهم ضحايا إرهاب القنابل والصواريخ، ولأن الحرب التقليدية ترهب الناس فيجب أن يتم وضعها في الحقيبة نفسها كأعمال إرهابية تطال فقراء العالم.

ولا شك أن القسم الفقير من العالم وهو الأكبر قياسا للقسم الغني منه، حاول أن يغيّر دفة الاوضاع، وحاول الفقراء من خلال اساليب ليست عسكرية، تغيير سياسة الاغنياء تجاههم، وكثيرا ما حاولوا ودعوا لتوقّف وكف الاغنياء عن تكريس اموال العالم في ايدي قلة قليلة من سكان الارض (شركات عملاقة يملكها افراد)، وهذا ما تثبته الوقائع الكثيرة، ففي الوقت الذي يموت مئات الآلاف من الافارقة جوعا كل سنة، هناك امرأة اوربية تتركا إرثاً لكلبتها يقدّر بمليارات الدولارات!!، لذلك يرى البعض ان من أهم الأسباب التي تجعل شخصا او مجموعة ما تلجأ الى استخدام القوة هو عدم استطاعة هذا الشخص أو هذه المجموعة من إحداث تغيير بوسائل مشروعة، كانت اقتصادية أو عن طريق الاحتجاج أو الاعتراض أو المطالبة والمناشدة بإحلال تغيير في النتائج التي تلحق افدح الاضرار بالفقراء.

من هنا يرى المعنيون من قادة النخب في العالم أجمع، أن إعادة العدل والمساواة وردم الفجوة الطبقية بين سكان الارض، سيكون لها تأثيرها الكبير في استقرار المعمورة وتطورها، فضلا عن إحلال السلام بين ربوعها، وتحول حالات النزاع الى حالات احتواء بالتنافس الايجابي، وهذا ليس بالمحال اذا ما توافرت الارادة الحكيمة والعاقلة لدى أغنياء العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0