عندما سئل الدكتور عبدالله النفيسي استاذ العلوم السياسية وعضو البرلمان عن التغيير الذي حصل في العقلية الكويتية ما قبل الغزو العراقي وما بعده؟ فاجاب النفيسي بكل احباط: لم يتغير شيء.

عقلية السلطة ذاتها وعقلية الشعب كذلك، الاخطاء التي تسببت بالغزو هي ذاتها بقيت بعد التحرير، باقية وتتجذر، وهناك صراع على المكاسب فقط، والكلام للنفيسي.

يبدو أن هذه هي حال الدول العربية، فالعراق الذي غزا الكويت بجيوشه الجرارة عام ١٩٩١ بأخطاء ارتكبها صدام حسين ونظامه فضلًا عن أخطاء الأنظمة العربية نفسها، تعرض (العراق) للغزو من جماعات إرهابية صغيرة عام ٢٠١٤.

فقبل سبع سنين كان العراق يعيش أكبر فوضى وحالة رعب وانهيار لقوته العسكرية والاقتصادية وبنيته الإدارية والاجتماعية، قد نبالغ إذا قلنا أن الغزو الداعشي لمناطق غرب العراق يشبه الغزو الصدامي للكويت، لكننا لا نبالغ اذا قلنا ان العراق كان يعيش أكبر كابوس له منذ سقوط نظام صدام.

تلك الأيام يتذكرها العالم أجمع كيف استعرضت الجماعات الارهابية بالدبابات الأميركية وسط ساحات مدينة الموصل، بعد استيلائها على مخازن أسلحة الجيش العراقي.

التفاصيل معروفة للقارئ العراقي والعربي والأجنبي، ولست بصدد سردها الآن، اقفز إلى اللحظة الراهنة هل تغير شيء؟

هل ظروف ظهور داعش ما زالت قائمة؟

هل تم تعديل المسار الخاطيء أم تركناه على حاله وفتحنا مسارات جديدة زادت من تعقيد الحلول؟

أكثر عبارة قرأتها للكتاب والمحللين هي: ماذا بعد داعش؟ واليوم نعيش جولة ما بعد داعش، الحال معقد، المشكلات تتوالد، زيادة كبيرة في أعداد الشباب العاطلين عن العمل، وترهل في الجهاز الحكومي مع ضعف الأداء، المؤسسة الأمنية ضعيفة وغير قادرة على أداء دورها.

فوضى داخل الفوضى، مؤسسات أمنية متداخلة وتتصارع فيما بينها، والسياسة تعكس لهيبها على الأرض فتؤجج الشارع بلحظة واحدة، لا نعرف متى تستعرض الدبابات ومن كل الجهات.

مشهد استعراض الدبابة الأميركية بقيادة عنصر داعشي في الموصل لم تختفي حتى الآن من أذهان العراقيين، ومشاهد الاستعراضات المماثلة تجري بين مدة وأخرى بحجج لا أساس لها من المنطق، كل ما في الأمر أنها لجهات لا فوضوية إجرامية تفتقر للرؤية والاستراتيجيا.

لم تعترف حكوماتنا المتعاقبة على أن الوضع شديد الخطورة، لا سابقًا ولا اليوم، ولم تتعامل الحكومات المتعاقبة بحكمة معززة بالحزم، فهي إما حكومة انهزامية استستلامية، أو مغامرة بدون استراتيجية تضرب هذا وذاك بدون أي خطة.

نحن لا نسترجع حالة سقوط الموصل إلا من أجل الاستفادة من الدرس، وذلك نسترجع شريط المتهمين جميعًا، فالحكومة ليست وحدها المتهمة بجريمة ضياع الموصل والمحافظات الغربية.

التيارات السياسية هناك كانت تخضع للقرار الخارجي، وسياستها موجهة عن بعد، تقوم بتظاهرات واعتصامات، ثم يهرب القادة إلى دول الجوار بعد أن أفسحوا المجال لتنظيم داعش الإرهابي، ووصفوا اجتياح التنظيم بانه ثورة ضد الجيش الصفوي، وصعود أبو بكر البغدادي تحقيق لحلم العدالة المفقودة، أطلقوا شعار "قادمون يا بغداد"، ونشروا الرعب في العاصمة المتعبة من الحروب، ينتفض الشباب العراقي لصد "ثوار العشائر" أو داعش المتخفي تحت لباس الثورة.

كتبت العام الماضي عن المنظر المرعب لرايات داعش الذي يمكن مشاهدته من بغداد، وأصوات المدافع لا تتوقف ليلًا ونهارًا، إنها ساعة الامتحان الأصعب، الترقب والقلق صفة للرأي العام العراقي في ذلك الوقت، لكننا وبعد سبع سنين من الامتحان الأصعب فقدنا ذاكرتنا، لم نصلح الأخطاء الكارثية ولم نعترف بعد بالأطراف المتهمة بالخراب وهي:

المتهم الأول: الجماعات المتطرفة ومن انتمى لها بحجة غياب العدالة الحكومية، وشيوخ العشائر الذين لم يتورعوا في تبرير جريمة اشتراكهم في الثورة الداعشية، وكل من انتمى أو تعاطف مع داعش في بداية الأزمة وحتى الآن.

المتهم الثاني: الحكومة التي فشلت في توقع المستقبل ولم تتعامل بطريقة محترفة مع الأحداث منذ انطلاق التظاهرات في المناطق الغربية، واقتراب داعش من الحدود السورية، وعمليات اقتحام السجون، كل تلك الأحداث لم تدفع الحكومة لإصلاح الوضع، أو مصارحة الرأي العام بحقيقة ما يجري فاغلب تصريحاتها كانت تطمينية وأن ما يجري مسيطر عليه ولا يدعو للقلق.

المتهم الثالث: الدول العربية ووسائل إعلامها التي شوهت صورة الجيش العراقي، وشيطنته لدرجة أنها كانت تبرر عميات القتل التي يتعرض لها الجيش، ووصفته بأبشع الأوصاف، كما أن هناك وسائل إعلام عراقية كانت وما زالت تسير بنفس الاتجاه المعادي.

المتهم الرابع: الدول الغربية التي جلبت الجماعات المسلحة إلى سوريا للحرب ضد الحكومة السورية هناك، وانعكاس ذلك سلبيًا على الأوضاع الداخلية للعراق، وما نتج عنه من سهولة انتقال داعش من سوريا إلى المناطق الغربية في العراق.

هؤلاء ابرز المتهمين الذين شاركوا في اغتصاب الموصل، وضياع شباب العراق واراضيه وثروته المالية، وجهوده الحربية وتشريد مئات الآلاف من الأبرياء في المناطق الغربية وتدمير بيوتهم.

إلا إننا ورغم كل ما حدث ما زلنا نراوح مكاننا فالداعشية السياسية ما تزال موجودة ومن كان يروج لداعش علنا وعبر وسائل الإعلام صار حليفًا سياسيًا لبعض الكتل السياسية التي قاتلت ضد داعش (وليتهم قدموا حلولًا بهذا التحالف سوى أنه تحالف انتهازي) ووسائل الإعلام الغربية والعربية تمارس تدخلًا بشعًا في شؤون القوات المسلحة العراقية، عبر التركيز على صنوف معينة من هذه القوات وتشويه سمعتها.

أما التدخل الخارجي فقد ازداد بشكل لا يمكن تصوره، وكل الأسباب التي جلبت داعش ما تزال موجودة، وفرص عودة الخراب أكبر من ذي قبل، ولأن الواقع لا يرحم فمن لم يفهم الدرس الأول قد لا يستفيد من الدرس الثاني، لأن الفوضى هي قرينة من لا يعترف ولا يريد الوصول إلى الحقائق بقدر ما يريد ترقيع الخلل بأفعال لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.

اضف تعليق