هل من السهل تحطيم قيود نفسية عميقة الجذور في انسان الجزيرة العربية ورث الطبقية والعبودية والتمييز؟

وهل من السهل على شخص يعد نفسه من سادة القوم، او حتى من الطبقة المتوسطة –حسب الاصطلاح المتعارف- في المجتمع المكّي –الجاهلي- ان يحترم عبداً او فقيراً معدماً، فيبتسم في وجهه، او يُحييه كلما صادفه في الطريق؟

النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، الذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده الأليمة، قام بخطوة جبارة في طريق بناء المجتمع المتحضر، عندما آخى بين المهاجرين والانصار في الساعات الاولى من وصوله المدينة مهاجراً موطنه الأصلي؛ مكة، وقد وصف العلماء عمل النبي هذا بانه تحطيم للحواجز النفسية بين المسلمين، فاصبح المسلم أخاً للمسلم.

ولم يكتف النبي بهذا الشعار الكبير، وإنما اضاف اليه مصداق عملي ليعيش المسلمون الحالة الأخوية بشكل يومي، وتكون منهجاً لحياتهم، عندما دعا، وبأمر من الله –تعالى- وبصريح الآيات القرآنية، الى إفشاء السلام، وتثبيت عبارة "السلام عليكم"، لتكون تحية المسلم لأخيه المسلم، بل ولتكون الوثيقة المستدامة في العلاقات الاجتماعية والبينية على الودّ والاحترام، وإبعاد الحقد والكراهية عن القلوب، وقد وردت لفظة "السلام" في سياق إلقاء التحية، في آيات عدّة منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }، سورة النور، الآية27.

كيف تؤثر تحية السلام في بناء المجتمع؟

اذا مررنا سريعاً على الدلالات اللغوية لمفردة "السلام" ربما نجد الإجابة، ففي كتابه القيم؛ "السلام تحية الإسلام"، بحث الشيخ محمود عبد الرضا الصافي، في الدلالات اللغوية لهذه المفردة، فالى جانب اشتقاقها من أسماء الله الحسنى، فقد أورد معانٍ ودلالات عدّة لمفردة "سَلم" أو "سِلْم" من مصادر عدّة تفيد أنها تعني "سلِمت منّي فاجعلني أسلم منك"، و"السِلْم والسلامة: التعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة"، كما بحث في "السلام عليكم" فوجد انها تعني "سَلِمت من المكاره"، وقيل: "معناه اسم الله عليكم، أي انت في حفظه، كما يقال: الله معك"، ولها ايضاً "معنى الصلح والأمان".

ونفهم من ذلك؛ أن من يلقي التحية الى أخيه المسلم او أي انسان آخر، إنما هو يجسد نوعاً من انواع التواضع الى جانب تأكيده على الأمان والسلام والاحترام، وهذه النقطة تحديداً، هي التي سلّط النبي الاكرم الضوء عليها وبقوة خلال فترة حياته القصيرة بين المسلمين، فالقرآن الكريم دعا الى إلقاء تحية السلام بين المسلمين، ثم جاء النبي الأكرم ليضيف لبنة أخرى في البناء الاجتماعي وهي إلقاء التحية والسلام على الاطفال الصغار ايضاً، ولهذا الامر أبعاد نفسية واجتماعية تجعل الطفل الصغير يشعر بانه فرداً ذو شأن في الاسرة والمدرسة وفي أي مكان آخر، ولانه كذلك؛ فهو جدير بالنصح والإرشاد، وإلا ما الذي يجبر الطفل الصغير على الالتزام بالنواهي والآداب الاجتماعية اذا كان مغموراً بمشاعر التحقير والتهميش من قبل الكبار؟

ولذا نجد من الصفات البارزة في تعامل النبي الاكرم مع الناس، إلقاء التحية على الاطفال، وجاء عن الامام الباقر، عليه السلام، عن جدّه رسول الله أن "خمس لا ادعهن حتى الممات: الاكل على الحضيض مع العبيد، وركوبي الحمار مؤكفاً، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، وإلقاء السلام على الصبيان، لتكون سنة من بعدي".

تحية السلام وقيمة الانسان المؤمن

تُرى أية أهمية لتحية السلام عندما تكون مفضلة على الصلاة التي يصليها الانسان وهو متوجه الى ربه مباشرة!

الشريعة الاسلامية، واستناداً الى روايات المعصومين، عليهم السلام، أوجبت على الانسان رد تحية السلام، وإن كان واقفاً يصلي، وفي أي حالة كان. ففي رواية عن الامام الصادق، عليه السلام، "الرجل يُسلّم عليه وهو في الصلاة؟ قال: يرد: سلام عليكم، ولا يقل: وعليكم السلام، فان رسول الله، كان قائماً يصلي فمرّ به عمار بن ياسر، فسلم عليه فردّ عليه النبي هكذا".

وهذا إن دلّ علي شيء فانه يدل على اهمية الاحترام بين المسلمين، بحيث يبيح الله –تعالى- قطع الاذكار في الصلاة، كأن تكون سورة الفاتحة، او التشهّد او في الركوع او السجود، فيجب على من سلّم عليه بـ "سلام عليكم"، وجاء في الرسائل العملية لعلماء الدين بوجوب رد السلام على من يلقي تحية السلام، اذا كان وحيداً في الجامع او الغرفة التي يصلي فيها، وإلا يكون آثماً عند الله –تعالى-، وهذا تفضيل وأولوية نادرة لعلاقة الانسان المؤمن مع أخيه، على العلاقة بين هذا الانسان وبين ربه.

ولم يتأمل الروايات عن النبي الأكرم، ومن بعده الأئمة المعصومين، في اهمية تحية السلام في العلاقات الاجتماعية يعتريه الخجل لما يحصل من قصور لدى البعض، وربما لا يخفى على الكثير ما للفضائل التي جاء بها الاسلام، من تأثير على حياة الانسان، وبشكله المادي الملوس، مثل الشكر والصبر والرضا بالقضاء والقدر، وغيرها، ومنها ايضاً إفشاء السلام.

وبما أن تحية السلام لها صلة بالعلاقات البينية والاجتماعية، فانها آثارها تكون واضحة وسريعة، فقد جاء عن النبي الاكرم: "افش السلام يكثر خير بيتك"، كما جاء عنه، صلى الله عليه وآله: "إن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام"، وجاء عنه ايضاً: "ألا اخبركم بخير أخلاق اهل الدنيا والآخرة، قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: إفشاء السلام في العالم".

واليوم نفتقد النبي الاكرم، والأئمة الاطهار، صلوات الله عليهم، وبين أيدينا كتاب الله وسيرتهم العطرة، ليس هذا وحسب، بل يضيف البعض من التقاليد والعادات ما تعيد الانسان العصري الى الوراء من خلال التخلّي عن الآداب والاخلاق الاسلامية، بدعوى "التحرر عن التراث القديم..."! فبعد أن اشاع النبي الأكرم لفظة "السلام عليكم" بين المسلمين وجعلها سنّة من بعده في الامة، وانتشرت في الآفاق، نلاحظ محاولات من البعض لإشاعة مفردات مثل: "يسعد صباحك"، أو "أنعم صباحاً" او "أمسيت خيراً"، فيما راح البعض الآخر لترجمة التحية من اللغة الانجليزية الى العربية لتكون تحية السلام: "هَلو..."!! وربما يغفل هذا البعض أن المفردات المشار اليها هي عين الرجعية والتخلف والعودة بالانسان الى الوراء حيث المجتمع الجاهلي في الجزيرة العربية ما قبل القرن السابع للميلاد، واليوم نحن في القرن الواحد والعشرين، فحريّ بنا الفخر والاعتزاز بهذا الارث الحضاري العظيم، وهذه الهدية المباركة من النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، التي يفترض ان تكون بين افراد كل أسرة مسلمة، وبين الاصدقاء في العلم والزملاء في الدراسة، وفي كل أرجاء المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0