هل كانت يد ذلك الشقي بمستوى قامة أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، لتضرب بالسيف المسموم رأس الامام؟

انها قطعاً؛ ليست يد عادية، إنما لها امتداد طويل ربما يعود الى جيل كامل او ثلاثين عاماً تخللتها مراحل تشكيل الدولة والمجتمع في ظل الإسلام بالجزيرة العربية، فالسيف؛ كان منطق التكفير، واليد؛ المنفذة لمنظومة التفكير المتطرف والمتعصب القائم على بقايا الجاهلية والصنمية.

ما يثير التساؤل حقاً؛ أن المجتمع الاسلامي في ظل حكم الامام علي، عليه السلام، كان قد بلغ من المعرفة بشخصيته ما يفترض ان يتحول الى قائد ملهم ومطاع، ولن يكون في الدولة سوى العمل من اجل الرفاهية والسلام والتقدم، فقد اجتمعت في الاذهان احاديث النبي الاكرم في حقه وفي منزلته في الاسلام، مع الاقرار المستمر في عهد "الخلفاء" بعلميته وحكمته، كما جاء على لسان عمر بن الخطاب "لولا علي لهلك عمر"، وتذكر المصادر انه قالها اكثر من مائة مرة في غير مناسبة ومكان! مع كل هذا، يقف في وجهه شخصٌ مثل الزبير بن العوام، صاحب السيف الذي قال عنه، عليه السلام: "طالما كشف الكرب عن وجه رسول الله"، يطلب منه حصته في الحكم لقاء ما قدمه من دعم ومساندة في مرحلة المواجهة منذ أيام السقيفة، فهل نسي تماماً حديث النبي – وكان أقرب المقربين اليه- "من طلب الرئاسة هلك"؟ وهو ما حصل فعلاً، بعد حرب ضروس تسببت باراقة دماء حوالي اربعين ألف مسلم، فيما يعرف بحرب الجمل.

ومن ثم ظهور الخوارج الذين هم الأخرين ربما تعرضوا لداء النسيان، ونفوا الحكم الصالح والرشيد على يد انسان مثله، متمثلاً بالامام علي، عليه السلام، وكان قبله رسول الله، قد مارس هذا الدور الحضاري، وقد ذكّرهم، عليه السلام، بذلك غير مرة في محاوراته معهم علّهم يعودون الى رشدهم، فكان النجاح حليفه مع فئة منهم، فيما بقي الآخرون على ضلالهم مصرّين على قتال الإمام علي، تحت شعار: "لا حكم إلا لله"! فهل نسي هؤلاء، حديث النبي الأكرم: "علي مع الحق، والحق مع علي"؟ وعديد الاحاديث في حقه، عليه السلام، مما تجعله الوحيد في زمانه، المؤهل لتولي شؤون الامة.

لماذا كل هذا النسيان والنكران والخذلان؟

تعميق الإيمان، تعميق الوعي

القرآن الكريم، وفي سورة الحجرات، يحدد الشريحة المثقفة ويميّزها عن الشريحة الكبرى في المجتمع، والتي قال عنها الامام علي فيما بعد: "همجٌ رعاع"، تقول الآية الكريمة: (قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ...)، فالايمان مرحلة متقدمة في العقيدة، تتجاوز إعلان الانتماء، لتصل الى الممارسة والتطبيق العملي للأحكام والاخلاق وحتى طريقة التفكير، ولذا يعد القرآن القلب مكمن الإيمان بالعقيدة، لانه هو الذي يجعل الانسان مضحياً ومقداماً وصابراً، وتتجلى فيه كل صفات الايمان الحقيقي.

فمنذ عهد رسول الله، والفترة التي أعقبت رحيله، صلى الله عليه وآله، كم هي نسبة المؤمنين الحقيقيين بين افراد المجتمع الاسلامي؟

من الصعب القول بنسبة عالية، كون الافراد المقربين من النبي الاكرم، من الصحاب والرواة والمحدثين، ممن تذكرهم كتب السير والروايات، كانوا قلّة قليلة، مثل الاصحاب المقربين: كسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وأبو ايوب الانصاري، ومن الرواة والمحدثين، مثل عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله الانصاري وآخرين، فما كان دور هؤلاء، في حياة النبي الاكرم، غير نقل الروايات عنه، صلى الله عليه وآله؟

ثم ألم ينشر النبي الاكرم، اصحابه من الشريحة الواعية والمتعلمة، الى القبائل والقرى والمناطق في الجزيرة العربية لنشر القيم والمبادئ الاسلامية وحثّ الناس على الدخول في الاسلام؟

رب قائل عن عدم نضوج تجربة التبليغ للاسلام آنذاك، مع عدم مقدرة الشريحة المثقفة على انجاز مهمة تثقيفية وتوعوية كالتي تجري في الوقت الحاضر. ويأتي الجواب عن وجود قدرات اخرى في الجانب المقابل تركت تأثيراً بالغاً في النفوس وغيرت مجرى الاحداث والتاريخ، وصنعت المواقف المصيرية.

المصادر التاريخية تشير الى التحرك السريع للتيار الأموي بقيادة أبي سفيان بعد وفاة النبي الاكرم، ليكون له حضوراً فاعلاً في الساحة، ويستعيد دوره السياسي والعسكري، وبعد أن خابت جديعة ابو سفيان مع الامام علي، عليه السلام، بأن يسانده في أخذ حقه ويكون أول المبايعين له بالخلافة، توجه مسرعاً الى التيار الآخر الاكثر فاعلية في الساحة آنذاك، وهو الذي يصفه بعض المؤرخين بـ "التيار المعتدل" لتمييزه عن التيار الرسالي بقيادة الامام علي، عليه السلام، والذي يضع السلطة والحكم في مقدمة أولوياته، ولذا برروا كل الوسائل والطرق للوصول الى هذا الهدف، بما فيه العنف والقسوة والتجاوز على المقدسات والحرمات، ومن الطبيعي المجتمع الذي لا يصله الماء النقي فانه يضطر لشرب الماء الآسن وحتى الملوث ليقطع عطشه، وهذا يفسر الموقف الحرج الذي وصل اليه الثلّة المؤمنة من الاصحاب في الايام التي تخللها الانقلاب على الشرعية وإقصاء الامام علي عن الخلافة والحكم، كما جاءت في رواية عن الامام الصادق، عليه السلام، فقد اجتمع ثلّة من الاصحاب المقربين، ممن نسميهم "الشريحة المثقفة والواعية" منهم؛ سلمان الفارسي، وأبوذر، والمقداد بن الاسود، وبريرة الأسلمي، وعمار بن ياسر، وآخرون، بالإمام علي، وقالوا له:

"يا أمير المؤمنين تركتَ حقّاً أنت أحق به وأولى منه ، لأنا سمعنا رسول الله يقول: "عليٌّ مع الحق، والحق مع علي ، يميل مع الحق كيف مال"، ولقد هممنا أن نصير إليه (...) فننزله عن منبر رسول الله، فجئناك نستشيرك ونستطلع رأيك فيما تأمرنا. فقال أمير المؤمنين:

"وأيم الله لو فعلتم ذلك لَمَا كنتم لهم إلاّ حرباً، ولكنكم كالملح في الزاد، وكالكحل في العين، وأيم الله لو فعلتم ذلك لأتيتموني شاهرين أسيافكم مستعدين للحرب والقتال، إذاً لأتوني فقالوا لي بايع، وإلاّ قتلناك، فلابدّ من أن أدفع القوم عن نفسي. وذلك أن رسول الله أوعز إليَّ قبل وفاته وقال لي: يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك بعدي، وتنقض فيك عهدي. وإنك مني بمنزلة هارون من موسى، وإن الأمة من بعدي بمنزلة هارون ومن اتَّبعه ، والسامري ومن اتَّبعه.

فقلت يا رسول اللـه فما تعهد إليَّ إذا كان ذلك؟ فقال :

إن وجدت أعواناً فبادر إليهم وجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً كُفَّ يدَك واحقنْ دمَك حتى تلحق بي مظلوماً".

الانشغال بالحكم دون الجماهير

لا يسعنا في هذا الحيّز المحدود دراسة الوضع النفسي للطليعة المؤمنة والشريحة الواعية في المجتمع الاسلامي في حياة الامام علي، عليه السلام، لان لابد من الاحاطة بالظروف النفسية والاجتماعية والاقتصادية وايضاً السياسية، قبل إصدار أي حكم غير دقيق عليهم، ولكن؛ من حيث الاجمال، يبدو القصور واضحاً في عدم وجود جسور العلاقة بين هؤلاء وبين عامة الناس، ولذا من الطبيعي أن يتكرر الموقف الاجتماعي مع الامام علي وهو يخاطب المهاجرين والانصار لتعبئة مواقفهم لصالح الحق والرسالة بعد وفاة النبي، ثم الموقف مع الامام علي، وهذه المرة، في موقع الحاكم الشرعي والسياسي، وهو يستحثهم للقتال والجهاد في سبيل الله، فيما كانوا هم يتفرقون امامه بين باحث عن مال، وبين باحث عن جاه، وبين مفضل الراحة والدِعة، ليس هذا وحسب، إنما يتكرر الموقف المتخاذل بشكل مريع مع الامام الحسن، وايضاً مع الامام الحسين، عليهما السلام.

مما يمكن ان نستشفه من سلوك وطريقة تفكير المثقفين الاوائل، أنهم انشغلوا بمتابعة شؤون الحكم والحاكمين، سواءً بالنضال السلبي ومقارعة الطغاة والفاسدين، أو بالانبطاح امام الدنانير والدراهم والمناصب كما حصل مع أقرب المقربين الى الامام علي؛ ألا وهو عبد الله بن العباس، الذي تخلّى عن الامام الحسن في تلك الظروف الصعبة والقاسية ويلتحق بمعاوية، فيما اكتفى آخرون بالحياد الذي لم يبعدهم عن الباطل.

يكفي لهؤلاء أن يدققوا النظر في طريقة تعامل الامام علي، عليه السلام، مع الحكم في عهده، وكيف انه صنع من مسايرته لهم في مختلف شؤون الحكم والقضاء والتشريع، جسراً لتوثيق العلاقة مع المجتمع وتقديم المزيد من المصاديق العملية لما سمعوه من رسول الله في حقه، من؛ العلم والايمان والبصيرة والحكمة، فما كان يشير اليه دائماً من احكام دينية دقيقة في عهد عمر وغيره، كانت تصب في النهاية في الصالح العام، فتنقذ حياة هذا، وتعيد الحق لذاك، وتعزز من السلم الأهلي وتحكيم القيم والمبادئ في اوساط المجتمع، وهذا ما لم ينهض به سائر المقربين والمخلصين له، عليه السلام، وإن كان فهو لا يكاد يرقى الى صنع القاعدة الجماهيرية القادرة على تحمل قمة هرم قيادي يقف عليها أمير المؤمنين، عليه االسلام.

واليوم اذا لم يكن أمير المؤمنين، عليه السلام، بيننا، فاننا نعيش في ظلال منهجه وسيرته ومواقفه، فاذا اردنا الاستضاءة بهذا النور، علينا أولاً وقبل كل شيء توفير المرآة الشفافة التي تعكس هذا الضوء والشعاع على ربوع الامة ليدخل جميع زوايا وجوانب المجتمع الاسلامي الكبير المكون اليوم من شعوب متعددة في العالم، فالشريحة المثقفة والواعية يجب ان تأخذ دورها الحقيقي في تكريس الوعي ونشر الثقافة الأصيلة بما يصنع واقع جديد قائم على القيم المبادئ وليس المصالح والاهواء والرغبات، عندئذ يمكننا القول أننا نجحنا في الخطوة الاولى التي ارادها لنا أمير المؤمنين، عليه السلام، لصياغة أمة مؤمنة وانسان رسالي مسؤول قادر على مواجهة الازمات والتحديات.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13