متطلبات الحياة لا تنقضي ومشاكلها لا تنتهي، حتى يجد الواحد نفسه أحيانًا أنه في دوامة من الأزمات والمسؤوليات، فينتابه الوهن ويغشاه التعب، وقد يزلّ فيرتكب ذنباً والعياذ بالله. بالتالي يحتاج المرء بين حين وآخر إلى الحوار مع نفسه لإبرام عقد تصالح مع نفسه. يقول الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): (ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله).

ورُويَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال لأبي ذر:

(لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمِن حلال أو من حرام. يا أبا ذر، من لم يُبال من أين اكتسب المال؛ لم يبال الله من أين أدخله النار).

في السياق نفسه، فإن الانتماء لأهل البيت (عليهم السلام) لا يتحقق فقط من خلال الاعتقاد بكرامتهم عند الله (عز وجل)، وامتلاء القلب بمحبتهم. لا، ليس بهذا وحده يتحقق الانتماء إلى الإسلام أو التشيع. وقد بيّن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري كيف يمكن أن يكون الواحد شيعيًا، فقال (عليه السلام):

(فَوَاللهِ، مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى اللهَ وَأَطَاعَهُ، وَمَا كَانُوا يُعْرَفُونَ إِلَّا بِالتَّوَاضُعِ، وَالتَّخَشُّعِ، وَالْأَمَانَةِ، وَكَثْرَةِ ذِكْرِ اللهِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلاةِ، وَالْبِرِّ بِالْوَالِدَيْنِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْجِيرَانِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَالْغَارِمِينَ، وَالأَيْتَامِ، وَصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَتِلاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَفِّ الأَلْسُنِ عَنِ النَّاسِ إِلا مِنْ خَيْرٍ، وَكَانُوا أُمَنَاءَ عَشَائِرِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ).

وهكذا فإن الذين يكنون المحبة للإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه الشريف) عليهم تجسيد محبتهم إلى عمل والى واقع، فيقولون ويعملون ما يُسر الإمام، وإن هذه المهمة قد تبدو صعبة، لكنها تتيسر لمن يعزم على تحقيقها، فإرادة الإنسان الخيّرة هي التي تحمله إلى النجاح والموفقية، وإن ذكرى مولد الإمام المهدي مناسبة مباركة لكل من يريد الكرامة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

لكن ما الذي يريده الإمام المنتظر من شيعته؟ روي أنه بعد أن يجمع الله أصحاب الإمام المهدي فيحضرون عنده، يبيّن لهم الإمام أنه لن يقطع أمرًا حتى يبايعوه على خصال. وهذه الخصال التي يريدها من أصحابه بعد ظهوره هي الخصال نفسها التي يريدها من شيعته وهو في غيبته. يقول الإمام (عجل الله فرجه الشريف):

(ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا محرماً، ولا تأتوا فاحشة.. ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون .. ولا تسفكوا دماً حراماً، وليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبّتنا، ويتجنّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجأة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة).

اضف تعليق