الارهاب لا يعترف بمصطلحات الدول الامنة كما انه لا يخشى من الاجراءات الامنية المشددة حتى وان كانت تلك الاجراءات تتعلق بتامين اعرق بطولة كروية في اوربا، هذا هو لسان حال الفرنسيين وهم يتلقون ضربة ارهابية اخرى بعد مقتل شرطي وزوجته في هجوم ارهابي قرب باريس (الاثنين 13 يونيو/ حزيران 2016)، على يدي مهاجم أعلن ولائه لتنظيم داعش. وقد تحصن بعد ذلك في شقة ضحيته في مانيانفيل في منطقة ايفلين قبل أن يقتل برصاص القوات الخاصة الفرنسية.

وداخل المنزل، عثر رجال الشرطة على جثة صديقة الشرطي وابنهما الذي يبلغ من العمر ثلاثة أعوام "سالما لكن في حالة صدمة". وبعد ساعات أفادت وكالة أعماق المرتبطة بتنظيم داعش أن "مقاتلا" قتل الزوجين بالقرب من باريس.وذكرت مصادر في الشرطة أن الرجل "أعلن انتماءه إلى الجماعة الارهابية" خلال المفاوضات مع القوات الخاصة. وفتحتا نيابة مكافحة الإرهاب تحقيقا في الهجوم.

وشارك الرئيس فرنسوا هولاند في دقيقة صمت في وزارة الداخلية تكريما للضحيتين اللذين قتلا في منزلهما في منطقة باريس بيد العروسي عبالة (25 عاما) الذي اعلن مبايعته لتنظيم داعش. وشاركت كل دوائر الشرطة في البلاد في دقيقة صمت وكذلك في المدينة التي شهدت الهجوم على بعد 60 كلم غرب باريس.

واثار الهجوم الجديد انتقادات فورية من المعارضة اليمينية دفعت رئيس الوزراء مانويل فالس الى الدفاع عن قرارات السلطات الفرنسية. ورفض فالس اتهام اجهزة الاستخبارات ومكافحة الارهاب ب"عدم التيقظ" و"الاهمال" في مراقبة العروسي عبالة المعروف بتطرفه الاسلامي والذي دين في 2013 لمشاركته في شبكة جهادية.

هجمات في المستقبل

وتوقع فالس تعرض فرنسا لهجمات جديدة قائلا "سيموت ابرياء اخرون. انه امر يصعب قوله (...) لكن للاسف هذا هو الواقع". وبعد سبعة اشهر من هجمات 13 تشرين الثاني/نوفمبر في باريس، وهي الاكثر دموية في فرنسا (130 قتيلا)، فان عملية القتل المزدوجة جاءت بعد مجزرة في في اورلاندو في الولايات المتحدة اسفرت الاحد عن مقتل 49 شخصا.

وبعد الهجوم الاخير في فرنسا وهجوم اورلاندو الذي تبناه ايضا تنظيم داعش، اتفق هولاند ونظيره الاميركي باراك اوباما في اتصال هاتفي على "تعزيز التعاون" بين الاجهزة الاميركية والفرنسية في مواجهة "تهديد" ارهابي "في تطور مستمر"، بحسب الرئاسة الفرنسية. واكد هولاند ان درجة التيقظ "رفعت الى مستواها الاقصى" بسبب مخاوف من وقوع اعتداءات خلال كأس اوروبا 2016 الذي يستمر حتى العاشر من تموز/يوليو.

وفي تسجيل فيديو قال العروسي عبالة قبل ان يقتل بايدي الشرطة، "سنجعل من كاس اوروبا (الذي تستضيفه فرنسا حتى 10 تموز/يوليو) مقبرة". وتوعد عبالة في التسجيل الذي نشره على فيسبوك من منزل ضحيتيه "نعد لكم مفاجات اخرى لكاس اوروبا. لن اقول اكثر من ذلك. سنجعل من كاس اوروبا مقبرة"، ودعا الى "قتل شرطيين وصحافيين وحراس السجون ومغني الراب".

ويدعو المتحدث الرسمي باسم تنظيم داعش السوري ابو محمد العدناني بانتظام انصاره الى شن هجمات على الشرطيين والعسكريين في دول التحالف التي تحارب التنظيم المتطرف في سوريا والعراق. وفي 22 ايار/مايو دعا الى تنفيذ عمليات اغتيال خلال شهر رمضان.

وقام عبالة بقتل الشرطي جان باتيست سالفين (42 عاما) مساعد قائد شرطة ايفلين ثم احتجز صديقته جيسيكا شنايدر (36 عاما) التي تعمل موظفة ادارية في المخفر المجاور قبل ان يذبحها امام طفلهما البالغ ثلاث سنوات ونصف سنة والذي عثرت عليه السلطات "في حالة صدمة" وتم نقله الى المستشفى.

واوقفت السلطات ثلاثة مشتبه بهم في ال27 وال29 وال44 من العمر، اثنان منهم كان حكم عليهما مع عبالة في العام 2013 في قضية خلية باكستان واحدهما توجه الى باكستان في كانون الثاني/يناير 2011 قبل ان يتم توقيفه بعدها بثلاثة اشهر ويبعد الى فرنسا. ومنذ مطلع العام 2016 ركزت الشرطة على علاقة محتملة له بخلية تجند الشبان للقتال في سوريا.

حالة حرب

زعيم حزب "الجمهوريين" الفرنسي والرئيس السابق، نيكولا ساركوزي اقترح في مقابلة نشرتها ست صحف أوروبية بينها الفرنسية لوفيغارو ولا ريبوبليكا الإيطالية وودي فيلت الألمانية وآل بايس الإسبانية ، "عزل كل المعتقلين الإسلاميين ودعا إلى "إنشاء جهاز للاستخبارات للسجون بشكل عاجل" بعد اعتداء أورلاندو وقتل شرطيين في بلدة منيانفيل.

وقال ساركوزي "نحن في حالة حرب". وأضاف "إنها حرب خارجية ضد داعش وحرب داخلية ضد مواطنينا الذين يتبنون الإسلام الراديكالي". وأضاف "إذا أردنا مكافحة عدونا، فيجب تحديده: إنه التيار الجهادي والتيار الإسلامي الراديكالي اللذان يتغذيان من بعضهما البعض". وغداة اجتماع لحزبه حول القضايا الدولية، قال ساركوزي الذي يشارك في المنتدى الاقتصادي لسان بطرسبورغ إنه "يقترح أربعة إجراءات لتطبق فورا" من أجل مكافحة الإسلام المتطرف.

وأضاف "أولا يجب عزل كل المعتقلين الاسلاميين لأن هناك حملة دعوية يجب مكافحتها في السجن. ثانيا، أطلب إنشاء جهاز استخبارات للسجون. يجب ألا نكتفي بالإصغاء للأصوات، أي التنصت في الزنزانات بل يجب أن يكون هناك استخبارات بشرية مثلما يجري في أماكن العبادة المتطرفة وداخل المجموعات الراديكالية".

وتابع حول السجون أيضا أن "حراس السجون يجب أن يتم إلحاقهم بوزارة الداخلية وليس بوزارة العدل بعد الآن لأنهم طواقم أمنية وأضاف الرئيس الفرنسي السابق "ثالثا، أي شخص أجنبي أو يحمل جنسيتين على علاقة بنشاطات او شبكات إرهابية يجب أن يطرد بلا تأخير. لتستخدم حالة الطوارئ في هذا المجال على الأقل!". وأشار إلى "أننا لا نملك وسائل مراقبة 11 ألفا و500 شخص لهم ملفات أمنية 24 ساعة على 24 ساعة وكل الذين تحركوا بلا استثناء رصدوا في وقت ما".

وأكد ساركوزي على أن إجراء الطرد "لا يطبق سوى على الذين يتمتعون بجنسيتين" لأنه لا يوافق على "ايجاد أشخاص بلا جنسية". وأخيرا، طلب ساركوزي "فرض الإقامة الجبرية على أي شخص يشتبه بعلاقته بشكل مباشر أو غير مباشر بنشاطات إرهابية واستخدام السوار الإلكتروني لمتابعة تحركات هذا الشخص بلا توقف".

تظاهرات ضد قانون العمل

الجماهير التي جاءت الى فرنسها للاستمتاع باجواء البطولة الاوربية لم يهدأ لهم بال فبعد هجوم على الشرطيين أعلنت مديرية الشرطة في باريس أن سيارة نقل عام أحرقت من قبل "شخص مقنع"، ثم أضرمت النار بسيارتين تعملان بالكهرباء في شرق العاصمة الفرنسية. وكانت المركبات فارغة من أي ركاب، وكان ذلك بعيد تظاهرة مناهضة للحكومة، بحسب ما أعلنت الشرطة الفرنسية.

وشهدت باريس (الثلاثاء 14 يونيو/ حزيران 2016)مواجهات عنيفة عندما قام مئات الملثمين برشق عناصر الشرطة بكل ما وصلت إليه أيديهم، على هامش تظاهرة ضمت عشرات آلاف الأشخاص احتجاجا على إصلاح قانون العمل، ما أسفر عن سقوط نحو 40 جريحا.

وتشهد فرنسا تظاهرات وحركة احتجاجات واسعة ضد إصلاح قانون العمل منذ أذار/مارس الماضي، وغالبا ما تتخلل هذه التحركات مواجهات مع قوات الأمن التي هي أصلا في حالة جهوزية خوفا من اعتداءات إرهابية.

وقالت مديرية الشرطة لوكالة فرانس برس إن سيارة نقل عام أحرقت من قبل "شخص مقنع"، ثم أضرمت النار بسيارتين تعملان بالكهرباء في شرق العاصمة الفرنسية. وكانت المركبات فارغة من أي ركاب. وأضافت المديرية أن الهدوء عاد إلى الحي مع نهاية المساء.

واعلنت النقابات المشاركة في التحرك ان نحو 1،3 مليون شخص شاركوا في التظاهرات في كافة انحاء فرنسا، في حين ان الشرطة قدرتهم ب125 الفا بينهم ما بين 75 الفا و80 الفا في باريس. وقال اورليان بوكلمون (26 عاما) وهو تقني يعمل في قطاع الطاقة "انا اشارك في كل التظاهرات منذ اذار/مارس لانني اريد ان اعيش بكرامة واريد السحب الكامل لقانون العمل. ولن تتوقف الاحتجاجات طالما لم يسحب هذا القانون".

من جهتها، تأمل الحكومة الاشتراكية في ان يكون هذا التحرك الذي سيتركز في باريس، الاخير في سلسلة الاحتجاجات غير المسبوقة خلال حكم اليسار منذ 1981. الا ان الامين العام للكونفدرالية العامة للعمل (سي جي تي) فيليب مارتينيز كان رد على الذين "يتوقعون" تراجع حركة الاحتجاجات، بالقول ان تظاهرة الثلاثاء ستضم حشودا "لم نشهد مثلها" منذ شباط/فبراير.

فالكونفدرالية التي خصصت اكثر من 600 حافلة من جميع انحاء فرنسا للنقل الى العاصمة تحدثت عن جمع مشاركين يفوق عددهم يوم 31 اذار/مارس حيث احتشد نحو 390 الف شخص في 250 مدينة بحسب السلطات و1,2 مليون بحسب المنظمين.

ودعي للتظاهر في نحو 50 مدينة وبلدة في كافة انحاء فرنسا. ففي ليون (شرق الوسط) هتف المتظاهرون "الشبان يقاسون والمسنون بائسون، لا نريد مجتمعا كهذا" وعندما مروا قرب مشجعي منتخب بلجيكا في كاس اوروبا هتفوا "بلجيكا معنا!"

اغلاق برج ايفل

واقيمت حواجز في برست (غرب) وعم الاضراب ميناء مرسيليا (جنوب). كما طالت التحركات قطاع الطاقة مع انخفاض الانتاج في عدد من المحطات وقطع خطوط التوتر العالي في منطقة باريس بحسب النقابة العمالية.

كما اغلق برج ايفل ابوابه في العاصمة نتيجة اضراب جزء من موظفيه، وارتفعت نسبة المضربين في السكك الحديد بعد 14 يوما على بدء تحركهم الى 7,3% الثلاثاء من جميع الفئات، مقابل 4,6% الاثنين الماضي.

يأتي ذلك بينما بدأ مجلس الشيوخ الفرنسي الذي يهيمن عليه اليمين دراسة مشروع قانون العمل. وسيناقش اعضاء المجلس حتى 24 حزيران/يونيو مشروع القانون الذي فرضته الحكومة على الجمعية الوطنية بموجب بند في الدستور (المادة 3-49). ثم يفترض ان يجري تصويت في مجلس الشيوخ حيث لا يمكن اللجوء الى الاجراء نفسه، في 28 حزيران/يونيو.

بالتالي تقرر تنفيذ يومين من الاضرابات والتظاهرات في جميع انحاء البلاد في 23 و28 حزيران/يونيو. ومن المقرر عقد اجتماع الجمعة بين زعيم الكونفدرالية ووزيرة العمل ميريام الخمري. وقبل عام من الانتخابات الرئاسية، تؤكد الحكومة الفرنسية ان هذا الاصلاح الكبير الاخير في عهد الرئيس فرنسوا هولاند يهدف الى توفير مرونة للشركات لمكافحة بطالة مستشرية تصل الى نحوى 10%. لكن معارضي المشروع يرون انه يضعف الامن الوظيفي.

ومع انطلاق بطولة اوروبا اساءت التحركات الى صورة فرنسا وخصوصا الى قطاع السياحة الذي اثقلت كاهله اصلا اعتداءات 2015. كما شهدت الاحتجاجات تصعيدا منذ عشرة ايام مع فتح عمال جمع النفايات وطياري "اير فرانس" جبهة اضرابات اخرى اعتراضا على ظروف عملهم. كما نشر استطلاع للرأي كشفت نتائجه ان اكثرية ضئيلة من الفرنسيين (54 بالمئة) باتت ترفض مواصلة الاضرابات والتظاهرات. وكانت النسبة قبل ثلاثة اسابيع عكس ذلك تماما.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0