شهد الأسبوع الماضي اضطرابات مقلقة للعراقيين وخاصة لمن يعرفون حجم المخاطر التي تهدد البلد جراء انزلاقه في اتون صراع المحاور بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، وقد بينت تهديدات واشنطن المعلنة، وتحركات طهران الخفية حجم الانتهاكات التي تعرضت لها السيادة العراقية وصعوبة استعادتها خلال السنوات القادمة لا سيما وان الطرفين ما عاد لهما ذلك الحافز لبناء عراق قوي قادر على تامين مصالحه ومصالحهم على حد السواء.

صحف ووسائل اعلام عربية تتبعها الغربية بتقارير عن عزم واشنطن اغلاق سفارتها مترامية الأطراف في بغداد، بسبب استمرار هجمات الفصائل المسلحة ضدها، وعدم قدرة الحكومة على تنفيذ تعهداتها بشأن ايقافها بالحوار والطرق السلمية مع الفصائل المسلحة، ما دفع الولايات المتحدة الى ابراز ورقة الانسحاب النهائي وحرق ساحة الحرب على الجميع، بما فيهم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي المحسوب على المحور الأميركي.

فما بعد الانسحاب ليس كما قبله، لان واشنطن ستفعل جميع وسائلها العقابية تجاه العراق، وتعرف جيدا ان حكومة بغداد ستتحول الى رهينة بيد حلفاء طهران، ما يعني ان واشنطن وضعت كل خيارات الضغط على العراق بما فيها شن الهجمات الصاروخية ضد الفصائل المسلحة، وهو ما كشفته الصحافة الغربية التي قالت ان هناك 120 هدفا للقصف، وما يقلق واشنطن هو التكاثر البكتيري للفصائل بشكل يجعلها عصية على الإحصاء، وحتى المتابعة، ما يعني ان الحل الوحيد هو المواجهة العسكرية ولا يمكن لذلك ان يحدث والسفارة في بغداد.

الامر الآخر بالنسبة للأميركيين هو قناعتهم التامة بان الأسماء الجديدة ما هي الا انعكاس لحالتين: الأولى: عدم سيطرة الفصائل الحالية على مقاتليها وانسلاخ الجزء المتطرف منهم والذين يؤمنون بالحرب الشاملة ضد الوجود الأجنبي وهذا بحد ذاته تهديد للمصالح الأميركية في العراق. اما الثانية: فهي وجود حيلة بإعلان أسماء وهمية، بينما تقوم مجموعات صغيرة من الفصائل المعروفة من اجل ابعاد التهمة عنها وتجنب المواجهة المباشرة لا سيما وان الحرب مشتعلة ومن الممكن تعرض المقرات وحتى القادة للضربات الصاروخية كما حدث سابقا لعدد من المقرات العسكرية او استهداف القادة مثل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ورفيقه أبو مهدي المهندس نائب رئيس هيأة الحشد الشعبي.

والى الان لم تغلق السفارة الأميركية في بغداد، لكن خلال زوبعة التهديدات المتبادلة التقى القنصل الأميركي في أربيل روب ولر بمحافظ أربيل فرست صوفي من اجل تسريع عملية إنجاز مبنى القنصلية الاميركية في المحافظة، والتي تعد أكبر قنصلية لواشنطن في الشرق الأوسط، ما يعطي رسالة واضحة من غير تشويش بان واشنطن عازمة على فتح نافذة جديدة لها بعض ان ضاقت بها ارض بغداد وسفارتها الأكبر في العالم.

التهديد بالإغلاق وبناء قنصلية كبرى في أربيل يعني اننا امام سيناريوها مستقبلية غير مطمئنة لبغداد:

السيناريو الأول: غلق السفارة الأميركية في بغداد والتوجه نحو أربيل، وهذا يعني وضع العراق على قائمة الدول المارقة بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وتحديدا الدول التي تقف الى جانب الحلف الإيراني بحسناته وسيئاته، اي ان التعامل مع بغداد سيكون شبيها بالتعامل مع بيونغ يانغ كوريا الشمالية او دمشق بشار الأسد، وبغداد غير مستعدة لهكذا سيناريو.

السيناريو الثاني: استمرار واشنطن بالعمل في سفارتها في بغداد لكن وفق قواعد جديدة لعلاقتها مع بغداد من جهة والفصائل المسلحة من جهة ثانية، تتضمن نشر عدد اكبر من قواتها في السفارة واستقدام مضادات جوية وصواريخ واعتدة عسكرية، ما يحولها الى قاعدة عسكرية كبيرة في قلب العاصمة بغداد، لكنها محاصرة بين فكي الفصائل المسلحة خارج حدودها، ولا يحبذ الطرفان هذا السيناريو.

السيناريو الثالث: عقد هدنة مؤقتة بين واشنطن من جهة وحلفاء إيران من جهة ثانية برعاية اممية، وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحا لأنه الأقل تكلفة بالنسبة للجميع ويحقق للرئيس الأميركي تهدئة خلال الانتخابات التي تجري فعالياتها خلال هذه الايام، وبالفعل التقت ممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت مع رئيس اركان الحشد الشعبي عبد العزيز المحمداوي، اذ تشير التسريبات الى ان بلاسخارت تحمل مبادرة للتهدئة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3