بعد وقوع الكارثة المدوية في كربلاء، وإراقة دماء الامام الحسين، عليه السلام، وابنائه واصحابه، وما جرى على أهل بيته من بعده، بات المسلمون في حالة حيرة قاتلة من أمرهم، ربما تكون استثنائية في التاريخ، أو اول حالة ضياع يمرون بها منذ فجر الاسلام، فابن بنت نبيهم قتل في كربلاء وتعامل معه النظام الأموي على أنهم "خوارج" وطبقوا عليهم كل الأحكام المتعقلة بالخاسر، مثل رفع الرؤوس فوق الرماح، وسبي النساء والنهب وغيرها. حتى النداءات والكلمات التي أطلقها الامام الحسين، واصحابه يوم عاشوراء، كانت حبيسة المؤرخين، ولم يسمع بها أهل المدينة ولا الغالبية العظمى من أهل الكوفة وسائر الامصار، وبكلمة؛ كانت الامة تحت سطوة الحكم الأموي، لا تجد امامها سوى القبول بالامر الواقع. مثلاً؛ القسوة والغلظة والدموية التي فعلت ما فعلت في كربلاء، لم تواجه الادانة في تلك الفترة. كل ذلك وغيره من الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية، جعلت الدور الرسالي والحضاري للإمام زين العابدين، عليه السلام، يتخذ منحى جديداً في قيادة الامة، تميّز بالهدوء والسكينة، مباشرةً بعد عاصفة النهضة والشهادة. فكان الدعاء والبكاء.

تقويم النفوس وإحياء الضمائر

اذا كان الامام الحسين، عليه السلام، قد انطلق في نهضته ضد الانحراف في الحكم، فان ابنه الامام السجاد، عليه السلام، انطلق في نهضته ايضاً ضد الانحراف الذي انزلق فيه المحكومون، وهم جموع ابناء الامة. فقد اراد الامام الحسين، عليه السلام، من خلال نهضته المدوية ضد الحكم الأموي، تقديم النموذج المتكامل والصحيح لنظام الحكم على سيرة أبيه أمير المؤمنين، وجده رسول الله، والوقوف بوجه الانحراف الذي أوجده الأمويون في الدين والامة. فالقضية ليست سياسية بالمرة، إنما هي بناء حضاري متكامل. وهذا تحديداً ما يفسّر المنهج الذي التزمه الامام السجّاد، عليه السلام، في المدينة المنورة، فقد عمل على إزالة العوامل المسببة للهزيمة النفسية والخذلان من نفوس الامة، وانتشالها من مستنقع الخنوع والقبول بالأمر الواقع، ثم بث روح الأمل بالتغيير والاصلاح.

فكيف يكون ذلك؟

هل بالدعوة الى العمل الصالح والاخلاق الحسنة وتجنب المحرمات والابتعاد عن المعاصي، وترغيب الناس بالجنة وترهيبهم بالنار...؟!

ربما يكون نوعاً من الاسلوب الدعوي والتبليغي المفيد في ظروف معينة والى حدٍ ما، ولا غبار عليه من حيث المبدأ، بيد أننا امام مهمة خطيرة وتاريخية، وهي إصلاح مسار الامة؛ فكرياً وثقافياً وسياسياً. لذا نجد الامام السجّاد، عليه السلام، يتقدم هذه النهضة الإصلاحية بنفسه، وينطلق في العبادة والتهجّد لله – تعالى- ويجعل ذلك المنهج الاساس في حياته، ومن ذلك عُرف في التاريخ بأنه "سيد الساجدين" و"زين العابدين"، لانه، عليه السلام، عرف جذر المشكلة التي سببت ذلك الانحراف، ألا وهي "ضعف الايمان"، لذا جاءت الروايات عن المعصومين، عليهم السلام، عن عبادته المميزة وطول سجوده وتهجده لتطلق رسائل مدويّة الى النفوس والقلوب علّها تؤوب الى رشدها، ويحيي فيها روح الايمان التي ضاعت في خضم المعايشة مع النظام الأموي، وكانت النتيجة، صناعة جيش من المرتزقة والعملاء، وشرذمة من وعاظ السلاطين الذين قلبوا الموازين الاخلاقية وغيروا المفاهيم الانسانية وشوهوا حقائق الدين بشكل غير مسبوق.

لنقرأ ما يرويه الامام الباقر، عليه السلام، عن أبيه، وهو يراه مداوم على العبادة والتبتل والتهجّد ليل نهار، دون كلل ولا تعب. فسأله عن سبب هذه الصلاة...؟! فاجابه قائلاً: "اصلي لربي لعل ربي يحبني".

وهل يشك الامام زين العابدين، عليه السلام، بحب الله – تعالى- له، وهو سليل الإمامة والنبوة؟ أم يريد ان ينقل الرسالة الى عامة الامة ليكتشفوا الطريق الذي ينقذهم من المستنقع الذي يتخبطون فيه. فمن إعطاء البيعة لشخص مثل يزيد، ليكون "خليفة" للمسلمين، والرضوخ أمام تهديدات ابن زياد، ومروراً بالاندفاع الى ساحة الحرب مع سبط رسول الله، ثم السكوت المطبق على كل ذلك، الى التمرين – إن صح التعبير - على عقد الصلة والارتباط بالسماء، وإحياء الايمان بالله – تعالى- وليس بقوة المال والسيف التي فرضها الحكم الأموي.

وعندما يتحدث الامام عن حب الله للإنسان، فانه يقدم على ذلك الدليل القاطع للناس، فان أهل مكة، ضربهم ذات مرة جفاف شديد، وعانوا شحة الامطار حتى اشتد بالناس العطش، فوقف يدعو الله – تعالى- ان يمطر على أهل مكة، ثم سجد وقال بما يسمعه الكثير: "يا سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث ان كنت تحب علي بن الحسين، فامطر عليهم". تقول الرواية: "ما ان استتم كلامه حتى أتاهم الغيث كأفواه القرب"!

وهذا ما جعل الامام السجّاد، عليه السلام، ذا منزلة عظيمة في نفوس المسلمين طيلة حياته الشريفة، فقد كانت تلك الرسائل الروحانية والمضيئة تنفذ الى قلوبهم، حتى جعلتهم يميزون بينه وبين الحاكم السياسي، فيعظمونه ويتجاهلون هذا الحاكم، كما حصل في أواخر ايام حياته في عهد هشام بن عبد الملك، عندما أراد الاخير استلام الحجر الاسود في موسم الحج، فلم يفلح لزحمة الحجيج، ولم تشفع له شرطته وجلاوزته من ايجاد فجوة بين الجموع، بينما يسجل التاريخ ذلك الموقف، حيث انشق الناس سماطين لدى قدوم الامام السجاد، عليه السلام، فتوجه بكل سهولة الى الحجر وقبله، وكان ما كان من غضب الحاكم الأموي والرد الصاعق من الشاعر المعروف الفرزدق وميميته الشهيرة.

الصحيفة السجادية "زبور آل محمد"

ربما يتصور البعض أن الدعاء، من حيث الظاهر، وسيلة العاجز والمضطر عندما تعييه الحيل، ويكون عاجزاً عن تحقيق مرداه في ظروف قاهرة، وهذا ما نلاحظه في زماننا الحاضر، بينما هي بالحقيقة في منهج الامام السجاد، عليه السلام، شيء آخر تماماً، وهو المعروف بإدامته على الدعاء والمناجاة. علماً أن الحديث عن الدعاء، كمفهوم وقيمة دينية مقدسة، يحتاج الى بحث طويل، لسنا بوارد الخوض فيه، إلا ما نبغيه من سيرة حياة إمامنا السجاد، عليه السلام، الذي تميّز عن سائر الأئمة بهذا التوجه، حتى انه قدم للأمة سفرٌ عظيم من الادعية والمناجاة، جُمع فيما بعد تحت عنوان "الصحيفة السجادية".

إن الادعية والمناجاة التي قدمها الامام السجاد، عليه السلام، تميّزت عن سائر الادعية الواردة عن المعصومين، عليهم السلام، بانها كونت منظومة فكرية وتربوية وعقائدية متكاملة للأمة، وربما يمكننا القول؛ أن الامة، ومنذ عهد الامام السجاد، وما بعده، لم يهدأ لها بال مع أية حكومة أموية كانت أو عباسية إلا وانقلبت عليه كالأسد الثائر، وهذا واضح من الثورات والانتفاضات التي عمّت الامصار، ابتداءً من ثورة التوابين ومروراً بثورة المختار ثم ثورة زيد بن الامام السجاد، عليه السلام، ثم الثورات المتلاحقة. وكلها تنشد الاصلاح وتغيير الواقع الفاسد، وتظهر التبرّم من الظلم والطغيان والانحراف.

وبالامكان الاشارة الى بعض هذه المميزات التي جعلت الصحيفة السجادية حقاً "زبور آل محمد":

أولاً: إنها تمثل التجرد التام من عالم المادة، والانقطاع الكامل إلى الله –تعالى- والاعتصام به، وهو أثمن ما في الحياة، ولنستمع إلى ما قاله الإمام في ذلك: "اللهم إني أخلصت بانقطاعي إليك، وأقبلت بكلي عليك، وصرفت وجهي عمن يحتاج إلى رفدك، وقلبت مسألتي عمن لم يستغن عن فضلك، ورأيت أن طلب المحتاج سفه من رأيه، وضلة من عقله، فكم قد رأيت يا إلهي من أناس طلبوا العز بغيرك فذلوا، وراموا الثروة من سواك فافتقروا وحاولوا الارتفاع فاتضعوا...".

ثانياً: إنها فتحت أبواب الأمل والرجاء برحمة الله، بعد حالة اليأس والاحباط التي عمّت النفوس في ظل ظروف قاهرة، يقول الإمام، عليه السلام، في بعض أدعيته: "إلهي وعزتك وجلالك، لئن طالبتني بذنوبي لأطالبنك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنك بكرمك...".

ثالثاً: وضعت أدعية الصحيفة السجادية منهجاً تربوياً راقياً للغاية، محبباً الى النفوس، يعالج مسائل اخلاقية وسلوكية، تخلّص الإنسان من ازمات ومشاكل فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس. فهي ترسم الآداب والسلوك القويم، وتحدد أصول الفضائل الاخلاقية والصفات الانسانية. ومن أدعيته قوله: عليه السلام: "اللهم صل على محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال، اللهم وفر بلطفك نيتي، وصحح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد مني. اللهم صل على محمد وآله، واكفني ما يشغلني الاهتمام به، واستعملني بما تسألني غداً عنه، واستفرغ أيامي فيما خلقتني له، وأغنني، وأوسع علي في رزقك، ولا تفتني بالبطر، وأعزني، ولا تبتلني بالكبر، وعبدني لك، ولا تفسد عبادتي بالعجب، وأجر للناس على يدي الخير، ولا تمحق بالمن، وهب لي معالي الأخلاق واعصمني من الفخر...".

وهناك نقاط وأمثلة يطول بنا المقام في ذكرها، لكن نرجو ان حصل المطلوب والمبتغى من السيرة العطرة للإمام زين العابدين، عليه السلام، والتي نستخلص منها في الخاتمة، بأنها كانت حقاً؛ نهضة روحية عارمة أشعلها في كوامن النفوس لإحياء الضمائر و دفائن العقول، ليعرف المسلمون كيف كانوا وما الذي فعلوه، وما هي مسؤوليتهم وكيف يجب ان يكونوا في المستقبل، ونرجو ان نكون نحن ايضاً في هذه البرهة الزمنية ممن يستفيد من هذه الاشعاعات المضيئة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0