في عصر الظهور، سوف يختلف العالم عما هو عليه الآن، وسوف تكون درجة الاختلاف كليّة، أي أن الأسود سكون أبيض، والظلام ضياء، والجوع شبع، والفقر غنى، والضعف قوة، والرذيلة فضيلة، والشر سيكون خيرا، كل هذا سوف يحدث في عصر ظهور الامام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، ونستدل على ذلك من روايات عديدة لأئمة اهل البيت عليهم السلام، كلها تؤكد على انتشار السلم والسلام والرفاهية والعدالة والوئام في العالم.

نحن نعيش في عالم مضطرب اليوم، عالم مشوش ومخيف، يوجد في من الظلم الكثير والكبير، يتنوّع فيه الانحراف، ويستأسد فيه الانتهازيون، فيسوسون الناس بما لا يقبل الله ولا رسوله (ص) ولا أئمة أهل البيت (ع)، إنهم ساسة أنانيون، يَظلمون كما يشاؤون، لا رادع لهم، ولا ضمير، (وإذا لم تستحِ فافعلْ ما شئت)، هكذا هم حكامنا اليوم، وأعني في العالمين الاسلامي والعربي، أنظمة سياسية لا تعرف ما هو العدل، تعمّق الجهل، ولا يعنيها العلم بشيء.

ومع الجهل ينتشر الخراب، يضرب أسس الأخلاق في المجتمع، ويقوّض أركان الدولة، ويشل حركة الحكومة والعناصر الادارية التشغيلية الداعمة لها، فتمضي الدولة نحو حافة الانهيار، ويتجسد ذلك من علامات الفقر المنتشرة في الشوارع، كل ما تراه أعيننا يؤكد الفقر، ويشير الى غياب العدالة، ويجسد اللصوصية السياسية والمالية، أحياء سكنية عشوائية (حواسم)، لا خدمات فيها، تسكنها مئات الآلاف من العائلات، بكهرباء شحيحة وماء غير نقي وقليل، ونفايات باتت تتراكم فوق بعضها كما التلال العالية.

وحينما تمطر السماء، خير المطر يتحول الى وبال على الفقراء، سقوف البيوت غير محكمة فتدخل الامطار الى فراش الاطفال وهم نائمين،يحلمون بسقف محكم لا يتمكن ماء الامطار من اختراقه، في الصباح يذهبون الى المدارس حفاة بسبب الطين وامواج المياه التي تغطي الشوارع لأن خدعة شبكة المجاري لا تزال قائمة حيث تم صرف عشرات المليارات على المجاري (الكاذبة المزيفة) هي واصحابها ومقاوليها والمسؤولين عنها.

كثير من الاطفال وحتى الكبار قتلتهم الكهرباء على الرغم من قلتها، حتى أسلاك المولدات المتهرئة تساهم بقتل الاطفال، طفل تخوض قدماه في الوحل يحاول ان يبعد السلك الكهرباء الذي يعيق سيره في الطريق، فيتحول الى جثة هامدة متفحمة، وقد يقتل معه اخرين يتقربون منه او يلمسونه، هذا مشهد واحد من عشرات المشاهد تجري يوميا في الاحياء السكنية التي تسمى (الحواسم)، الأموال المخصصة لهم تمت سرقتها بطرق وخدع كثيرة، فالمسؤولون بارعون في طرق وسبل الاستحواذ على اموال الشعب ونهبها.

إنهم لا يتذكرون حكومة الامام علي (ع)، قبل 1400 كان يحكم دولة تعادل (50) دولة من دول اليوم، أول اجراء برع به الامام (ع) العدالة والمساواة، فقام بتوزيع بيت المال على المسلمين والمواطنين بالتساوي، لا فرق بين انسان وآخر، لا على أساس انتماء او قرابة او مكانة سياسية واجتماعية وعسكرية، فالعامل يأخذ مثل حصة القائد العسكري، وهذا ما دفع (الطبقة الظالمة) الى الاعتراض على قرار الامام علي بتوزيع أموال الشعب بالتساوي.

لقطات من الظلم لا تحصى، وحوادث من التجاوز يشيب لها الرأس، كلها تحدث في زمن أنظمة سياسية تدّعى الانتماء الى الاسلام، ومنها من يعلن أنه سائر على خط أهل البيت (ع)، ولكن هم أبعد ما يكونوا عن سلوك أئمة أهل البيت وأفكارهم ومبادئهم، في حفظ الاقوال والروايات الشريفة بارعون وجيدون، ولكنهم في تطبيقها فاشلون وعاجزون، لأنهم أنانيون ولا يعرفون سوى مصالحهم، هم على استعداد دائم للقتال حتى الموت من اجل مصالحهم.

هذا السوء الهائل يحاصر الناس، وخاصة الطبقة الفقيرة، فلا يكون أمامهم سوى الأحلام، انهم يحلمون بحكومة عادلة، وحاكم يعيد لهم كرامتهم، حاكم يجسد عدل الامام علي (ع) ومساواته ومبادئه في إحقاق الحق ورفع الحيف ومحاسبة الولاة، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) انه طبق هذا المنهج في حكومته، فكان يراقب الولاة والعمّال، ويمعن في محاسبتهم، فإذا بدرت من أحدهم خيانة بادر إلى عزله، ومصادرة ما اختلسه من الأموال، وقد بلغه عن بعض عمّاله أنّه استأثر ببعض أموال المسلمين فكتب إليه : (أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك، وعصيت إمامك ...، بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب الناس./ نهج البلاغة).

ألا يتعظ ساسة اليوم الذين يدَّعون أنهم سائرون على مبادئ الامام على (ع)، ألا يتعظون ويغترفون من هذه السيرة العظيمة؟؟، إنه لأمر غريب وعجيب أن تعلن حبك لعلي وتخالفه في السلوك، وهذا بالضبط ما يقوم به بعض قادتنا الاسلاميين اليوم، فساهم هذا السلوك الشائن بانتشار الفقر والشر بدلا من الرفاهية والخير.

لم يبقَ أمام الناس سوى انتظار الامام الحجة (عجل الله فرجه الشريف)، هو المنقذ والمخلص، وهو ناشر العدل والقسط في ربوع الأرض، هو الذي يعيد الكرامة الى الفقراء بعد الذل الذي تجرّعوه على أيدي جلاوزة السلطة وعَبَدَة المال والجاه والأمجاد الفارغة، هو (ع) معيد الحق لأهله، وناشر المساواة، وهم القائد والأب الحاني على الجميع، لا فرق لديهم بين انسان وآخر، الكل عاد الله، متساوون في الاسلام والانسانية، لذلك في عصر الامام الحجة (عجل الله فرجه الشريف) تغيب مظاهر الفقر، حتى لم تعد هناك حاجة للخمس بحسب الروايات الشريفة لأئمتنا الأطهار (ع).

فمن علامات عصر ظهور المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، كما يقول الامام الباقر عليه السلام: (فلا يبقى في الارض خراب إلا عُمّر). وفي رواية أخرى أيضا عن الإمام الباقر، عليه السلام: (حتى لا ترى محتاجاً إلى الزكاة).

وحينما تبلغ امور المسلمين هذا المبلغ، وهذا المستوى، وهذه الدرجة، من الغنى، وانتفاء الفقر، وعدم الحاجة، فهذا يعني أن حكومة الامام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)، هي الحكومة العادلة التي يحلم بها الفقراء، بل ينتظرها فقراء العالم وليس المسلمين وحدهم، حكومة بشرنا بها أئمة أهل البيت (ع) في مجمل الروايات الشريفة التي ظهرت منهم حول العدل والمساواة والرفاهية وحِفظ الحقوق والحريات، حيث المعادلة المعروفة تبقى شاخصة، فكلما ازداد الحرمان والقهر السياسي على ايدي الحكام والسلطة الحاكمة، يزداد تشبث الناس بقدوم وظهور الحكومة العادلة التي تملأ الارض قسطا وعدلا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0