في كل عام تحديدا في الثامن من شوال تتجدد المطالبات الشعبية بضرورة اعادة مقبرة البقيع الواقعة بالقرب من المسجد النبوي في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، وهي إحدى أهم مقابر المسلمين التاريخية التي تضم رفات الألاف من المسلمين الأوائل، منهم اهل بيت النبي (ص) وأعمامه وأولاد عمومته، وزوجاته، وأحفاده، وغيرهم من الصحابة المقربين، من المهاجرين والأنصار.

بدأت أزمة مقبرة البقيع عندما قررت السلطات الحاكمة يومذاك هدم قُباب بعض مقابر الصحابة وأحفاد النبي (ص) مرة في عام 1806، وأخرى عام 1926، بحسب المصادر التاريخية، ومازالت الأزمة مستمرة.

يجمع الباحثون أن هدم الاضرحة والقبور والاثار والمشاهد التاريخية هو نهج حديث يعود إلى الحركة الوهابية، وهي الحركة التي ينتسب إليها معظم السلفيين المتطرفين. والسلفية الوهابية أو الوهابية مصطلح أطلق على حركة متشددة قامت في منطقة نجد وسط شبه الجزيرة العربية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، الموافق للثامن عشر الميلادي على يد محمد بن عبد الوهاب (1792- 1703) ومحمد بن سعود حيث تحالفا لنشر الدعوة السلفية.

يعتقد الوهابيون على خلاف جمهور المسلمين أن زيارة وتعظيم قبور الأنبياء وأئمة أهل البيت عبادة لأصحاب هذه القبور وشرك بالله يستحق معظمها القتل وإهدار الدم!. ولم يتحفظ الوهابيون في تبيان آرائهم، بل شرعوا بتطبيقها على الجمهور الأعظم من المسلمين بقوة الحديد والنار.. وكانت المدينتان المقدستان (مكة والمدينة) ولكثرة ما بهما من آثار دينية، من أكثر المدن تعرضا لهذه المحنة العصيبة، التي أدمت قلوب المسلمين وقطعتهم عن تراثهم وماضيهم التليد. وكان من ذلك هدم البقيع الغرقد بما فيه من قباب طاهرة. فأصبح البقيع وذلك المزار المهيب قاعا صفصفا لا تكاد تعرف بوجود قبر فضلا عن أن تعرف صاحبه.

مع انتشار أتباع الحركة الوهابية المتطرفة في العالم الاسلامي تتسع اعمال هدم وتخريب ونسف المراقد والاضرحة والمساجد والحسينيات، وهي بدأت بمقامات النبي صلى الله عليه واله وسلم واهل بيته واصحابه ولن تنته إلا بالقضاء على كل المعالم والاثار التاريخية التي ورثها المسلمون في بلادهم مالم يتنبه العالم المتحضر إلى مدى خطر تلك الاعمال وتأثيرها بالمستقبل على تاريخ تلك الشعوب وحضارتها.

الاثار المترتبة على هدم الاضرحة وخصوصا البقيع

لا شك أن أضرحة ومقامات الاولياء أصبحت معلماً أثرياً وتاريخياً، وملكاً للعالم وللشعوب كلها، وأضحت هذه الاماكن مكانا للعبادة والتوحيد طالما يعتقد اتباعها ان الاولياء الصالحين اصحاب تلك المراقد كانوا عنوانا ورمزا للعبادة والتوحيد وكانوا اناسا صالحين مؤمنين داعين إلى عبادة الله وتوحده.

ولم تحظى اعمال هدم الاضرحة بتأييد لا من قبل الشعوب ولا من قبل حكوماتها ولا الهيئات الدولية، بل كانت اعمالا مدانة ومرفوضة وتمثل اعتداء على آثار وتاريخ ومقدسات الشعوب كافة، أينما حدثت تلك الاعتداءات، سواء في المدنية المنورة حيث قبور اهل البيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) واصحابه، أو في العراق أو في سوريا أو في ليبيا ومالي وباكستان وأفغانستان وغيرها من الدول التي تمكن الاسلاميون السلفيون من الوصول إلى تلك الاضرحة وهدمها.

ومن هذا المنطلق يستذكر المسلمون كل عام جريمة هدم أضرحة مقبرة البقيع المطهر، كما تشهد العديد من مدن العالم الإسلامي فعاليات وتظاهرات مختلفة بمناسبة ذكرى فاجعة هدم مرقدَي الإمامين العسكريَين في سامراء، ذلك الحدث المروع الذي كشف للعالم أجمع عمق وحشية الإرهابيين ومدى تجاوزهم على كل القيم الإلهية والإنسانية.

قراءة قانونية

قبور أئمة البقيع هي إحدى الأماكن الدينية المعروفة على مستوى العالم وازداد شهرة بعد الحادثة الأليمة التي تعرض لها في عام (1344) عندما هدم المسجد الذي كان مقام على الأضرحة الموجودة هناك من قبل السلطات السعودية بتحريض من الحركة الوهابية التي أفتت لها بذلك، والتي تدعي التقرب إلى الله (سبحانه) بهذا الفعل الشائن وهذا الفعل ينافي ابسط مقومات الحياة والإنسانية، وأيضا يتنافى مع الثوابت القانونية على الصعيدين الدولي والداخلي، أضف إلى ذلك فان الثقافة الدينية قائمة على التقديس وهذا شيء ثابت وموثق بالدليل القرآني وهو لا يقبل النقاش، فرب العزة والجلالة مثلا اختار مكان الكعبة المشرفة وقدسها وأشار إليها في أكثر من موضع في القران الكريم".

ولنا في قصة بناءها مع النبي إبراهيم وابنه إسماعيل (عليهما السلام) قال (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقال أيضا (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي والعاكفين والركع السجود)، وقال في موضع آخر (وسبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)، وهنا يشير إلى قدسية المسجد الأقصى باركنا حوله وهنا ثقافة التقديس هي ليست جديدة على القران وعلى السنة النبوية وهي ليست حكرا على الدين الإسلامي وإنما هي سائدة في كل الأديان سواء منها السماوية وحتى الأرضية، فكلها تعرف التقديس والأماكن المقدسة.

فهنا الجريمة تنافي أصل الدين الإسلامي وأصل الشريعة المحمدية القائمة على التسامح وقبول الآخر، فالنبي محمد (ص) عندما هاجر إلى المدينة وجد اليهود هناك لكنه لم يجتث عقيدتهم أو يمنعهم من ممارسة عقيدتهم وصحيفة المدينة هي خير دليل على ذلك حينما احترم الرسول الكريم أماكن عبادة الديانة اليهودية بل على العكس من ذلك هو كان أثناء خطبه دائما ما يوصي قادة الإسلام بضرورة احترام الصوامع وأماكن عبادة الديانات الأخرى.

إن المسجد المقام في البقيع هو جزء من التراث الإسلامي والعربي وبالتالي، هو يناقض نفسه بنفسه وهذا دليل آخر على تلك الجريمة النكراء التي طالت هذا المكان المقدس والمشرف على الصعيد الدولي، واغلب الاتفاقيات الدولية في لاهاي وجنيف تتكلم عن أوقات الحرب وضرورة أن تلتزم الدول المتحاربة بحقيقة احترام الأماكن الثقافية ومنها أماكن العلم وأماكن العبادة حسب ما انتهيت إليه اتفاقية لاهاي في (1907) وكذلك اتفاقية (1954) الخاصة بحماية الأماكن التراثية واتفاقيات جنيف أيضا والبرتوكولات الملحقة في العام (1977) وغيرها.

المحكمة الجنائية الدولية

وقد جاء حكم المحكمة الجنائية الدولية بتوجيه الإدانة في قضية الهجوم على الأضرحة في تمبكتو باعتبارها جريمة حرب، ليعكس الرغبة الدولية في وضع حد لجرائم الفكر التكفيري المتطرف وانتهاكه المستمر لحقوق الإنسان في جميع المجالات ومنها الاعتداء على الأضرحة.

ويأتي هذا الحكم ليفتح الباب أمام جميع الشعوب والطوائف الدينية المتضررة من هذا النهج العدواني لتحاسب رعاة هذا الفكر الإرهابي والجماعات التي تعبث بأمن الإنسانية وتحارب حرياتها ومعتقداتها.

لا إكراه في الدين

تُمثل عمليات هدم القبور والمزارات والأضرحة قمة التدخل في عقائد الناس وفرض توجه ديني محدد عليهم، وهو ما يتنافى ومبادئ الدين الإسلامي الذي شدد على قيم التسامح والمحبة والألفة والإبتعاد عن التعصب.

ونص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 18 على "لكل شخص الحق في حرية الفكر والضمير والدين ويشمل هذا الحق حرية تغيير الدين او المعتقد وحريته في الجهر بدينه أو معتقدة وحيدا او بصفة مشتركة أمام الملأ أو الخاص عن طريق التعليم والممارسة والعيادة وأداء الشعائر والطقوس".

مقترحات وتوصيات

من اللازم علينا ونحن نريد أن نحيي هذه المناسبة القيام بأمور عدة:

1- الاعلان عن مظاهر الحزن والاسى في ذكرى يوم هدم البقيع عن طريق لبس السواد والاكثار من زيارة مراقد اهل البيت وعقد المجالس الحسينية لذكرها وذكر اهل البيت عليهم السلام.

2- البدء بحملة لجمع التواقيع لمطالبة الحكومات وخصوصا السعودية ببناء قبور الائمة عليهم السلام في البقيع الغرقد.

3- إنشاء العديد من المؤسسات التي تعنى بالدرجة الأساس بالتأكيد على إعادة بناء القبور في البقيع الغرقد، ودعم هذه المؤسسات حتى تعمل عالمياً للتأكيد على إعادة بناء هذه القبور لما للأمر من اهمية تاريخية أثرية إضافة الى أهميتها الدينية.

4- كما ويقع على وسائل الإعلام دور مهم في بيان مظلومية اهل البيت عليهم السلام عن طريق إعداد برامج خاصة عن هذه المناسبة توضح كبر حجم المسألة تأريخاً وحضارياً.

5- إقامة المؤتمرات والندوات العالمية التي تدعو الى إعادة بناء قبور ائمة البقيع عليهم السلام وتأطيرها بالأطر السلامية التي تتضمن التسامح والحلم ونبذ التفرقة والدعوة الى جمع شتات الامة.

6- إنشاء مواقع خاصة على شبكة الانترنيت العالمية وشبكات التواصل الاجتماعي تعنى بهذه المسألة.

7- اعتبار ظاهرة هدم الاضرحة والمشاهد الدينية جريمة ضد الإنسانية، وقيام الجمعيات والمنظمات والهيئات الدولية بالملاحقة القانونية للحركات العدوانية المتطرفة التي تمارس هذا النوع من الإرهاب اما عبر الفتاوى التي تحرض على تهديم الاضرحة او التمويل او التنفيذ او التشجيع. وجمع الوثائق والأدلة الخاصة بهدم الأضرحة وتوثيقها بصورة مهنية كي يتم تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية. كما إن اعتبار الاعتداء على الأضرحة وهدمها من جرائم الحرب من قبل المحكمة الدولية، يفتح الباب أمامهم وأمام المنظمات الحقوقية والهيئات الدولية بالملاحقة القانونية لمن يرعى هذا الفكر المتطرف.

8 - مطالبة مراكز الفتوى والمجمعات الفقهية والمؤسسات الدينية - ومن جميع المذاهب الإسلامية - بإصدار الفتاوى الواضحة والصريحة بتحريم الاعتداء على أضرحة ومراقد الأنبياء والأئمة والأولياء والعلماء، وتجريم من يعتدي باللسان أو باليد أو بأي شكل آخر على الزائرين لتلك المراقد.

9 - تقوم المنظمات الدولية الرسمية بحملة شاملة للضغط من اجل إعادة بناء قبور أئمة البقيع وارجاعها بشكل افضل مما كانت عليه قبل هدمها، لان بقاء مقبرة البقيع بهذا الشكل يعد إهانة للعقيدة والتاريخ الإسلامي وانتهاكا للتراث الإنساني، ويعد بقاءها بهذا الشكل تحريضا على العنف والكراهية وعلى شرعية استهداف الأماكن العبادية المقدسة للشيعة والمسلمين ومختلف الأديان. وهذا يعتبر من المسؤوليات الكبرى للأمم المتحدة في التحرك من اجل الضغط على الحكومة السعودية لإعادة بناء مقبرة البقيع بما يتناسب مع أسس الكرامة الإنسانية واحترام حقوق الانسان.

10- ومن واجب المنظمات الدولية ان تبين للسلطات السعودية المسؤولية الجنائية التي تتحملها هذه السلطات بما تقوم به من انتهاك لمقبرة البقيع حيث يعد هذا الفعل تحريضا إرهابيا على هدم كافة الأماكن العبادية والاثرية والتاريخية.

11- القيام بحملة تثقيفية علمية وواسعة (على المدى القصير والبعيد) لترسيخ قيم المحبة والسلام والتعاون والتعايش والتسامح والحوار التي حثت جميع الرسائل السماوية والمبادي الإنسانية على التمسك بها، كما وقد اعتمدتها دساتير دول العالم...

12- الحث والتأكيد المجتمعي على أن الزيارات شعاراً من شعائر التقرب إلى الله، وليست عملاً دنيوياً، ولا مجرد تكريم لإنسان ميت، وإنما هي عمل عبادي خالص لله تبارك وتعالى ذات أبعاد تربوية، وعقائدية، وفكرية تبني شخصية الزائر، وتشده إلى مسيرة المزور وعقيدته.

13- الاستعانة بمكاتب المحاماة الدولية المحترفة في هذا المجال لغرض إقامة الدعاوى أو تقديم الاستشارة والنصح في رفع الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية.

14- الحصول على قرار دولي عن طريق المحكمة الجنائية يتمثل بإعادة بناء الأضرحة التي تم هدمها في مكة والمدينة أو السماح لأبناء الطائفة التي تم هدم أضرحتها بإعادة بنائها على أن تتحمل الجهات المسؤولة عن الهدم تكاليف البناء.

15- التأكيد على حق الأفراد والجماعات بحرية ممارساتهم الدينية دون التعرض لها من أي جهة كانت مادامت تلك الجماعات لا تؤمن بالعنف كنهج لها والعمل على حفظ هذا الحق.

المصدر: مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

اضف تعليق