ليس من يكتب بالقلم كمن يخط دهاليز الحب بدمع الانتظار، فالإنتظار الذي يخلقه اليأس ليس كالإنتظار الذي يولد من تلابيب الصبر! شتان بين هذا وذاك.

بحروفي الصماء أحاول رسم فضاءٍ في مجرة، اريد ان أتجاوز الطبيعة الكونية، أودّ لو اخترق الغلاف الأرضي، فالقوة الكامنة في ضمير الوجود تأبى ان تصمت! إذ أن الدقة الإلهية في تصوير خلق السموات والارض إعجاز رباني يقودنا إلى سؤال: (ما هو سبب خلق الانسان؟)، والجواب دونما تردد هو (ان المخلوق خلق من اجل عبادة الخالق). هذا السؤال يقودنا الى منعطفِ سؤال آخر وهو: (كيف للبشرية ان تبقى دونما قائد او خليفة؟). إذ ان الله سبحانه وتعالى لم يترك الارض والإنسان دون إمامٍ او قائد فقد أنزل العديد من الرسل والأنبياء عددهم يقارب (١٢٤٠٠٠) والهدف من هذا الرقم الكبير هو إثبات بأن الله أجل وأعظم من أن يترك الارض بغير إمام، فالشيء المتفق عليه حاليا هو أن الارض لا يمكن أن تخلوا من حجة، إذا، من هو حجتنا في القرن الواحد والعشرين؟ وأين هو الآن؟!.

بالرجوع الى العقائد والوصايا التي طرحها الرسول الأعظم وآلِ بيته الاطهار نجد فكرة إنتظار المهدي (وهو الامام الثاني عشر ابن الامام حسن العسكري من صلب ابي عبد الله الحسين شهيد كربلاء وحفيد الرسول الكريم) والذي يعتبر حجة الله في الارض وخليفته ومنقذ البشرية، الذي سيملأ الارض عدلا وقسطا بظهوره الطاهر...اذ ان ظهوره امر لابد من حدوثه مهما طالت فترة الغيبة، ففكرة إنتظار المهدي من أقوى العقائد التي أوصى الرسول بتعزيزها لدى الناس وأنها لا تزال صامدة رغم محاولات الطمس والتزييف والاستهانة والتسخيف التي مارستها ولاتزال تمارسها بعض التيارات السياسية والدينية، فهناك الكثير يحاولون إنكار وجود المهدي او ظهوره، او يتهم اصل الفكرة المهدوية بأنها لأُناس مهووسين مرضى، كما حاول ابن خلدون ومحمد إقبال، إذ ان الكثير منهم حاول دفن هذه الفكرة العظيمة وإنكار هذه الحقيقة الإلهية، وقد وصل أعداد المنكرين إلى مئات الملايين، بل أكثر من ذلك، فلا داعي للإستغراب من هول الأعداد، فإن مقرهم جهنم وبئس المصير إذ يقول الامام علي (ع): (لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه)، كما أن جميع الأديان السماوية تقر بالفكرة المهدوية وتزعم بوجود الدلائل والآيات التي تشير الى المنقذ الذي سيظهر بعد غيبة طويلة لينشر الخير ويملأ الارض عدلا بعد ما تمتلئ جورا وظلما.

والمعروف عن الامام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بأنه يشع نورا ليس كمثله نور له تأثير على القلوب والابصار وباعث على الطمأنينة والاستقرار والسكينة، فقد قال الرسول محمد (ص): (المهدي طاووس أهل الجنة.. وجهه كالقمر الدري عليه جلابيب النور)، كما انه سيشحن النفوس بتلك الطاقة النورانية لتكتمل بها عقولهم. وقد يسأل البعض اذا كان كذلك فلماذا اذا يكفر به بعض الناس او ينكرونه مع ما يشاهدون منه؟.

والجواب هو (انعدام السجية بينهم وبين الامام، فانهم لا يَرَوْن النور ولا يتأثرون به ابدا، لوجود المانع في قلوبهم إذ ان على قلوبهم غشاوة ولأنهم أسدلوا الحجب على أنفسهم، فقد كان بعض المسلمين يشاهدون النور يسطع من وجه الرسول بينما لا يرى طغاة قريش أي شيء من ذلك النور)!.

كما أن البعض يريدك أن تغفل عن ذكر المهدي (عج) او يريدك ان تتصور بشكل خاطف ولا يدعك تتأمل شيئا عن جوهرية موضوع الغيبة والانتظار وهذه محاولة خبيثة لإنتزاع حب محمد وآله من صميم قلبك، ليجعلوا اليأس يستوطن دواخلك وتهمل وظيفة الانتظار الذي يعتبر هو المسلك الوحيد لأبواب الفرج الالهي والنجاة من ظلمات الدنيا، فقد تقاعسنا حتى عن توهين الباطل، بل داهنا وتملقنا الظالمين، وهذا هو السبب الأساسي لتيه الأمة، اذ يقول قسيم الجنة والنار علي بن أبي طالب: (إعلموا أن الأرض لا تخلوا من حجة الله ولكن الله سيعمي خلقه منها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم).

نلاحظ كيف أن علق سبب الغيبة على ظلم الناس وإسرافهم وزهدهم في الدين، بل لاحظ لفظة (سيعمي) فإن نتيجة إبتعاد الأمة عن الدين أنها ستصاب بالعمى اي عمى القلب والعقل والمعرفة،إذ لابد من العلم والمعرفة والإحساس والقيام بالمسؤولية تجاه الامام (عج).

ومسؤوليتنا في زمن الغيبة تتمثل بالإصلاح والإنتظار النافع، بأن تطبق علينا الأسس الصحيحة للمذهب الشيعي الإثنى عشري، اذ يقول الامام حسن العسكري (ع): (إن شيعتنا الذين يتبعوننا ويطيعون جميع اوامرنا ونواهينا، ومن خالفنا في الكثير مما فرضه الله عليه فليسوا من شيعتنا، إنما هم من موالينا ومحبينا).

فنرى أن الامام يقر قاعدة وفق العدل الالهي وهي أن الذين يطيعون الأئمة في تعاليمهم هم الشيعة وإلا فأنهم موالون دون الشيعة في الدرجة وهل تدري معنى هذا؟؟.

معناه عندما تكون موالي إنك غير مؤهل للخروج مع الأمام المهدي (عج) إذ لا يخرج معه إلا من محض الإيمان محضا!. فهل نحن حقا شيعة.. وهل نحن مهيئين للعمل في حكومة المهدي الجليلة؟؟.

سأترك جواب هذا السؤال يسرح بين خلجات أنفسنا، فكل ما أستطيع أن أبوح به الآن: هو أن الروح عطشى.. فقد غلبها صوم الحنين، وأشواقنا تصرخ، كغريق يلتمس رائحة يدٍ تمتد اليه من حافات الحياة، فمتى تهل علينا بظهورك المبجل من كعبة العشق يا مولاي وأنت ترتل آية (بقيت الله خير لكم إن كُنتُم مؤمنين)،

فبراكين الشوق لا تنطفئ إلاّ بأنهار اللقاء الكوثرية....

فلبيك .... لبيك، يا داعي الله.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0