إسلاميات - اهل البيت

المؤاخاة وصنع الحياة

تحتاج صناعة الحياة مقومات وعوامل مساعدة، كي ينجح الانسان في بنائها، ولعل طريقة التفكير والسلوك الفردي والجمعي، هي التي تسهم بصورة او أخرى بتحديد مزايا ومساوئ حياتنا، وأمر بديهي كلما كانت القيم الجيدة هي المعيار الحاكم في علاقاتنا مع بعضنا، كلما كانت حياتنا أفضل وأكثر استقرارا وتطورا، علما أن المقومات الأساسية لصناعة الحياة، هي صاحبة الدور الأهم في جعلها متميزة ممتلئة أو خاوية وبليدة وناقصة!.

الإخاء يعد من أهم المقومات التي تصنع حياة ناجحة للفرد والمجتمع، وهي كلمة توحي الى الأخوة والتآخي وعلاقة الأخ بأخيه، إذ تتحدد قيم كثيرة، ونتائج أكثر على طبيعة العلاقة بين الأخوان، ولا نخطئ أو نبالغ عندما نقول أن طبيعة حياتنا تعتمد بصورة كبيرة على علاقة الإخاء، لدرجة أننا يمكن من خلال هذه المفردة، أن نصنع حياة جيدة، ويمكن أن نفشل في ذلك في حالة حدوث العكس.

وهذا يعتمد أيضا على الأخوان أنفسهم، وطبيعة العلاقات القائمة فيما بينهم، وهي حتما تكون مختلفة من أخ الى آخر ومن جماعة الى أخرى، تبعا لمنظومة القيم والثقافة والاعراف والدين والتقاليد والاخلاق وما شابه، لذلك قدمت الأديان والأنبياء وأئمة أهل البيت، وكثير من المفكرين ورجال الدين والفلاسفة، مواعظ ونصائح تؤكد الاهتمام بالمؤاخاة لصناعة حياة أفضل.

ولكن يبقى الأخ (الكائن أو الإنسان) محكوما بالتركيبة التكوينية له، فضلا عن البيئة، والرغائب والأهواء التي قد يضعف ازاءها الانسان في أية لحظة، ما يعني انهيارا أمام الملذات، وشروعا في الانحراف، وتدميرا لقيمة الإخاء، لدرجة قد يكون الأخ عدوا لأخيه، أو حاسدا له، وهنا سوف تفشل المجتمعات بصناعة حياة متناسقة ومنسجمة، كون قيمة الاخاء تتراجع، وفي حالة العكس، فإن حياة المجتمع ستكون نموذجية.

وعن طبيعة الاخوان وأنواعهم وطرق تعاملهم مع بعضهم، فقد حدد الإمام الحسين عليه السلام أنواع الأخوان بأربعة، حتى يفهم الناس أهمية الإخاء في صنع حياة الاستقرار والتطور والإبداع، وحتى يمكنهم تجنب أنواع الإخاء التي تقف حجر عثرة في طريق بناء الحياة المثلى، وهذا دليل على أن الفكر الحسيني تصدى لجميع القضايا التي تهم الناس، وتساعدهم على تحسين حياتهم، وبنائها بصورة أفضل.

الأخوان أربعة

فقد جاء في كتاب (تحف العقول): (قال الامام الحسين -ع-، الاخوان اربعة: فأخ لك وله. وأخ لك. وأخ عليك. وأخ لا لك ولا له، فسئل عن معنى ذلك؟ فقال -ع-: الأخ الذي هو لك وله فهو الأخ الذي يطلب بإخائه بقاء الإخاء، ولا يطلب بإخائه موت الإخاء، فهذا لك وله لأنه اذا تم الإخاء طابت حياتهما جميعا واذا دخل الإخاء في حال التناقض بطل جميعا.

والأخ الذي هو لك فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع الى حال الرغبة فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الإخاء فهذا موفر عليك بكليته. والأخ الذي هو عليك فهو الأخ الذي يتربص بك الدوائر ويغشي السرائر ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد فعليه لعنة الواحد. والأخ الذي لا لك ولا له فهو الذي قد ملأه الله حمقا فأبعده سحقاً فتراه يؤثر نفسه عليك(.

ونستطيع من قول الامام (ع) في الإخاء، أن نقدّر مدى أهمية اسلوب الإخاء وتأثيره في حياتنا، ولعلنا جربنا أنواع الإخوان الذين قسم الامام أنواعهم الى أربعة، ولا شك أن أكثر خطرا وإساءة هو الأخ (لا لك ولا له)، بمعنى أنه بسلوكه الخاطئ سوف يبث الشر في طريقة تعامله معك ويسيء لك ولنفسه، وفي الحقيقة هذا هو أخطر الاخوان، وهو بمثابة الفأس الذي يهشم مقومات الحياة كافة، ويصبح مشكلة كأداء لأخيه وللمجتمع عموما.

وهذا النوع كما يصفه الإمام (ع): (والأخ الذي لا لك ولا له فهو الذي قد ملأه الله حمقا فأبعده سحقاً فتراه يؤثر نفسه عليك)، بمعنى أنه أحمق بل بالغ الحمق، ولهذا لا يتردد قيد أنملة من تفضيل نفسه على أخيه، طلبا لمادة او جاه او منصب او أية مصلحة من أي نوع كان، وهذا السلوك ينشر الأنانية في المجتمع فتدمر حياة الناس من دون تمييز.

وهناك أخ عليك، كما يصفه الامام الحسين (ع)، وهذا لا يشكل خطرا على نفسه، فهو يعرف من أين تؤكَل الكتف كما يقال، وهذا النوع من الاخوان يكون ضد أخيه لصالح نفسه، فيدمر الحياة أيضا، ولا يسهم في بنائها مهما حاول أو صرّح بذلك، وهو في هذه الحالة ضد الحياة، وضد بنائها بالطريقة السليمة، كما أن هذا النوع من الاخوان لا يتورع عن إلحاق الأذى بأخيه.

فهو يتربص بأخيه كما يؤكد ذلك الامام (ع) عندما يقول عنه: (والأخ الذي هو عليك فهو الأخ الذي يتربص بك الدوائر ويغشي السرائر ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد فعليه لعنة الواحد).

أما الأخ الذي (لك وله) بمعنى يؤاخيك وفق مقاييس الأخوّة الصادقة، وفي نفس الوقت يكون مع نفسه ويعمل لصالحها، وهذا هو الأخ الحق الذي يسهم بصورة كبيرة في صنع حياة قويمة وسليمة ومتطورة ومستقرة في وقت واحد، اذ يصفه الامام الحسين (ع) بقوله: (والأخ الذي هو لك فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع الى حال الرغبة فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الإخاء).

نشر الإخاء مهمة ممكنة

مما تم التطرّق إليه، والخوض فيه، لاسيما في تقسيم الامام الحسين (ع) الاخوان الى انواع أربعة، ومن ثم تفسيره لهم بصورة واضحة وبالغة الدقة، يتضح لنا أن الأخوّة تقع في صلب الفكر الحسيني، هذا الفكر الذي قدم رؤية دقيقة عن الإخاء، وفصّل هذه الرؤية، ووضع النقاط على حروفها بدقة متناهية بخصوص هذا المقوّم الحيوي لصنع الحياة.

لذلك يدعونا الفكر الحسيني الخلاق، بعد التقسيم الواضح، والتفسير الدقيق للإخوان، الى أهمية اعتماد مقوّم الإخاء في صنع الحياة، مع ملاحظة من يكون عليك وعلى نفسه من الإخوان، فمثل هؤلاء يشكلون خطرا على أنفسهم وعلى اخوانهم، وبالتالي على البيئة الاجتماعية التي ينتمون لها وينشطون فيها، الأمر الذي يستدعي متابعة حثيثة ومعالجات دائمة لتنقية المجتمع من مخاطرهم عبر طرق وسبل عديدة منها:

- مضاعفة أعداد الإخوان من النوع الأفضل وفق تقسيم الامام (ع) للإخوان وهو الأخ الذي (لك وله)، أي الذي يفيدك بقدر ما يفيد نفسه، ولا يفضلها عليك.

- تطويق حالة (الأخ الذي عليك)، فهذا النوع من الاخوان يعده الفكر الحسيني خطرا على نفسه واخوانه والمجتمع لذا وجب وقفه عند حده.

- قيام الجهات ذات العلاقة الدينية والتربوية والثقافية، والمنظمات المعنية بتطوير المجتمع، بدورها النشيط المتواصل في نشر ثقافة الإخاء بين الجميع.

- توجد مؤسسات خيرية كثيرة وكبيرة متخصصة في هذا المجال، يقع على عاتقها إقامة الندوات الكبيرة لتوضيح معنى الاخاء وفقا لما جاء في الفكر الحسيني الخلاق.

- ولا شك أن انواع العلاقات الاخرى بين الناس لا تغني عن علاقة الإخاء، كالصداقة وعلاقات المصالح والعمل وما شابه.

- وعندما ركّز الفكر الحسيني على دور الإخاء في صناعة الحياة وتطوير المجتمع، فهذا يعني أهمية هذه العلاقة الانسانية، وقدرتها على تنقية الاجواء الاجتماعية.

- وأخيرا يمكن للمعنيين بالقيام بحملات تثقيفية متواصلة، تفتح آفاق الفهم الأفضل للمجتمع، لما تعنيه (علاقة الإخاء) في الفكر الحسيني، وكيف يمكن استثمارها لصناعة حياة تليق بالمسلمين ومكانتهم التاريخية في الرحلة البشرية الطويلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0