عظيمة ولدت يسبقها نورها المتلألئ..
وعظيمة توفيت وتركت لنا ضياء ذلك النور..

 

ولدت ساجدة لله خضوعاً ونجوعاً، وحمداً وشكراً، فأشرقت الأرض بنور ربها، وأزهر الكون بلألاء الزهراء وبرعم البشر في قلب رسول الله(ص)، وفاضت الفرحة في قلب السيدة خديجة بنت خويلد سلام الله عليها، فاحتضنت النور الباهر، وضمت وليدتها الزهراء سلام الله عليها، ولا أدري بعدئذ أيهما أرضع الآخر لبن السيادة والشرف، ومن أيهما سرى للآخر نور الإيمان والتوحيد، وبصائر الهداية والتقوى، وذخائر الزهد بالدنيا والصبر على المكاره والنوائب.

عظيمة ولدت سيدة نساء العالمين في حضن سيدة نساء العالمين وكنف خير البشر على الإطلاق، وسيد الأنبياء والمرسلين ـ لتكون عديمة النظير لا يكافئ قدسها إلا أحلم الناس حلماً وأعلمهم علماً وأمضاهم عزماً وأرسخهم قدماً وأولهم سلماً علي بن أبي طالب….

عظيمة ولدت لتتحمل أعباء الوحي الذي نزل على أبيها الرسول، ولتكون الصديقة الطاهرة البتول، ولتكون الكوكب الذي يتحدى الأفول إذا أفلت كواكب الكون، وغارت نجومه وفاضت أنواره.

عظيمة ولدت لتكون النور الساري في قلب صاحب الرسالة، فتكون السند والعماد عندما يغيب السند والعماد، وتكون البنت المطيعة والأم الحانية والراعية الوفية لصاحب الرسالة العظمى، هل سمعت على مدار التاريخ بنتاً سميت أم أبيها سواها؟ حتى كانت إذا أقبلت لا تخرم مشيتها مشية أبيها، فهي هو خلقاً وخُلقاً وحقيقة ومظهراً.

كانت تتخلق بأخلاق رسول الله ورسول الله خلقه القرآن، فكانت قرآناً ناطقاً غابت حقيقته عن شانئيها ومبغضيها، وكانت بضعة منه يؤذيها ما يؤذيه ويؤذيه ما يؤذيها، فغاب ذلك عن عقول وقلوب من تعمدوها بالأذى، وامتدت أيديهم وألسنتهم لها بالسوء، فتوفيت وهي غضبى عليهم واجدة من خطتهم وسلوكهم، قالية لهم، وغضبها من غضب الله ورسوله، مهجور من هجرته، مقليٌّ من قلته، مسخوط على من سخطت عليه.

كانت نوراً سرى في البرية وضاءً ألقاً متلألئاً، فاستقبلته قلوب وأغلقت دونه قلوب، واستبصرت به أعين وعشيت عنه أعين، حرمت من نعمة الضياء، وأعشاها الضوء، فعميت عن تتبع أثر النور وتلمس طريق الحق.

عظيمة ولدت لتقاسم أبا الحسن نوائب أمة عقت هاديها، وعصت أوامر باريها، فتنكبت الصراط المستقيم، ومالت عن الطريق القويم، وصوت القرآن المجلجل في الآذان بل في الأكوان (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيل الله)(الأنعام: 153)، وصوت صاحب الرسالة يناديهم: أوشك أن أدعى فأجيب، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير قد أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

وليتهم اكتفوا بالازورار عن السفينة كما فعل ابن نوح حيث مضى يلتمس جبلاً يعتصم به من الماء، لكنهم أقبلوا على السفينة بمعاولهم وفؤوسهم يحطمون ويكسرون، كما أقبل قوم صالح على الناقة يعقرونها وينحرونها، لأن وجودها كان حاجزاً لهم عن الميل إلى المعاصي والغرق في الشهوات والانصراف إلى المصالح الدنيوية العاجلة.

يا هول ما انصرفوا عن سفينة الهدى إلى سفينة الزيغ والضّلال!!

ويا هول ما اقترفوا حين راحوا يجمعون الحطب لإحراق سفينة أهل البيت يوم أحاطوا بالدار، ويا قبح وجوه استطلعتها الزهراء حين أطلّت من الباب، فإذا بها ترى ناساً قد مسخت ووجوهاً قد شاهت ونيراناً قد أوقدت وصوارم قد سلت، ونطق الحق على لسانها فقالت:

(لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم دون مشورتنا!! لم تستأمرونا ولم ترعوا لنا حقنا ثم جئتم تغيرون علينا وتحرقون بيتنا؟!)

ثم التفتت تستقبل المثوى الطاهر لأبيها(ص) تقول: (يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من فلان وفلان)؟

عظيمة عاشت على قصر عمرها الشريف تقابل محن أهل بيت النبوة والرسالة محنة تلو أخرى، دخان يتصاعد من الحطب خارج الدار، وأقدام غليظة تر كل الباب فينفتح، أيد آثمة تمتد إلى الزهراء تصفع وجهها وخدّها، أسواط تلسع صدرها وظهرها، دفعة قوية طائشة من قبضة غليظة تقع على بطنها فتسقط الزهراء على الأرض مغشياً عليها، ويخلو الطريق للجموع المندفعة فيخرجون جميع من في الدار ويجبرونهم على البيعة كرهاً.

ووقف الحسنان وأختاهما زينب وأم كلثوم وهم ينظرون بدهشة وحيرة تارة إلى أبيهم الملبب بعمامته يجرّه رجال من أمامه ويدفع آخرون في ظهره وهو مستسلم لا يمانع ولا يدافع وينظرون تارة إلى أمهم فاطمة طريحة على الأرض وهي تصرخ من الألم، وفضة تحتضن مولاتها البتول، وتحاول وهي تبكي أن تواسيها وتخفف عنها بعض آلامها وتساعدها على التخلص من الجنين (المحسن) الذي أسقطته تلك الاعتداءات الآثمة.

تصحو الزهراء من غشيتها وتسترد بعض أنفاسها وتحس أن الدار أصبحت خاوية ممن كانوا فيها وتسمع صراخ أولادها وعويلهم، وتدير النظر فيمن حولها، وتسال فضة بلهفة وخوف:

أين أبو الحسن يا فضة؟ ويأتيها جواب فضة:

أخذوه إلى المسجد ملبباً مكبلاً يا مولاتي.

تستجمع فاطمة كل قواها وتتغلب على آلامها المبرحة، وتنتفض كاللبوة الجريحة ثم تهرول مسرعة إلى المسجد فما راعها إلا فلان يقول لعلي والغضب في وجهه والجد باد في لهجته وعلى عينيه:

ـ إما أن تبايع أو والله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك.

إنه التهديد الواضح بالقتل مشفوعاً بالقسم المؤكد واللهجة الحاسمة، فطار قلبها شعاعاً وهجمت عليهما ـ فلان وفلان ـ كاللبوة هوجم عرينها وصاحت بهما:

ـ ويحكما أوصل الأمر بكما أن تقتلوا أخا رسول الله وابن عمه ووصيه وخليفته فيكما؟! أفلا يكفيكما أنكما اغتصبتما حقه وقمتما مكانه، فتريدان اليوم أن تقتلاه؟! بئسما خلفتما رسول الله في أمته وأهل بيته.

أخذت فاطمة زوجها علياً وانطلقت به عائدة إلى البيت تجر آلامها، وتجتر غصصها، وتغالب وهن جسمها بماضي عزيمتها.

أوت فاطمة إلى بيتها ترعى الحسنين والزينبين، وانصرف أبو الحسن إلى القرآن الكريم يجمعه، أغلقوا عليهم بابهم وخلفوا فتنة السامري وراءه وانصرفوا لما هو أوسع لهم.

لكن أنى للسامري أن يتركهم وما تفرغوا له، ومتى كان الفراعنة يتركون الناس وشؤونهم؟ كان لابد من فتنة جديدة، وكانت (فدك) هي تلك الفتنة الجديدة والاختبار الثاني للأسرة الهاشمية بعد اختبار الخلافة.

أراد فرعون وهامان أن يجرداهما من المال بعد أن جرداهما من السلطان.

وما كان لمثل فاطمة أن تسكت على ظلم حاكم وجوره! إنها لو فعلت لتعود المظلوم على الاستسلام للظلم ولازداد الظالم جرأة وإقداماً على الجور والظلم.

فكيف لها أن تؤثر الجلوس في بيتها وتسكت على هذا الابتزاز الجديد؟!

أم كيف لها أن تتخاذل عن مواجهة المحنة الجديدة وهي لا تجهل أن القضية محبوكة من قبل السلطة وأزلامها وأنها ستكون خاسرة لهذه القضية رغم المواجهة!!

وقررت فاطمة! فلتخسر القضية ولتربح الموقف السليم، لتخسر (فدك) وتربح ترسيخ تعاليم الرسالة في مواجهة الظلم وعدم السكوت على الجور.

قررت الزهراء أن تنبري للمطالبة بالحق وفضح الظلم والجور لتكون بذلك أسوة وقدوة لكل مظلوم فينتصب لظالمه يطالبه برفع الظلم عنه وإعادة الحق لصاحبه.

ترى ما رأي أبي الحسن في هذه القضية الجديدة؟! ويأتيها جواب أبي الحسن واضحاً لا لبس فيه ولا غموض:

امض يا ابنة رسول الله إلى فلان فطالبيه بحقك، فمثلك لا يسكت عن الحق، ولا يغض الطرف عن الباطل، وإن كنت أعلم كما تعلمين أنهم قد أجمعوا على ظلمك وهضمك حقك كما اجمعوا أمرهم على ظلمي وهضمي حقي.

وخسرت الزهراء (فدك) لكنها زودت الأمم بدستور مقدس، وتركت للتاريخ كنزاً تتلألأ درره بين الحين والآخر، وخلقت لكل ثائر على الظلم راية مقدسة تستظل بها الثورة على حكام الجور وسواء انتصرت الثورة أو فشلت، وسلم الثائر أو قتل، فان هذه الراية ستظل مرفوعة تنادي أصحاب الضمائر الحرة والقلوب المستنيرة والعقول المفتوحة لسماع نداء الحق على لسان الزهراء يجبه المتآمرين: (فلما اختار الله لنبيه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهر فيكم حسيكة النفاق وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق المبطلين وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر).

(ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها ثم أخذتم تورون وقدتها وتهيجون جمرتها وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي وإخماد سنن النبي الصفي. تسرون حسواً في ارتغاء وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء ونصبر منكم على مثل حر المدى ووخز السنان في الحشا. إيها بني قيلة أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى مني ومسمع ومنتدى ومجمع توافيكم الدعوة فلا تجيبون وتأتيكم الصرخة فلا تعينون، وانتم موصوفون بالكفاح معروفون بالخير والصلاح!!).

(ألا وقد أرى أنكم قد أخلدتم إلى الخفض وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض وركنتم إلى الدعة.

ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ولكنها فيضة النفس وبثة الصدر ونفثة الغيظ وتقدمة الحجة فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر نقبة الخف باقية العار موسومة بغضب الله وشنار الأبد موصوفة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة فبعين الله ما تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

كانت هذه صرخة في وجه من انتزع منها فدك بغير حجة بينة ولا برهان صادق، وللزهراء(ع) صرخة أخرى بقيت إلى الأبد تلاحق باطل من انتزعوا الخلافة من زوجها علي… ذلك أن نساء المهاجرين والأنصار جئن بيت فاطمة(ع) يعدنها في مرضها الأخير وقالت لها إحداهن:

كيف أصبحت من علتك يا بنت رسول الله؟!

فجاء جواب الزهراء عميقاً بعيد الغور طويل المدى باقي الصدى، قالت(ع)

(أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحاً لفلول الحد، واللعب بعد الجد، وقرع الصفاة وصدع القناة، وخطل الآراء وزلل الأهواء لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون.

لا جرم لقد قلدتهم ربقتها وحملتهم أوقتها، وشننت عليهم غارتها، فجدعاً وعقراً وبعداً وسحقاً للقوم الظالمين

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين؟! ألا ذلك هو الخسران المبين.

وما الذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه والله نكير سيفه وقلة مبالاته بحتفه، وشدة وطأته ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عز وجل.

فوالله لقد مالوا عن المحجة اللائحة وزالوا عن قبول الحجة الواضحة، وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله إليه لردهم إليها وحملهم عليها ولسار بهم سيراً سجحاً، لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً روياً فضفاضاً تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطاناً ونصح لهم سراً وإعلاناً دون أن يتحلى من الغنى بطائل أو يحظى من الدنيا بنائل، غير ري الناهل وشبعة الكافل، ولبان لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب، ألا هلم فاستمع ما عشت أراك الدهر عجباً وان تعجب فقد أعجبك الحادث، ليت شعري إلى أي سناد استندوا وعلى أي عماد اعتمدوا، وبأي عروة تمسكوا؟ استبدلوا والله الذنابا بالقوادم والعجز بالكاهل، فرغماً لمعاطس قوم ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً وذعافاً ممضاً مبيداً هنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون، ثم طيبوا من دنياكم نفساً وطمأنوا للفتنة جأشاً وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم وهرج دائم شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً وجمعكم حصيداً فيا حسرة لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟)

ثقل المرض بالزهراء وبرحت الآلام بالصابرة المجاهدة، وأحست بدنو الأجل واستبشرت بلقاء الله وأبيها رسول الله، فرنت إلى علي باسمة للمرة الأولى والأخيرة منذ وفاة أبيها، واعتنق الإمام زوجته الطاهرة البتول وجاشت الخواطر الكسيرة وهاجت العواطف الأسيرة، وانهمرت من مآقيها الدموع علها تطفئ نار الجوى التي أوشكت أن تقضي على الجسد الناحل، وقالت الزهراء لعلي:

ـ إنه قد نعيت إلي نفسي وأنا اليوم لاحقة بأبي فانتصف لنفسك مني في حياتي قبل موتي.

ـ معاذ الله أيتها الصدِّيقة أنت والله أبر وأتقى من أن تتقدمي إلي بتقصير أو مخالفة.

ـ أسألك يا ابن عم فأجبني ولا تكتم عني فأنت الصديق الأكبر هل وفت بنت محمد بما يليق بها وقامت بما يترتب عليها تجاه ربها ونبيها وإمامها؟!

ـ وهل تطيق امرأة سواك أن تقوم بما قمت به؟! لقد بلَّغتِ أُمَّةً فأبلغت، وخاطبت قوماً فأفصحت وخاصمت مبطلاً فخصمت وأعذرت بكل ذلك إلى الله.

ـ هل تشهد لي بذلك عند ربي وأبي؟

ـ نعم والله أشهد وحسبك الرب شاهداً.

ـ وهل أنت راض عني يا خيرة الخلق بعد أبي؟

ـ كل الرضى يا بهجة القلب وقرة العين.

ـ شهادتك لي ورضاك عني يا أبا الحسن سكن لنفسي وشفاء لما في صدري، وإني لملقية إليك بوصية إن نفذتها وإنك لفاعل لبسهم عارها مدى الدهر، ولزمهم شنارها بعد انقضاء العمر إلى قيام الساعة، ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون.

ـ أوصني بما شئت يا بنت رسول الله تجدينني وفياً أمضي لما أمرتني به وأختار أمرك على أمري.

ـ اصبر لأمر الله وارض بقضائه، تزوج بعدي أمامة ابنة أختي زينب فإنها تكون لولدي مثلي، وأوصيك لا يشهدن جنازتي أحد من هؤلاء الذين ظلموك وظلموني وأخذوا حقك وحقي فانهم عدوي وعدو رسول الله أبي، ولا يصلين علي أحد من أتباعهم وادفني بالليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار وعَفِّ على قبري.

أغمضت الزهراء عينيها ومدت رجليها ووضعت يديها على جنبيها وسكنت متجهة إلى القبلة وكأنها لم تكن حية قط.

يا لها من مصيبة ما أفجعها وما آلمها وما أمضها وأحزنها.

وما إن جن ليل المدينة حتى انطلق الإمام بجنازة الزهراء في قلة من المشيعين المحبين، يخيم عليهم السكون ويرين عليهم الصمت ويرافقهم الحذر، ويهيمن عليهم الإشفاق من طوارئ المفاجآت.

دفنت بنت خاتم الأنبياء والرسل سراً وليلاً وضاع قبرها بين القبور، بسبب حمأة الغفلة وطين الجهالة وغمرة الأهواء وسوء تقلب الأنواء، فواهاً لأمة جهلت قدر بنت نبيها بعد أن فلت عزائمها التواءات الآراء وثلمت صواريها تقلبات الأنواء، وعشيت بصائرها عن جلال الأنوار المكتسية بجمال الضياء.

وضرب الناس كفاً بكف بعد فوات الأوان هامسين:

لم يخلف فينا نبينا إلا بنتاً واحدة، تموت وتدفن ولم نحضر وفاتها ولا الصلاة عليها ولا نعرف قبرها فنزورها؟!!

لم تنته قصة حياة سيدة النساء.

لم تخمد تلك الشعلة الوقادة ولم ينحسر بهاء نورها الذي يهدي المحبين وينير الدرب للسالكين، ويتفاعل في قلوب عشاق الحقيقة جيلاً بعد جيل، ولم تنتكس تلك الراية التي لا يزال يرفعها المجاهدون ويستظل بظلها الوارف السائرون.

حتى إذا كان ذلك اليوم وأزفت ساعة النشور وقام الناس من القبور، وحشروا جميعاً على صعيد الحساب، نظر الجميع إلى كوكب دري قد أضاء سناه الموقف، فإذا فاطمة بنت محمد قد زهر نورها في كوكبة عظيمة من ملائكة الله قد أقبلت تحيط بها وتسير في ركابها وتحف بها وتقوم بخدمتها.

وانشق صمت الزمان عن صوت النداء:

يا معشر الخلائق نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد على الصراط إلى الجنة.

فسلام على عظيمة شع نورها في السماء قبل أن يزهر في الأرض.

وسلام على صديقة خلقت حورية في جنة الخلد قبل أن تولد إنسية في قداسة المهد.

وسلام على صابرة مجاهدة زاهدة عابدة من المهد إلى اللحد.

* مقال نشر في مجلة النبأ العدد 48

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0