المعركة التي درات بين معسكر الامام الحسين، عليه السلام، ومعسكر الحكم الأموي، لم تستمر سوى ساعات قلائل، من الساعات الاولى من طلوع الشمس وحتى الظهر، فتقاطعت السيوف واشتبكت الرماح وجرى ما يجري في أي حرب اخرى، بيد ان رسائل الإصلاح التي شحنت ساحة المعركة وتجاوزت الزمان والمكان، هي التي جعلت من النهضة الحسينية جذوة متقدة مع التاريخ والاجيال، ومنها؛ إصلاح النفس الانسانية وإحياء الضمير والوجدان، ولذا كانت المواقف الانسانية للإمام الحسين واصحابه، اكثر اشعاعاً وتأثيراً من قرقعة السيوف ومنازلة الفرسان، رغم المقتلة العظيمة لجيش عمر بن سعد على يد الامام واصحابه، لنأخذ إجمالاً؛ طريقة تعامل الامام مع الحر الرياحي، عندما كان قائداً لاحدى كتائب جيش عمر بن سعد، وعدم البدء بالقتال، وعطفه المبهر على ذلك الغلام الاسود الذي سقط في ارض المعركة، ثم طلب الماء لابنه الرضيع، كلها تؤكد على استنهاض الضمير وتمزيق حجب القلب حتى يرى الانسان الحقيقة امامه كاملة.

على هذا النهج سار الامام زين العابدين، عليه السلام، بعد واقعة الطف، ومنذ الساعات الاولى من انتهاء المعركة وتوجهه مع أسرة الامام الحسين في "قافلة السبي" الى الكوفة، ومنها الى الشام، فاذا كان ميدان الإصلاح الذي خاضه الامام الحسين، في حرب فرضت عليه بوادي الطف، فان ميدان الإصلاح والبناء الانساني للإمام السجاد كانت على طول وعرض البلاد الاسلامية، وشملت الامة بأسرها.

وبما أن نظام الحكم الأموي لم يتوقف عند معركة كربلاء في مواجهته خط الرسالة والمنهج السماوي، فان اهل البيت، عليهم السلام، بالمقابل لم يتوقفوا عند نتائج تلك المعركة، بل حولوها الى نقطة انطلاق لإصلاح ذاتي، كما حولوها الى شرارة لثورات وانتفاضات جماهيرية على الحكم الأموي ومن بعده الحكم العباسي، وكل نظام حكم او حاكم يتخذ من الدين واجهة لمحاربة الدين نفسه.

واذا كان الحكام الطغاة، منذ تلك الفترة يستصحبون الطبيعة الجاهلية في التوسّل بالعنف والدموية لمواجهة خصومهم، غير عابئين بما يكلف ذلك من الدماء والدمار، فان المنهج الرسالي، متمثلاً بالامام السجاد، الذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده، يتميز بالمواجهة الثقافية والفكرية، وما يُسمى اليوم بـ "الحرب الناعمة"، وهي فكرة ابتكرت مؤخراً لاختراق العدو من الصفوف الخلفية له، ومن القاعدة الاجتماعية التي يقف عليها. وهو ما حقق فيه الامام السجاد، نجاحاً باهراً اثمر عن نتائج عظيمة في حينها، وما تزال الامة لها فرص سانحة للاستفادة من هذا المنهج الرائد للتغلب على واقعها الفاسد.

منطق الدليل والبرهان

ليتصور أحدنا وقد اقتادته الشرطة بشكل عنيف، ثم يواجهه شخص في الشارع ويشمت به، كيف يكون موقفه، وهو صاحب حق وقضية عادلة؟

الامام السجاد، وفي موكب السبي يدخل الكوفة، وهو مثقل بالحديد المقيد به، يتعرض له شيخ كبير من الكوفيين –آنذاك- وهو يشمت به، ويشكر الله الذي "خلّص البلاد والعباد منكم"! فما كان من الامام إلا ان التفت اليه، ويسأله السؤال التالي:

هل قرأت القرآن يا شيخ؟!

قال: نعم.

فقال له الامام السجاد: وهل قرأت هذه الآية: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا}؟

قال نعم قرأتها.

فقال له: نعم أهل البيت ياشيخ.

ثم قال له: وهل قرأت هذه الآية: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى}؟

قال الشيخ: نعم قرأتها.

فقال له الامام السجاد: نحن القربى الذين دعا الله تعالى المسلمين لمودتهم وحفظ منزلتهم.

ان التاريخ يصمت عن كثير من المواقف المليئة بالمحاورات والمحادثات بين اهل البيت، وعامة الناس، لاسيما في تلك الفترة تحديداً، لان معظم المؤرخين – إن لم نقل جميعهم- كانت مكاتبهم واماكن عملهم في قصور الحكام، وإلا فان هذه المحاورة العابرة التي ربما لم تستغرق دقائق، هي جزء من كم هائل من امثالها حصلت بين اهل البيت وبين اهل الكوفة وربما اهل الشام، وحتى الناس الذين التقوا قافلة السبي في المدن والامصار التي شملها طريق القافلة من الكوفة الى الشام.

نفس المنهج اتبعه الامام السجاد في مجلس يزيد عندما اعتلى المنبر وبين للناس انه ابن مَن، ومن يكون جده وجدته، وهو ليس كما وصلتهم من معلومات مضللة من يزيد ومن قبله معاوية عن أمير المؤمنين، وعن الحسن والحسين، عليهم السلام، والمؤرخون يؤكدون على هذه النقطة تحديداً، بأن خوف يزيد مما يصفوه بـ "وقوع الفتنة"، او انقلاب الرأي العام عليه، هو الذي دفعه لتعجيل ترحيل الامام السجاد، ومن بقي من أسرة الامام الحسين، الى المدينة.

الدعاء وصناعة المعنويات

جاء في الحديث الشريف أن "الدعاء مخ العبادة" بمعنى أن العبادة الواعية وعن فهم عميق، لاتتم إلا من خلال الدعاء الى الله –تعالى- ويصفها المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي في كتابه عن الامام السجاد، وهو يتحدث عن عبادته، عليه السلام، بان "الادعية المأثورة هي الوجه الآخر للوحي، وهي ظلاله الوارفة، وأشعته المنيرة، وتفسيراته وتأويلاته"، بما يعزز علاقة الانسان بربه وليس بأي شيء آخر في حياته، و ربما لهذا السبب نجد عدم ارتياح الحكام الساعين لكسب ود الناس وتأييدهم، للدعاء وأي محفل او مناسبة تتضمن قراءة الأدعية، بينما نلاحظهم لا يمانعون من إقامة محافل لتلاوة القرآن الكريم، وحتى حفظه وتعليمه.

وربما يتصور البعض ان الدعاء وما يرافقه من طقوس روحانية من شأنها إبعاد الانسان من واقعه وحثّه على استحصال الثواب والأجر والحلول الجاهزة وحسب، بينما قراءة متأنية للصحيفة السجادية تؤكد لنا ان مدرسة الدعاء عند الامام السجاد، تمثل مصنعاً للرجال القادرين على مواجهة انفسهم بكل صدق وشجاعة لتغييرها وتقويم ما اعوج من السلوك والتصرفات، ثم تقويم العلاقات البينية في الاسرة وفي المجتمع.

هذه الروح التغييرية من الداخل، هي التي تحفز صاحبها على التغيير في الخارج، وإلا فان الجبان والمتخاذل والمخادع والأناني، لن يكون بوسعه المشاركة بخطوة واحدة في عملية التغيير والإصلاح، بل ربما يكون حجر عثرة في هذا المشروع، وحتى يكون في جبهة السلطة لضرب المصلحين والمجاهدين.

ان مدرسة الدعاء هذه، هي التي خرجت الابطال الثائرين بوجه الحكم الأموي، وظلت الجذوة المتقدمة في النفوس طيلة الحكم العباسي، فقد كانوا يحملون الروح العالية والمعنويات الكبيرة التي تمكنهم من مواجهة سياسات السلطة الفاسدة التي شأنها إشاعة الفساد والانحراف في المجتمع وتحريف الحقائق وتضليل العقول.

وما يزال هذا السفر العظيم، وما خلفه لنا الامام السجاد، عليه السلام، من منهج رباني للتغيير والاصلاح، من شأنه ان يشمل برعايته جميع ارجاء العالم الاسلامي ويواجه التحديات الخارجية الماحقة مهما كانت المعطيات باعثة على اليأس والاحباط الشديدين لاسباب عديدة، يكفي الالتفات الى هذا السفر والتعرّض لنوره البهيّ كما يتسابق الكثير للتعرّض لاشعة الشمس الدافئة والمفيدة في ساعات الصباح الاولى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0