إسلاميات - اهل البيت

تأصيل المعروف وبناء الثقة

قراءة في اقوال الامام الحسين (ع) بمناسبة ذكرى ولادته الشريفة

تصادفُ في هذه الأيام الجليلة، ولادة ثائر كربلاء الأشمّ، الإمام الحسين عليه السلام، وهذه المناسبة العظيمة تضيف للبشرية رمزاً إنسانيا إسلاميا لا يتكرر، ترك في سفر التاريخ بصمته التي لا تُثنّى، فتاريخ العظماء يتميز باقترانه بالأصالة والجديّة والتفرّد كما هو الحال مع إمامنا الخالد، سبط رسول الله صلى الله عليه وآله.

وفي هذه المناسبة يمكن لمن يرغب من بسطاء الناس وغيرهم كالقادة والمسؤولين وكبار التجار ووجهاء المجتمع ومن له نفوذ كبير في الدولة أو الحزب أو الحركة أو المنظمة، كل هؤلاء يمكنهم قراءة سفر الإمام الحسين والبحث المخلص في سيرته ومواعظه عليه السلام، كي يستقيموا في حياتهم وأعمالهم.

وإذا كان الإنسان البسيط لا يتحمل وزر الآخرين باتخاذه قرارات خاطئة فإن ذنبه وحسابه سوف يكون أقل بكثير ممن يتخذ قرارات تهم حياة الناس، وتداعيات قراراته تذهب أما خيرا أو شرّا على من يقع تحت سطوته وحكمه ومسؤوليته، لذلك فإن المسؤولين أكثر حاجة من بسطاء الناس للإطلاع على مواعظ الإمام الحسين كي يكون ميزان ذنوبهم أقل من غيرهم، وكلنا نطمح إلى مثل هذه النتيجة التي ستحدد بياض الوجوه من سوادها لا سمح الله.

إن الإمام الحسين عليه السلام، خبر الحياة واستلهم من سفر السلف الصالح ما جعله الثائر الأكثر تميزا في سفر التاريخ البشري، فقد تربى في رحاب أبيه الإمام علي عليه السلام سيد بلغاء العرب، وأخذ الأخلاق والمسار التربوي الأعظم من أمه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، ونهل علمه وأخلاقه وابتنت شخصيته من مداد جده الرسول الكريم، فمن أين ما غرف امتلأ خلقا وحكمة وصبرا ونورا وشجاعة، وكلها صفات الدوحة المحمدية التي تغذّى منها واكتملت فيها شخصيته المتفردة في التاريخ، فبالإضافة إلى حس الثورة والرفض الضارب للظلم والطغيان، كانت الحكمة وعمل الخير وتوجيه الناس من خصاله وملَكاته العظيمة.

عن المعروف تكلّم الإمام الحسين كثيرا، ووجه أقرب وأبد الناس إلى وجوب التعامل بالمعروف مع الآخر، في جميع المجالات، أما بالنسبة للمسؤولين فإنهم الأكثر من الجميع حاجة للمعروف وحفظ الأمانة وتوجيه أنفسهم ومعيتهم على حفظ الحقوق ومراعاة المحتاجين وحماية الحريات وما إلى ذلك من قيم أخلاقية يستطيع المسؤول نشرها وترسيخها في تعاملات الناس أكثر من غيره بكثير.

وحين قال احدهم للإمام الحسين عليه السلام، إن المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع، فقال له الإمام الحسين عليه السلام: ليس كذلك ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرّ والفاجر.

هذا يعني أننا ملزَمون بتقديم النصح لأنفسنا وغيرنا من دون أن نحدد إلى من يذهب الإرشاد، وهل نستثني منه (الفاجر) الخاطئ المتجاوز، كلا لا أحد يُستثنى من خير الكلام وأجوده، فالصالح من الناس والطالح منهم، يمكن أن نوجّه له بالقيم الصحيحة وبالأخلاق القويمة وأن نساعده كي يستعيد إنسانيته إذا كان قد فقدها تحت ضغط الجشع والطمع وتفضيل المصالح الشخصية على مصالح الآخرين، فالإمام الحسين عليه السلام يطالب بنصح الآخرين بغض النظر عن كونهم صالحين أو فاجرين ويصف النصح بأنه كالمطر الذي يهمي على الأرض فيطول الخصب والبور منها.

ومن المواعظ العظيم للإمام الحسين عليه السلام، أن نبتدئ الآخرين بالسلام قبل الكلام كفاتحة لحوار سليم يحقق غايات الجميع بنفوس طيبة وقلوب مطمئنة ويُبعد الغبن عن الأطراف المتحاورة سواء كانوا أفرادا أو جماعات، فالسلام يُدخل السكينة في القلوب والنفوس ويعطي للآخر المتحاوَر معه نوعا من الأمان والثقة بالآخر، فيستمر الحوار إنسانيا سليما وعادلا، خلاف ذلك إذا بدأ أحدنا مكالمة الآخر دون السلام، فإن هذا السلوك يثير الريبة والشك، ويجعل روح العداء والبغضاء تحوم فوق القلوب وتوجهها وتحرف الكلام من الحوار الواثق إلى حوار المصالح المتصارعة والأهداف المبيّتة مسبقا.

ومما ورد في كتاب (تحف العقول) أن أحدهم قال للإمام الحسين عليه السلام ابتداء: كيف أنت عافاك الله، فأجابه الإمام الحسين عليه السلام: السلام قبل الكلام عافاك الله، ثم قال عليه السلام : لا تأذنوا لأحد حتى يسلّم.

فالإمام عليه السلام لا يسمح بابتداء الكلام قبل السلام، لأن النتائج سوف تُبنى على بداية خاطئة تزرع الشك وعدم اليقين في نفس الإنسان الذي سنبادله الكلام، وقد جرّبنا جميعا الفعل والتأثير الكبير الذي يتركه السلام في قلوبنا حتى أن بعضنا عفا عن أعدائه أو خصومه حين بدأوه بالسلام، لذلك علينا أن نبادر من نرغب في الحديث معه بالسلام حتى نضمن مسبقا حسن السريرة ونقائها ومن ثم جودة النتائج التي تترتب على الحوار الثنائي أو الجماعي مهما كان شكلها أو نوعها أو أهدافها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5