إسلاميات - اهل البيت

عقلنة المجتمعات وسبل احتواء التوحش

مفاتيح النهضة والتقدم في نهج الإمام علي عليه السلام (11)

في بحثنا عن مفاتيح التقدم والنهضة واستكشاف السلام والتآلف الإنساني في نهج الإمام علي (عليه السلام)، يشكل التعامل مع الناس واحدا من أسس نجاح الأشخاص والقادة المتصدّين للعمل الاجتماعي، وكلما اكتشف الإنسان مهارات التعامل مع الناس، وأجاد استعمالها، حقق لنفسه ولمجتمعه النجاح والتقدم، لذا فإن تتبع هذا الفن عند الامام علي (عليه السلام)، يقدم لنا قواعد رصينة وأمينة يمكن أن نسير في هداها لتحقيق الغايات الدنيوية والأخروية باطمئنان وأمان.

ومن هنا تناولنا مفهوم الإنسان الاجتماعي في منهجيته (عليه السلام)، والجوانب الاجتماعية في هذه المنهجية، للوصول الى فهم ملامح المجتمعات التي تخرج من عالم الإنسان الاجتماعي.

فالإنسان الاجتماعي يمثل غاية في خلق الإنسان لبناء التكامل الإنسان من خلال الاحتكاك والتواصل الاجتماعي، وعندما نراجع كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، وتوصياتهم، ومواعظهم، تجد كمّا كبيرا هائلا من الإرشادات التي توجه حول التواصل والتسامح الاجتماعي.

ومنها فن المعاشرة، المداراة، الحلم، الاحترام، المسؤولية، العفو، كظم الغيظ، وهي قيم تؤسس لبناء الإنسان الاجتماعي، لأنه به يمكن حصد الخير والاستقرار والسلام والتسالم في المجتمع، ولكن عندما يترك الإنسان هذا المبدأ ويترك القيم التي تحيط به وتؤدي به إلى التفاعل والتعاون الاجتماعي، سوف يصبح غير مستأنس بالآخرين، ويدخل في عالم التوحش.

ومن الأمور التي استكشفنا منها مفهوم المجتمعات المتوحشة:

الأول: المجتمعات الوهمية، الفارغة من القيم الإنسانية، حيث يزداد فيها التباعد والتنافر والصراع.

الثاني: العلاقات الاجتماعية المادية التي تقوم على المصالح فقط.

الثالث: الاستغراب الاجتماعي وعدم اندماج الفرد في المجتمع، وافتقاد الروابط الإنسانية والمعنوية.

الرابع: المجتمعات العشوائية التي تفتقد للمناهج في التربية والتعليم والتوجيه والإصلاح.

الخامس: المجتمعات العنيفة العدائية المتوترة المشحونة بالصراعات.

السادس: المجتمعات الغرائزية التي لا تعرف التعقّل وتسيطر عليها الأهواء وتتحكم فيها الغرائز.

السابع: المجتمعات التدميرية التي يتم فيها تفكيك القيم، عبر الشمولية والانصهار تحقيقا لمصالح خاصة، أو أيديولوجيات خاصة تهتم أو تستفرد بعملية الهيمنة على الآخرين، وهذه المجتمعات التدميرية التي تدمر نفسها بنفسها تنقض وتستأصل القيم الأخلاقية والإنسانية الصالحة.

وعندما تستأصل القيم والأعراف الإنسانية الصالحة، سوف تقع في شبكة القيم الفاسدة، أو القيم والسلوكيات المتوحشة وتبتعد عن مهارات التواصل والمعاشرة والمداراة، فتفقد بالنتيجة التفاهم والتعايش مع الآخرين.

التدرّج في بناء الحرية

المجتمعات التدميرية نلاحظها في جانبين: الجانب الاجتماعي المحلي، وهي تلك المجتمعات التي لا تصبر على بناء ذاتها، وبناء التراكم الاجتماعي والقيم الصالحة، فتنقض باستمرار نفسها بنفسها، فمجتمعات الحرية مثلا تقوم على البناء المنهجي تدريجيا عبر التربية المستدامة على ثقافة الحرية، وهذا النوع من التربية خصوصا في مجتمعات كانت تعيش الاستعباد والاستبداد، عملية صعبة جدا، حيث تحتاج إلى حالة صبر وبطء وتدرّج في عملية التثقيف، ولابد أن تكون هناك توعية مستمرة مع استقامة واعية حتى تستوطن ثقافة الحرية في داخل نفس الإنسان وافراد المجتمع.

ولكن في المجتمعات التي كانت تعيش الاستبداد وتبعت به فإنها تحاول أن تنقض الحرية لأنها تعتقد أن الاستبداد هو الذي يعطي القوة في الهيمنة والسيطرة والغلبة على الآخرين، وأن الاستبداد هو الذي يحقق الأمن والاستقرار والانضباط، لكن هذا الأمر خاطئ جدا.

السبب في نقض الحرية هو عدم الصبر على بناء القيم، فالتربية عملية بطيئة النمو بشكل عام، فكل السلوكيات والقيم الصالحة تحتاج إلى صبر، منذ نعومة أظفار الطفل، الذي يحتاج إلى تربية متواصلة منهجية وفق استراتيجية بعيدة المدى، فيصل إلى عملية قطف الثمار، ويتحول إلى إنسان صالح.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ)، فلا تستعجل في عملية نقض السنن الصالحة، عليك أن تصبر حتى تنمو ببطء، فهذه السنن الصالحة تحتاج إلى حماية وتنمية وتربية وعملية صناعة مستمرة.

مساوئ حصد الثمار سريعا

هذا هو جانب المجتمعات المحلية التي تستعجل عملية حصد الثمار السريعة، وبالنتيجة هي تنقض السنن الصالحة باستمرار، وهذا من عناصر التخلف المؤثرة جدا، فالنهضة عملية تحتاج إلى وعي وفهم وتعلم وتعليم في بناء السنن الصالحة، وإلا عندما تنقض السنن الصالحة وتذهب إلى سلوكيات أخرى، فإن النتيجة يصبح المجتمع مجتمعا تدميريا لنفسه ولذاته.

اما في جانب المجتمعات العالمية فإن مجتمعات الحداثة أو تحديث المجتمعات، تحديثا ماديا، بداعي التجديد، فإنه يتم نقض السنن الصالحة، وتدمير القيم الأخلاقية والإنسانية، بداعي التقدم والتطوير، ولذلك تبرز مظاهر مادية ضخمة وسلوكيات متغوّلة تفرّغ الانسان من محتواه المعنوي الحقيقي.

إذا كان ابنك متربّيا على تربية صالحة، فلا داعي أن تغذيه بأفكار سيئة، ومناهج سيئة، وسلوكيات سيئة، وتنقض السنن الجيدة، فسوف يخرج من عالم الإنسانية ويتحول إلى عالم التوحش، في حين أن عالم الإنسانية هو الذي يصنع الألفة والسلام، وعالم السنن الصالحة المتراكمة هو الذي يؤدي إلى الألفة والسلام والإنسانية.

(ولا تنقض سنة صالحة) بل لابد من رعاية هذه السنن الجيدة، على سبيل المثال حالة الكرم واحترام الضيف، هذه من السنن الصالحة، لكن تحوّل الإنسان نحو المادية، وانعزاله عن المجتمع يجعله منعزلا عن الآخرين، فتتحول وتتضاءل هذه السنة الصالحة.

فلابد من التمسك بالسنن الصالحة والقيم الجيدة، لكي يتحقق التقارب الاجتماعي، مثلا صلة الرحم أو مداراة الجيران، أو الأخوّة التي تطرقنا لها سابقا، هذه كلها قيم صالحة لابد من رعايتها حتى تجعل المجتمع إنسانيا، وتجعل الإنسان اجتماعيا، فالسنن الصالحة هي التي تربي المجتمع، أو تعطي المجتمع نضجا تشاركيا سليما يقوده نحو النهضة والتقدم.

لماذا تضمحلّ المجتمعات؟

الثامن: المجتمعات المتفككة والمنشطرة، وهذه من مظاهر المجتمعات المتوحشة، فهي تعيش الصراعات، والصراعات هي وحشية دائما، تؤدي إلى تدمير الإنسان والمجتمع، وإلى الانحرافات، وتؤدي إلى اضمحلال المجتمع وتدمير كل مقومات العيش الصحيح والسليم، لأن الصراعات والحروب خاسرة دائما، ولا يمكن لأي طرف أن يربح، الكل فيها خاسرون.

إن الصراعات الموجودة في حياتنا تدمر عملية البناء الصحيح، وتعود بالإنسان إلى الخلف دائما. فعن الإمام علي (عليه السلام): (وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالزَّيْغِ وَالشِّقَاقِ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلَالَةِ وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ). الكفر في مقابل الإيمان، ومقابل الشكر، والإنسان غير الشكور لنعم الله هو كافر بالنعمة، فهي الحالة المضادة للإيمان والشكر لله سبحانه وتعالى، والمضادة للتقوى.

وهي مضادة لكل عوامل الخير التي تخلق من الإنسان إنسانا متسالما اجتماعيا، فالكفر قائم على أربع دعائم، على التعمّق والتنازع والزيغ والشقاق، فالتعمق في قضايا الدين وغيره موجود في الإنسان الذي يريد أن يعرف كل شيء، ويتعمق في أشياء خارج الحدود التي وضعها القرآن الكريم ورسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأهل البيت (عليهم السلام).

وهذه محاولة لفهم أشياء خارج حدود قدرات الإنسان وادراكه، لذلك يسمى الإيغال أو التعمّق، فيحاول أن يحفر كثيرا، وهؤلاء الذين يحفرون كثيرا لا يصلون إلى شيء دائما، حتى في علم الاجتماع الحديث تُسمى بـ حفريات المعرفة، وفي علم النفس، يحفرون في أعماق اللاوعي الإنساني، وكل هذه بالنتيجة علوم لا توصل إلى النتائج المطلوبة، لأنهم يذهبون إلى أمور خارج حدودهم وقدراتهم المعرفية.

التعمق الفلسفي

التعمّق في العقائد عملة خاطئة مثل هؤلاء الذين يدخلون في عالم الفلسفة، فيحاولون أن يتفلسفوا في قضايا الوجود، ولكن هؤلاء لا يصلون إلى شيء لأنهم يتعمقون خارج إدراكهم، ويؤدي هذا بالنتيجة إلى انحرافهم عن الحق، وخلق قضايا وأفكار منحرفة غير متجانسة مع الواقع. فعنه (صلى الله عليه وآله): (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع، ولا ظهرا أبقى).

إن الإيمان بالله وبالدين الإسلامي ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)، يقوم على الالتزام بتوجيهاتهم، والإيمان بالعقائد إيمانا إجماليا، مثال على ذلك، أننا نعرف أن الله سبحانه وتعالى هو واحد، لأن لكل معلول علّة، وكل مسبب له سبب، هذا يسمى الاعتقاد الإجمالي الذي يجب يفعله الإنسان، وإذا أراد أن يتعمق أكثر، فإنه قد يدخل في عالم من التيه والضبابية والضلال.

لذلك فإن هذه الفلسفة التي تتعمق في عالم الوجود كثيرا تنحرف، وتصل إلى طريق مسدود، لأنه خارج إدراكهم، فمن تعمّق لم ينب إلى الحق، أي أنه لم يصل إلى الحق ولم يرجع إليه.

الدعامة الثانية من دعامات الكفر (ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه) فالنزاع دائما لا يعبّر عن معرفة، وإنما يعبر عن جهل، فالإنسان الجاهل هو الذي يدخل في النزاعات، حتى لو كان عالما فهو جاهل لأنه دخل في نزاع، فإذا أردت أن تعرف أن هذا الإنسان عالم أم جاهل، أعرفه من خلال هل يدخل في نزاعات أم لا؟

هناك الجدل المريض الذي لا يقبل بالمحاججة العقلانية، وإنما هو محاولة لإثبات الذات، من دون أن تكون هناك موضوعية للعلم، ومن يدخل في الجدل لإثبات الذات، ويعاند على الفكرة التي يؤمن بها، فسوف يتحول الأمر إلى نزاع، وهذا نوع من أنواع الجهل، لذلك فهو (دام عماه) أي أنه يصبح أعمى البصيرة والفهم، خصوصا عندما يتخذ النزاع والجدل منحا تصاعديا.

التعقّل يمنع النزاعات

أما الإنسان الحكيم الواعي الفاهم فلا يدخل في النزاعات لأن الحكمة تمنعه، والتعقّل يمنعه من الدخول في النزاعات وكذلك علمه يمنعه عن ذلك. الحوار والتفاهم هو الطريق الصحيح، وإذا تحول الحوار إلى نزاع أو جدال، فيجب أن يتجنبه ويبتعد عنه.

(ومن زاغ) بمعنى انحرف، فالتعمق والنزاع يؤدي بالنتيجة إلى الانحراف، وقد تكون هناك أسباب ثانية للانحراف، (ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة) أي أن الموازين تنقلب عنده، فتصبح الحسنة سيئة والسيئة حسنة، وهذا موجود في المجتمعات التدميرية التي تدمّر الحسنات، وتدمر الخير والحق، وتتخذ الباطل والسيئات والشرور سبيلا.

فالإنسان عندما تصبح عنده الحسنة سيئة، والسيئة حسنة، يصبح متوحشا، لأنه يخرج عن قواعد الإنسان الاجتماعي، وهو الإنسان المداري، المتفاهم، الحليم، الرحيم، الليّن، فهذه هي القواعد الجيدة التي تدخل في عملية بناء التسالم والألفة.

(وسكر سكر الضلالة) وهذا يعني أنه زاغ ودخل في عالم الضلالة التي هي عبارة عن وهم كبير، وهذه من المصائب التي يقع فيها هذا الإنسان، إذ يصبح مثل السكران الذي لا يفهم كل شيء، وهو أسوأ من الأعمى.

متى تضيع طرق الحياة؟

(ومن شاقّ) بمعنى حين يدخل الإنسان في عالم الشقاق وعملية الصراع، فتجده منشقّا بشكل دائم عن الآخرين، منشقا، منفردا، خارج عملية التفاعل والتعامل الاجتماعي (وعرت عليه طرقه) فتصبح طرق الحياة غير معبدة له، ويعيش معيشة ضنكا وصعبة، لأنه يتصور إذا دخل في عالم الانفراد لوحده، يستطيع أن يدير حياته بسهولة، وهذا أمر خاطئ، لأن الإنسان الاجتماعي هو الذي يستطيع أن يتعامل مع المجتمع بشكل مرن ومتوازن، فتكون طرقهُ معبّدة، فيستطيع أن يعيش حياته بشكل صحيح (اهدِنا الصراط المستقيم).

(وأعضل عليه أمره وضاق عليه مخرجه) فالنتيجة أن الإنسان غير الاجتماعي تجده في مشكلات دائمة، ويمكن أن نلاحظ هذا الأمر في عالم اليوم، فإذا أردتَ أن تحلل مفهوم الأزمات التي نعيشها اليوم، سواء كانت أزمات مادية أو بيئية أو اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، تربوية، فكلها أزمات نابعة من التوحش الذي يصيب الإنسان للأسباب التي ذكرناه.

لأن هذا الإنسان بالنتيجة يعمل لنفسه ومصالحه وأفكاره الخاصة، ولا يعترف بالآخرين ولا يحترمهم ولا يتعايش معهم، لذا لا يستطيع أن يعيش معهم، الإنسان هو كائن اجتماعي، وهو حالة اجتماعية وبناء اجتماعي، يتكامل مع الآخرين، ويحيى ويتعايش معهم.

التوحّش بالفساد والافساد

التاسع: المجتمعات الفاسدة والمنحرفة، وهي من علامات التوحش، وهذه المجتمعات تذهب دائما نحو الطغيان، ونحو تدمير المجتمعات، بسبب ضخها للقيم الفاسدة، وتلبسها بالثقافة الدكتاتورية وتشبعها بسلوكيات الإجرام، والاستئثار بالسلطة والمال، هذه هي علامات المجتمع المنحرف، وكل هذا هو توحّش، وخروج عن البناء الاجتماعي المتسالم.

في قول للإمام علي (عليه السلام) لأبي ذر، وهو كلام طويل ولكن نذكر مقطعا منه حول قضية أن الإنسان الذي يعيش الحق يعيش اجتماعيا أنيسا، أما الإنسان الفاسد المنحرف فيعيش متوحشا، بالتالي تلاحظ أن حاله حال الذئب، لكن الذئب لا يُحاسب لأنه يعيش بغريزته، لكن هذا الذئب المنفرد والغاطس في الفساد والضلال والانحراف يوجد عنده عقل، وفكر، وضمير، ولكن رغم كل هذا يعيش الفساد والانحراف فيكون وحشا كاسرا أسوأ من الوحوش التي تعيش في الطبيعة.

يقول الإمام (عليه السلام) لأبي ذر: (وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ)، فالحق هو الذي يبني الإنسان الاجتماعي والباطل يخلق الإنسان المتوحش، لذلك إذا أراد الإنسان أن يعيش حياة اجتماعية سليمة، وخصوصا القادة والمربين والمعلمين، لابد أن يعلموا أتباعهم وتلاميذهم على إتباع الحق، لأن اتباع الحق هو الذي يجعل من الإنسان اجتماعيا، ويخرجُهُ من دائرة التوحش.

كيف تُصنَع المجتمعات المستأنِسة؟

المجتمعات المتوحشة، نجدها في أشكال مختلفة، عبر وسائل الإعلام، أو الأسواق والشوارع، يمكنك أن ترى التوحش، وهذا التوحش الذي يظهر يعني أننا نفتقد لتلك القيم التي نحتاجها لكي نكون مجتمعا متسالما.

إننا لم نعمل على ترسيخ تلك القيم، ولم نشتغل على تحقيق هذا الهدف في حياتنا، تلك القيم هي مجموع مركّب من بناء قائم على مجموعة قضايا تؤدي إلى نتيجة معينة، ولكن فكر التوحش وسلوكياته الذي يكون في داخل الإنسان وفي أفكاره يؤدي به إلى طريق ظلامي ومن ثم العيش في مجتمعات فوضوية همجية.

هناك عناصر مهمة جدا في بناء الإنسان الاجتماعي حتى نستطيع أن نحقق توليفة صالحة في حياتنا:

أولا: بناء التآلف بناءً شاملا في المناهج وفي التربية، وفي التعليم وفي بناء السلوكيات والتأكيد عليها، في المنابر وفي المدارس والجامعات والحوزات، بناء التآلف صناعة قائمة على منهجية مستدامة، تتمحور حول قيم التقارب، ونبذ قيم التباعد، وهذه نقطة مهمة جدا، أن نستأصل الكراهية ونؤسس إلى ثقافة التقارب والقبول بالرأي الآخر، وإيجاد حالة من التقارب فيما بيننا، ونبذ العنف الذي قد يؤدي إلى حالة من الانفصال والتباعد والتنازع.

عقلنة العلاقات الاجتماعية

ثانيا: العلاقات الاجتماعية العقلانية التي تعتمد على غايات أساسية، ومصالح بعيدة المدى، ولا تعتمد على مصالح آنية مادية، المصالح العقلانية هي تخرج كل أفكار الأنانية والاستفراد ومحاولة الحصول على الأرباح السريعة والطمع، وتذهب نحو عقلنة العلاقات الاجتماعية، والعقلنة في غايات أساسية نحو المستقبل، وهذه العقلانية هي التي تؤسس لمجتمع صحيح، فتبتعد عن الجهل والتطرف والتشدّد والتنازع والتصارع.

العلاقات المعنوية

ثالثا: العلاقات الاجتماعية المعنوية التي تؤدي إلى نمو الإنسان الاجتماعي، بالتقارب المعنوي بين القلوب، من خلال ارتقاء قيم العطاء والتضحية والإيثار عند الإنسان، هذه تجعل حالة الترابط بين البشر قوية، وليست علاقات مصلحية آنية، تنتهي بانتهاء المصلحة، بل هناك إيثار وتفانٍ وهناك تضحية وعطاء مستمر يجعل العوامل المعنوية طاغية ومهيمنة على المجتمع، فيجعل الإنسان الاجتماعي قويا.

إن قوة الإنسان الاجتماعي تنبع من إيثاره وتضحيته وعطائه، أما عندما يفتقد الإنسان الإيثار والتضحية والعطاء، سوف تظهر القيم السيئة، مثل الحسد، التصارع، التخمة، الطمع، التجبر، الفساد، كل هذه الأسباب تؤدي إلى صعود المجتمع المتوحش وهيمنته.

رابعا: أولويات التسالم والمصالحة، تؤدي إلى بناء الإنسان الاجتماعي، السلم أولا وأخير (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) البقرة 208، الدخول للعالم والمجتمع من بوابة السلم، ونبذ النزاعات والحروب.

الإنصاف ميزان العدالة

خامسا: وهي من أهم النقاط لأنها تجمع كل النقاط أعلاه، وهذه النقطة الإنصاف وهو سلوك مطلق لتحقيق الإنسان الاجتماعي، من خلال العدالة والالتزام والتوافق والثقة والاستقرار، وعندما لا يكون الإنصاف موجودا في المجتمع، فلا تكون فيه عدالة، ولا يكون فيه ثقة، بل تظهر فيه كل عوامل النزاع والصراع والتنابذ والتباعد والعنف.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (الإنصاف يألف القلوب) وعنه (عليه السلام): (الإنصاف يرفع الخلاف، ويوجب الايتلاف)، لأن الإنصاف هو حالة عملية لتحقيق العدالة، وهو العدل العملي، وهو إنصاف الناس من نفسك، فكما أنت تأخذ حق نفسك، لابد أن تعطي الحق لغيرك، وإذا أخذت حق غيرك فإنك ستأخذ حق نفسك، هذه معادلة مهمة جدا، فالإنسان يكون رابحا دائما في عملية الإنصاف.

وحين تصبح حالة الإنصاف ثقافة عامة في المجتمع، يعيش الإنسان مستقرا، ويحمي حقوقه كما تكون حقوقه محمية، وقمة الإنصاف أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، فعن الإمام علي (عليه السلام): (بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ).

وعنه (عليه السلام) أيضا: (أنصف الناس من أنصف من نفسه من غير حاكم عليه)، أي أنها عملية تنبع من داخله ومن ذاته، ومن دون أي ضغوط خارجية، وهذا انبثاق لكل الخير وانبثاق لكل العدالة في المجتمع.

وعنه (عليه السلام): (لم يتصف بالمروءة من لم يرع ذمة أوليائه، وينصف أعداءه)، الأولياء هم الذين يعيشون معه ويتشاركون في مصائرهم، وهي مسؤولية متبادَلة فيما بين الناس، ويُنصف أعداءه، أي حتى الأعداء لابد أن تنصفهم، وحين تنصف عدوك سوف يثق بك، ويحبك وينزع كل عوامل الخلاف والصراع والتنازع.

هذه هي الدبلوماسية التي نحتاجها، وهي الدبلوماسية الحقيقية الصادقة، وليس الدبلوماسية الكاذبة المعتمدة على الكذب والخيانة والغاية تبرر الوسيلة، وهذه كلها أمور خاطئة لا يقبلها الإمام علي، فحتى عدوك تستطيع أن تجعله صديقا لك إذا كنت منصفا له.

التواصل يرمم جسور التسالم

سادسا: التواصل يرمم جسور التسالم، والجفاء يفسد الإخاء، ويؤدي إلى النزاع، أما التواصل فانه يؤدي إلى بناء الإنسان الاجتماعي، فالتواصل هو المبدأ الأساس في عملية بناء المجتمع الصالح، وأن يبدأ من الإنسان نفسه.

فعن الإمام علي (عليه السلام): (وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ)، بمعنى أن الإنصاف يؤدي إلى التواصل، والتواصل يؤدي إلى الإنصاف أيضا.

وعنه (عليه السلام): (الجفاء يفسد الإخاء) وكل هذه العناصر التي ذكرناها من الأخوَّة إلى الإنصاف إلى التواصل تؤدي إلى بناء الإنسان الاجتماعي.

وعنه (عليه السلام): (احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ وعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ والْمُقَارَبَةِ وعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ وعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ وعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ وعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ).

المتوحش لا كرامة له

سابعا واخيرا: الوحدة الاجتماعية، وهي أهم نقطة في بناء الإنسان الاجتماعي، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران 103. هذه الآية الكريمة تلخّص كل البحث الذي بحثناه حول الإنسان الاجتماعي.

وهناك حديث للإمام علي (عليه السلام) يتكلم فيه عن كيف كان المجتمع موحدا في الإنسانية والاستئناس يعيش الكرامة والعزة والانتصار، وكيف أصبح مجتمعا متصدّعا منشقا متنازعا متوحشا يغرق في الذل والهزيمة والتخلف، فعنه (عليه السلام): (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةً وَالْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً والْعَزَائِمُ وَاحِدَةً أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ، فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَتَشَتَّتَتِ الْأُلْفَةُ وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالْأَفْئِدَةُ وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ وَقَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ وسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ).

هذه الكلمات المفتاحية تلخص أن كيف يكون الإنسان الاجتماعي، وكيف يكون الإنسان المتوحش، والنتيجة ان المتوحش لا كرامة له.

* سلسلة حوارات تبث على قناة المرجعية تحت عنوان (جواهر الأفكار)

اضف تعليق