أشعة الشمس أرادت أن تجود من جديد وتخبر العالم بأن الليل مع سواده قد غادر، وقد بدأت حياة جديدة مدت خيوطها الذهبية لتداعب تلك الوجوه التي أوشكت على الذبول شيئا فشيئا من أثر الصيام، ودفَّأت ثنايا المدينة الى حد أن قلبها بدأ ينبض بسرعة، فقد حان موعد السعادة والفرح، والبيت النبوي بدأ يغير لونه ويستعد لاستقبال اول حفيد طاهر.

وُلد الإمام الحسن (عليه السلام) في منتصف رمضان من السنة الثالثة للهجرة (3 هـ).

أسماه رسول الله حسناً حيث لم يشأ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أن يسبق النبي صلى الله عليه واله في تسميته، وكان أول من سمّيَ بهذا الاسم، والحسين اشتق من هذا الاسم أيضا والمروي أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سمى حسناً وحسينا عليهما السلام، واشتق اسم حسين من اسم حسن-1-، وعن جعفر بن محمد (عليه السلام) أن فاطمة (عليها السلام) حلقت حسناً وحسيناً يوم سابعهما ووزنت شعرهما فتصدقت بوزنه فضة.

نشأة الامام الحسن عليه السلام

طفولة الامام الحسن عليه السلام كانت فريدة حيث الترعرع في حجر النبوة والإمامة حيث عاش في جو مملوء بالعطف والحنان، فالروايات تحدثنا أن الرسول كان يحمله على عاتقه وهو يقول: «اللهم إني أُحبه فأحبَّه»، وعن عائشة انه كان يأخذه فيضمه ويقول: «إن هذا ابني وأنا أحبه وأحب من يحبه».

كان أعبد أهل زمانه

كان عليه السلام أعبد أهل زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، فإذا حج حج ماشياً، كما أنه إذا ذكر القبر والبعث والنشور والممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله شهق شهقة يغشى عليه منها*2.

كان أكرم أهل زمانه

أنفق الإمام الحسن كل ما يملك مرتين، وقسّم أمواله في سبيل الله ثلاث مرات وحجّ الإمام 25 مرة ماشيا*3.

من درر الحسن المجتبى

- هلاك المرء في ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد، فالكبر هلاك الدين، وبه لعن إبليس والحرص عدو النفس، وبه خرج ادم من الجنة، والحسد رائد السوء، ومنه قتل قابيل هابيل.

- القريب من قربته المودة وان بعد نسبه، والبعيد من باعدته المودة وان قرب نسبه.

- لقضاء حاجة أخ لي في الله أحب من اعتكاف شهر.

- المزاح يأكل الهيبة، وقد أكثر من الهيبة الصامت.

- إن الله لم يخلقكم عبثا، وليس بتارككم سدى، كتب آجالكم، وقسم بينكم معائشكم، ليعرف كل ذي لب منزلته، وأن ما قدر له أصابه، وما صرف عنه فلن يصيبه.

لماذا صلح الامام الحسن عليه السلام مع معاوية؟

عصر الامام الحسن عليه السلام كان صعبا جداً، حيث كانت هناك فِرقاً مختلفة تريد النيل من الإسلام، وكل فرقة كانت تريد إعلاء كلمتها، لذلك كان صلح الامام الحسن عليه السلام مع معاوية بمثابة قيام الامام الحسين عليه السلام على يزيد، حيث إنهما فعلا الأصوب والأحسن في مكانه وما يرضي الله.

والامام الحسن عليه السلام كان يعرف أصحابه ونواياهم، ولم يكن قلبه مطمئناً إليهم وكان يعلم أنهم لا يوفون بعهودهم، ولم تكن مواثيقهم رصينة وان آخر الامر ستكون الغلبة لمعاوية، ومع ذلك أراد أن يلقي الحجة عليهم لعله باستنهاضهم وتشجيعهم يلحقوا بجبهات القتال، فقام فيهم خطيبا مرات عديدة وتكلم عن ذلك كثيرا ولكنهم لم يسمعوا له.

وقد ذكر الشيخ المفيد رضوان الله عليه: انه سار معاوية نحو العراق ليقلب عليه، اي الامام عليه السلام فلما بلغ جسر منبج عشر فراسخ عن حلب، تحرك الامام وبعث حجر بن عدي يأمر العمال بالمسير، واستنفر الناس للجهاد فتثاقلوا عنه، ثم خفر معه أخلاط من الناس بعضهم شيعه لأبيه، وبعضهم محكمه يؤثرون قتال معاونيه بكل حيله، وبعضهم اصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكاك، وبعضهم اصحاب عصبيه اتبعوا رؤساء قبائلهم، لا يرجعون الى الدين، هذا المزيج الغريب من المجتمع الكوفي خرج مع الامام الحسن، لذلك عندما امتحنهم الامام في مرات عديدة وخطب فيهم قائلاً: الحمد لله كلما حمده حامد، واشهد ان لا اله الا الله كلما شهد له شاهد، واشهد ان محمدا عبده ورسوله، ارسله بالحق وائتمنه على الوحي، اما بعد، فو الله اني لأرجو ان أكون قد أصبحت بحمد الله ومنه، وانا انصح خلق الله لخلقه، وما أصبحت محتملا على امر مسلم ضغينة، ولا مريدا له بسوء ولا غائلة، وان ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة، واني ناظر لكم خيرا من نظركم لا نفسكم، فلا تخالفوا أمري ولا تردوا على رأيي، غفر الله لي ولكم، وأرشدني وإياكم لما فيه المحبة والرضا. قال: فنظر الناس بعضهم إلى بعض، وقالوا : ما ترونه يريد بما قال؟ قالوا: نظن انه يريد ان يصالح معاوية ويسلم الامر إليه، فقالوا: كفر والله الرجل وشدوا على فسطاطه، فانتهبوا، حتى اخذوا مصلاه من تحته – الخ.

شرح الامام الحسن خطورة الموقف وطلب من الناس تحمل مسؤولياتهم تجاه العدو، إلا انه عميت ابصارهم عن مناصرة الحق ومقارعة الباطل، فاختاروا لأنفسهم حياة الذل وحب الدنيا الذي لم ينلها فيما بعد وخسروا الدنيا والاخرة، وقد أدى هذا الانزلاق إلى مآسي رهيبة ونتيجة سلبية في غاية الخطورة، بسبب مواقفهم وأثبت لهم بأنهم ليسوا أهلاً للحرب وإنه سوف يفقد أصحابه الخلص في هذه الحرب.

لذلك لم يبقَ أمامه سوى الصلح مع معاوية لينقذ الاسلام والمسلمين من الهلاك، فسلام على سيد شباب اهل الجنة، كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحسن والحسن سيدا شباب اهل الجنة وإمامان قاما أو قعدا...

---------------------
المصادر:
1. ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، مؤسسة الأعلمي ط 1 : 16 / 210
‎2-المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، أعلام الهداية، ج4، ص33.
‎3-السنن الكبري للبيهقي، 4/331، ترجمة الإمام علي
‎ من تاريخ دمشق ص 142 ح 236

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6