ينتظر ملايين المؤمنين من اتباع اهل البيت عليهم السلام بترقب يوم عيد الغدير الاغر، وهو اليوم الذي يعتبر من أكبر أعياد الشيعة، وجرى في هذا اليوم ما يمكن ان نسميه التداول السلمي للسلطة، ففي الثامن عشر من شهر ذي الحجة في السنة العاشرة هجرية قام نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وبأمر من الله بتنصيب الامام علي بن ابي طالب خليفةً له وإماماً للمسلمين، وذلك في مكان يُسمى غدير خم، ومن هنا اقترنت الواقعة باسم هذا المكان.

تحتل الواقعة مكانة خاصة في نفوس الموالين بصورة عامة، ولا يكاد يخلو بيت من الفرحة بهذه المناسبة التي مثلت تكليفا ربانيا بالإمامة للإمام علي عليه السلام، وأثبتت احقيته بحكم الامة الإسلامية عقب بن عمه الرسول الاكرم عليه وآله الصلاة والسلام، فهي تعتبر الحد الفاصل بين التشبث بالسلطة والانتقال السليم للحكم دون المرور بسلسلة معقدة من التحولات.

ما حصل في غدير خم من ممارسة سياسية لا يمكن ان تحصل في عالمنا المعاصر، فلا يمكن لشخص يحكم امة كاملة مترامية الأطراف، ان يتنازل عن ملكه بهذه الصورة، فالرسول عليه واهل بيته الصلاة والسلام، أراد بهذه الواقعة ان يعزز مبدأ غاية في الأهمية متعلق بإدارة الامة من بعده، وان تكون هذه الآلية هي بمثابة الدستور المدني الذي يُسير الدولة من بعده دون الوصول الى التخاصم والتراشق.

فهذه الواقعة يمكن ان تجعلها الطبقات الحاكمة منهجا تسلكه للخروج من الإشكاليات التي ترافق العمل السياسي بشكل يومي، فلم يسجل التاريخ مثل هذه الحادثة من قبل ومن بعد، فالحروب الطاحنة التي تحدثت عنها الموسوعات التاريخية، كان السبب من اندلاعها التقاتل على كرسي الحكم، والطمع بالعروش الزائلة، ولا يسع المجال لذكر الامثال بالتفصيل، لكن الشواهد كثيرة لمن يرغب بالاطلاع عليها دون عناء.

ومن اجل الوصول الى كرسي الرئاسة نجد الاب ينقلب على ابيه ويدبر المكائد للظفر بالمنصب، وقد يشن الحرب على اهل بيته لمجرد الاقتراب من منطقة نفوذه، ومثال ذلك ما حصل قبل عقدين او أكثر عندما انقلب أمير قطر السابق حمد بن خليفة على أبيه، وليس في الأمر عجب، فالأب نفسه انقلب قبلها على ابن عمه.

ولم يترك التاريخ تدوين ما قام به صدام حسين الرئيس الأسبق للعراق من أفعال مع اقربائه، عندما شعر بطمعهم في السلطة، فوصلت به الحالة من الجنون الى قتل زوج ابنته، وتكليف اشخاص لتأديب ابنه، بعد تدخله في القرارات الحكومية ومحاولة سحب البساط من تحت اقدام ابيه المتسلط والمتفرد في الحكم.

ولم يكن العهد الأخير الذي عاشه العراق وتحديدا بعد تغيير النظام بعيدا عن هذه المناكفات والصراعات حول السلطة، فلا تشكل حكومة الا بعد الذهاب شرقا وغربا، من اجل انتزاع التوافقات، والوصول الى تفاهمات تتعلق بقضية المحاصصة ونصيب كل كتلة من الكعكة.

لو قمنا بمراجعة جميع عمليات الانتقال الفعلي للسلطة، لن نجد عملية أكثر شفافية وسلاسة مما حدث بغدير خم، فهذه الواقعة يمكن ان تكون مثالا يحتذى به في الإخلاص والإيثار، والتضحية من اجل خدمة ورعاية مصلحة الامة، وهذا ما لا نجده في حكام اليوم، الذين ابتعدوا كل البعد عن فكر ومنهج نبي الامة ومن خلفه الامام علي صلوات الله عليهم.

ونحن اليوم بحاجة الى جعل عيد الغدير نقطة التحول نحو الأفضل على جميع المستويات، فالحكومة الحالية، امامها الفرصة قائمة لتغيير نهجها الاستبدادي الى آخر قائم على المساواة والعدالة بين الجميع، فمن المفترض ان تضع نصب اعينها أسلوب الامام عليه السلام في التعامل مع الملف الاقتصادي، وكذلك تجربته في إدارة شؤون دولته الممتدة عبر البحار والمحيطات.

عيد الغدير وما جرى في الواقعة المشهودة وحده يكفي بأن يكون حافزا يدفع حكام اليوم للعمل على رفاهية شعوبهم، والاهتمام بشؤونهم، والسهر على راحتهم، وتصحيح المسار الخاطئ الذي حصل في الممارسات السياسية على مر العصور خلف حكومة الامام علي عليه السلام، وإذا كانت النخب الحاكمة في الوقت الحاضر تنشد الحرية والعدالة السماوية عليها الرجوع الى الفكر الأصيل وجعله الوثيقة الرسمية لإدارة شؤون البلد بمختلفها وعلى المستويات والقضايا كافة.

اضف تعليق