لم ولن يمتلك التاريخ البشري بما يحتوي من أديان سماوية ووضعية وأفكار ونظريات علمانية امرأة ناضلت وضحت ودافعت عن معتقداتها كزينب عليها السلام (إلا امها الصديقة الكبرى فاطمة عليها السلام)، ولم ولن يمتلك التاريخ الإسلامي امرأة حمت الرسالة المحمدية وكانت حلقة مهمة في استمرارها كزينب عليها السلام.

فقد رافقت امها سيدة نساء العالمين عليها السلام عندما قادت أعظم ثورة في التاريخ الإسلامي ضد قادة السقيفة الذين سرقوا الخلافة من قائدها الشرعي وكان عمرها خمسة سنوات، فنقلت للعالم أروع وأهم وأخطر خطبة ثورية أظهرت وفضحت جميع القيادات التي انقلبت على أمر الله سبحانه وتعالى، حتى اصبحت هذه الخطبة المشعل الذي ينير الطريق لطلاب الحق في كل الأزمنة.

وبقت السيدة زينب عليها السلام ترافق القيادة الشرعية التي نصبها الله سبحانه وتعالى لقيادة الدين والدنيا وتعيش معاناتها وهمومها ومظالمها وتضحياتها من أجل الحفاظ على الرسالة المحمدية السمحاء ومن ثم الحياة الكريمة لكل البشرية، حتى حانت ساعة الصفر لانطلاقة الثورة الحسينية الكبرى لتصحيح الانحراف وإرجاع الأمة الى طريق الإسلام الحق بعد أن كادت تهوي الى عبادة الأوثان ثانية، فتركت الزوج والبيت وملذات الدنيا والتحقت بركب سيدها وإمامها وأخيها ابا عبد الله الحسين عليه السلام وهي تعلم علم اليقين بما سيدور بها وبأهلها من معاناة وآلام وتضحيات جسام.

فركبت ناقتها بكل شجاعة وكبرياء وعنفوان وتصميم على مواجهة الظلم والاستكبار والكفر المتمثل بالخط الأموي المنحرف عن طريق الرسالة المحمدية، فكانت الرفيقة الصابرة الشجاعة التي دعمت ابا الأحرار عليه السلام في ساعات المحن ووقفت بجانبه في مقارعة الجيش الأموي، ولم تخاف أو تقلق أو تقل معنوياتها وهي تواجه هذا الجيش لوحدها بعد استشهاد أخيها الحسين عليه السلام وأبنائه وأبنائها وأخوتها وأصحابه.

بل وقفت بكل شجاعة وصبر وحزم وهي تلقن هذه الجموع التي باعت نفسها الى السلطان الدروس تلو الدروس بالشجاعة والصبر والمبادئ، فقامت بالدفاع عن الإمامة وحمتها من القتل في ثلاث مواضع في كربلاء من قبل شمر بن ذي الجوشن والكوفة من قبل عبيد الله بن زياد وفي الشام من قبل يزيد بن معاوية، وحمت النساء والأطفال من القتل والتشريد، ولم يذكر لنا التاريخ أن زينب عليها السلام طلبت الماء أو أظهرت العطش بالرغم من العطش الشديد بعد أن قطع الماء عنهم لمدة ثلاث أيام.

فقد حولت النصر المادي لبني أمية في واقعة كربلاء الى هزيمة مادية ومعنوية وسلبت منهم فرحت النصر في عقر دارهم وما بين قادتهم وجيوشهم وعروشهم، حيث واجهتهم بخطب ثورية نارية لم يعرف التاريخ مثلها إلا خطبة إمها الصديقة الكبرى فاطمة عليها السلام في مسجد المدينة حيث قالت للطاغية عبيد الله بن زياد (وحين أُدخلت السيدة زينب (ع) مع السبايا مجلس ابن زياد في الكوفة وقال لها: الحمد لله الذي فضحكم... فقالت: الحمد لله الذي أكرمنا بالنبي محمد (ص)، وطهرنا من الرجس تطهيرا، وانما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا. ثم قال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟. قالت: والله مارأيت الا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا الى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فأنظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة).

ولم تترك السيدة زينب عليها السلام أهل الكوفة من غير أن توبخهم بسبب مواقفهم السيئة إتجاه مقارعة الظلم والركون إليه حيث أومأت الى الناس أن أسكتوا فسكتوا فارتدت الأنفاس وسكنت الأجراس فقالت عليها السلام (بعد الحمد والصلاة على محمد وأل محمد : أما بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل والغدر والمكر أتبكون فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة أو الزفرة إنما مثلكم كمثل التي أنقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف والصدر الشنف وملق الإماء وغمز الأعداء.....).

وبعد أن أذاقت عبيد الله بن زياد الهزيمة في مقر طغيانه ومابين قادته وغلمانه ذهبت الى الشام الى مقر حكم بني أمية وعرش الطاغية يزيد الذي أراد أن يتلذذ بنصره ويفتخر بعمله الشنيع ما بين طبقات حكمه ومن يمثل الحكومات في ذلك الزمن ولكن الصوت الزينبي الهادر لم يترك أي فرصة للطاغية يزيد من استثمارها في إظهار نصره بل جعلت من كلماتها كالمطرقة على رأسه حتى أقر بهزيمته والتبرؤ من مما فعل جيشه.

حيث قالت عقيلة الطالبين للطاغية يزيد (أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسراء أن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك..... فمهلا مهلا أنسيت قول الله تعالى (ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين)، الى أن تقول (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخدريك حرائرك وإمائك وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن وآبديت وجوههن تحدوا بهم الأعداء من بلد الى بلد...... وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا وأضعف جندا ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك أني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك لكن العيون عبرى والصدور حرى....).

بهذه الكلمات النارية جعلت طوق الهزيمة والفضيحة التاريخية تطوق عنق يزيد ومن تبعه الى أخر الزمان، فلم تترك الصديقة الصغرى عليها السلام بني أمية يتلذذوا بالنصر المادي بل جعلتهم يتمرغلون بوحل الخسارة والانهزام والفضيحة الى يوم القيامة، فقد كانت بحق السيدة زينب عليها السلام القائد الأوحد في التاريخ الذي يسلب النصر من أعداءه وهم في عقر دارهم عروشهم وحكمهم وجيوشهم، فهذه هي زينبنا فهل يمتلك العالم زينب مثلها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1