بعد "الربيع العربي"، جاء الصيف المتشدد الذي لهبت ألسنة النار فيه، والتي أججها الفراغ الذي خلفه سقوط الانظمة في تلك الدول، مما جعل الملاذ آمنا في ليبيا مثلاً لتكون مصدرا للانتحاريين.

وعلى الرغم من ان التاريخ الطويل للجماعات الارهابية المتطرفة في دول المغرب العربي لاتزال هذه الدول تكافح ما أجل انهاء هذا الفكر.

فالجزائر شهدت عقداً من العنف الدموي، وإن كان السبب يرتبط بمنع الإسلاميين من تسلم السلطة بعد فوزهم في الانتخابات في البلاد بداية التسعينات. إلا أن العائدين من أفغانستان، الذين لم يشاركوا في الانتخابات أصلاً، كانوا قد بدأوا في تشكيل مجموعات مسلحة منذ البداية. وأراد آخرون ممن عادوا من أفغانستان، إعادة التجربة في أماكن أخرى، فشاركوا في القتال في البوسنة، وطاجيكستان، والشيشان.

وبعدما استطاعت الجزائر القضاء شبه التام على وجود التنظيمات الاسلامية المتشددة، لازالت تعاني الى الآن من بروز تجمعات وشخاص هنا وهناك يستهدفون الجيش الجزائري، او خلايا نائمة او فاعلة تصدر المفخخين عقليا الى مناطق الصراع.

وبعد حلول ما يسمى بالربيع العربي، استطاع الاسلاميون الصعود الى الواجهة ومسك مقاليد الحكم في تونس وليبيا ومصر، وكل هؤلاء الاسلاميين ينتمون الى الاخوان المسلمين الذي يتخذون من فكر سيد قطب منهاجاً لهم أي الفكر المتشدد، لكن سرعان ما انطفأ نجم الاسلاميين بالسلطة وارتفعت أسهم الليبراليين والعلمانيين، فاندع الاسلاميين المتشددين الى السلاح مجدداً في ليبيا ومصر وازداد نشاطهم في تونس، فمن المستفيد؟.

في خضم التوتر وشيوع السلاح تمكن تنظيم داعش من السيطرة على مدينة درنة الساحلية شمال شرق ليبيا والقريبة من الحدود المصرية الى جانب كونها تبعد نحو ثلاثمئة كيلومتر عن شواطئ اوروبا.

ويشكل هذا التواجد تهديدا لأمن ليبيا والدول المجاورة لها، وسط تساؤلات حول مسؤولية الغرب عن تنامي ظاهرة الارهاب في المنطقة.

مشهد يشبه رتل السيارات المحملة بمسلحي جماعة داعش اثناء سيطرتهم على مدينة الموصل في شمال العراق، الا انه رتل للجماعة في مدينة درنة شمال شرق ليبيا بعد ان تمكنت داعش من السيطرة عليها.

ولداعش على أطراف المدينة وفي الجبال المحيطة بها ستة معسكرات لتدريب المتطوعين، وأضحى ملعب كرة القدم في درنة التي يبلغ عدد سكانها نحو مئة ألف نسمة، ساحة لتنفيذ الإعدامات بطريقة قطع الرؤوس التي تعد ماركة مميزة للجماعة اينما حلوا.

وتقول مصادر ليبية ان الجماعة استغلت الفوضى السياسية في البلاد وتقوم بالتوسع غربا على امتداد الشواطئ الشمالية.

ويرى الكثير من الخبراء ان الغرب مسؤول عن تنامي معاقل الارهاب في شرق ليبيا وان الارهاب لم يعد يهدد امن ليبيا والبلدان المجاورة لها فحسب وانما أصبح بمثابة سفن مفخخة قد تتوجه في اي وقت باتجاه سواحل الدول الاوروبية.

على الصعيد الاقليمي يرى خبراء عسكريون مصريون بينهم اللواء طلعت موسى ان وجود عناصر داعش في ليبيا مع عدم سيطرة الحكومة المركزية على الأوضاع، يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، الا ان المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا اللواء محمود خلف، أكد أن الجيش المصري الذي يملك مليون وثلاثمائة عنصر، لا يشغله مئات أو آلاف ممن وصفهم بالمرتزقة.

وقال مصدر أمني جزائري، إن اجهزة الأمن في تونس، ومصر والجزائر تم استنفارها بالفعل لمتابعة عمليات تدفق المقاتلين إلى ليبيا، وتعني المعطيات الجديدة أن ليبيا ستشهد مواجهات بين "داعش" وباقي دول العالم.

وتذكر تقارير ان مسلحين من عشر دول عربية وأفريقية وغربية يتدفقون بشكل يومي إلى ليبيا عبر تونس وعبر الصحراء، قادمين من موريتانيا ومالي والنيجر، وان ثلاثمئة من عناصر داعش في درنة هم ممن كانوا يقاتلون في العراق وسوريا، وان هناك اسباب عديدة لتجمعهم في ليبيا منها التضييق الشديد المفروض على تدفق المتطوعين في المنافذ التي تربط العراق وسوريا بباقي العالم، وتوفر السلاح بكميات كبيرة في ليبيا.

كما انتشرت دعوات للنفير إلى ليبيا والانضمام الى داعش عبر مواقع التواصل الاجتماعي، واللافت ان بعض الشباب المصري قد أعلن بالفعل انضمامه او استعداده للانضمام إلى الولاية التي تشكلت لداعش في ليبيا.

ففي أواخر 2013 عاد شابان تونسيان من معسكر للمتشددين في ليبيا وخططا لتفجير نفسيهما وسط سائحين أجانب.

حاولا فكان مصيرهما الفشل الذريع اذ لم تنفجر قنبلة بسبب عطل بينما لم تقتل الأخرى سوى المهاجم على رمال منتجع سوسة التونسي.

وبعد ذلك بعامين نجح ثلاثة آخرون من المتشددين التونسيين الذين تلقوا تدريبا في ليبيا في إراقة الدماء مرتين فصلت بينهما بضعة أشهر في سوسة والعاصمة تونس فقتلوا 60 شخصا جلهم من السائحين في هجومين هما الأكثر دموية في تاريخ البلاد.

وبعد أن حظيت تونس بالإشادة باعتبارها صاحبة التجربة الوحيدة الناجحة بين الدول التي شهدت موجة "الربيع العربي" تجد الآن نفسها وديمقراطيتها الوليدة تحت حصار توسع المتشددين في شمال أفريقيا حيث يعيد متشددون اتجهوا للتطرف داخل تونس وتدربوا في ليبيا تصدير فكرهم العنيف إلى الوطن.

لكن الواضح هو التهديد الذي يحدق بتونس من ملاذ المتشددين على الجانب الآخر من الحدود في ليبيا المضطربة والخلايا النائمة ومسؤولي تجنيد المتطرفين بالداخل.

يقول كمال الجندوبي المسؤول في خلية الأزمة والاتصال في هجوم سوسة "انها حرب ضد تونس.. ليست حربا ضد السياحة او الاقتصاد فقط بل هي حرب ضد الديمقراطية في تونس".

وبفضل الحريات التي حصل عليها التونسيون بعد سقوط بن علي أصبح للسلفيين والإسلاميين المتطرفين صوت في أكثر دول العالم العربي تمسكا بالعلمانية. تحول البعض الى العنف واتجهوا للعمل السري.

وظهرت علامات واضحة على صعود التشدد منذ فترة، ويقول مسؤولون حكوميون إن أكثر من ثلاثة آلاف تونسي يقاتلون الآن في سوريا والعراق كما أن عدد المقاتلين من تونس في ليبيا مع المجموعات الإسلامية المتشددة في ازدياد. وتوعد بعض المقاتلين بالعودة الى بلادهم وشن هجمات، وقال السبسي الرئيس التونسي في كلمة بثها التلفزيون الرسمي هذا الأسبوع لإعلان حالة الطوارئ "الإرهابيون نزلوا لأول مرة للمدن في هجوم باردو.. كنا نعتقد أنها المرة الأولى والاخيرة ولكن هجوم سوسة كان كارثة كبرى."

وأضاف "لو تحصل هجمات مثلما حصل في تونس فإني أقولها بوضوح إن الدولة ستنهار"، ويقول مسؤولون تونسيون ومصادر أجنبية إن المهاجمين في باردو وسوسة تدربوا في نفس الوقت في معسكر جهادي بليبيا قريب من صبراتة وهي بلدة على مسافة غير بعيدة عن الحدود مع تونس في منطقة تشيع فيها ممارسات التهريب.

وقال مصدر أمني تونسي "ليبيا هي مشكلتنا. إذا استقرت الاوضاع الامنية في ليبيا وتوصلوا الى حل سياسي وحكومة واحدة وجيش واحد قوي فتونس ستكون آمنة. كل الهجمات الان يتم الاعداد لها في ليبيا."

وحتى قبل مهاجمة متحف باردو تردد أن العديد من كبار القادة المتطرفين بشمال أفريقيا موجودون في ليبيا وبينهم الجزائري مختار بلمختار العضو القديم في تنظيم القاعدة الذي خطط لاحتجاز رهائن في حقل عين أميناس للغاز في الجزائر وهي العملية التي قتل فيها 67 شخصا على الأقل.

ويقول مسؤولون تونسيون إن أعضاء بارزين في مجموعة أبو عياض انتقلوا من تونس للعيش في ليبيا وبالأخص في صبراتة.

وتحمل السلطات التونسية مجموعة أبو عياض المسؤولية عن هجوم سوسة وتتهم جماعة محلية أخرى لها صلات بالخارج بالمسؤولية عن هجوم متحف باردو. هذه الجماعة هي كتيبة عقبة بن نافع المرتبطة بتنظيم القاعدة والتي خاضت معارك محدودة ضد قوات الأمن التونسية على الحدود الجزائرية.

ومع صعود تنظيم "داعش" الذي أعلن قيام خلافة في سوريا والعراق العام الماضي أصبح تعقب ولاءات الجماعات المتشددة أكثر صعوبة.

وقال جيف بورتر الخبير بشؤون شمال أفريقيا بمركز وست بوينت لمكافحة الإرهاب "المشهد الجهادي في ليبيا وتونس مائع للغاية، وأضاف "ما يحدد انضمام شخص لهذه المجموعة أو تلك ليس موالاته لقيادة داعش أو القاعدة بل احتمالات أن يتمكن من التدريب من أجل الجهاد وتنفيذ هجمات."

ويقاتل متشددون تونسيون تحت راية الدولة الإسلامية في بنغازي وسرت. ويقول سكان محليون إن أحد هؤلاء التونسيين كان قائدا بارزا بالتنظيم المتشدد في درنة التي كانت معقلا لتنظيم الدولة الإسلامية بليبيا قبل أن يجبره مقاتلون إسلاميون منافسون على الانسحاب منها.

لكن على الرغم من أن المسؤولين التونسيين يشيرون بأصبع الاتهام الى الجانب الآخر من الحدود فإن تجنيد العناصر الجديدة للجماعات الإسلامية المتشددة يبدأ في الداخل حيث وجد الأئمة المتشددون والقائمون على عمليات التجنيد عبر الانترنت أرضا خصبة لهم.

فقد كان الرزقي (الذي نفذ هجوم سوسة) على اتصال بجهاديين عبر الانترنت لكنه كان يتردد أيضا على مسجد غير مرخص له في مدينة القيروان التي كان يدرس بها وفق ما ذكرته مصادر أمنية تونسية. وتشبع المسلحان اللذان نفذا هجوم باردو بالفكر المتطرف أيضا في مساجد محلية.

وخلال الاضطرابات التي سادت في الأيام الأولى للثورة هيمن أئمة متشددون على المساجد والمدارس الدينية لينشروا رسائلهم المتشددة. وفي الآونة الأخيرة فقط استعادت الحكومة السيطرة وحظرت عمل مثل هؤلاء الوعاظ.

في تونس أيضا قال رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد، أمس الثلاثاء، إن بلاده بدأت في بناء جدار وخندق على طول الحدود مع ليبيا ضمن خطط لوقف تسلل الجهاديين من ليبيا الغارقة في الفوضى إلى بلاده بعد هجوم دموي على منتجع سياحي خلف عشرات القتلى الشهر الماضي، وقال رئيس الوزراء في مقابلة مع التلفزيون الحكومي "بدأنا في بناء جدار رملي وحفر خندق على الحدود مع ليبيا. الجدار سيكون على طول 168 كيلومترا وسيكون جاهزا في نهاية 2015.، وأضاف الصيد أن اقامة جدار على الحدود مع ليبيا يهدف لوقف تسلل الجهاديين من ليبيا مضيفا قوله "ليبيا أصبحت معضلة كبرى"، وتسعى تونس لضبط حدودها مع ليبيا مع تزايد نفوذ تنظيم "داعش" في عدة مناطق في ليبيا. ويتدفق مئات الجهاديين التونسيين للتدرب في معسكرات في ليبيا وتخشى تونس أن يعودوا لتنفيذ هجمات أخرى في بلدهم مماثلة لهجومي باردو وسوسة، وكشف الصيد أن بلاده تدرس أيضا إقامة حواجز الكترونية على الحدود مع ليبيا رغم تكلفتها الباهظة مضيفا أن تونس تدرس مع شركائها تمويل تلك الحواجز.

فهل تساهم اجراءات الحدود التونسية من الحد من عبور الفكر المتشدد؟ والعشرات من الجوامع والكتاتيب تعد الشباب فكريا ليكون مفخخين بالمستقبل، وكيف تساهم الدول المغاربية الاخرى في الحد من التطرف لاسيما وأكثر المتشددين هم من المغرب العربي؟.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0