التعايش السلمي هو ضرورة وحتمية اجتماعية لفرض الوئام والانسجام الاهلي بين مكونات وحيثيات النسيج الاجتماعي والبناء التحتي المجتمعي لأية دولة، كون انه لاتوجد دولة ما تعد نقية او صافية عرقيا او دينيا او مذهبيا او قوميا او اثنيا او غير ذلك، في تكوينها الديموغرافي وتضاريسها الاثنية اطلاقا، فلا بد من وجود اخلاط قومانية واعراق اصلية او هجينة او مهاجرة وتجمعات متعاكسة ومتضادة في الاصول الجندرية او الجذور الحضارية فمن غير المستغرب بمكان تعدد الاديان والمذاهب والاجناس والملل والنحل بتعدد الفيسفساء البشرية لهذه الدولة او تلك وتنوع مناخاتها الديموغرافية وتداخلها مناطقيا ومكانيا وجغرافيا ولا بد من وجود "آخر" مختلف يشارك الاخرين حياتهم ويشاركونه على اديم الوطن تشاركا سلميا.

ونعرف من خلال هذه المقدمة ان العراق لاينأى عن جميع دول العالم في اشكالية التعدد الحتمي وتنوع حيثيات نسيجه المجتمعي، فان التعايش السلمي هو ضرورة حتمية ايضا من ضرورات بناء المواطنية الصادقة لتحقيق الحد الادنى من مقاربات المواطنة وضرورة تفعيل آليات العقد الاجتماعي لتنظيم العلاقات وتراتب الانساق والوشائج مابين المواطنين أنفسهم وبينهم وبين الدولة وتحقيق الحد المقبول من التواشج ما بين المجتمع الاهلي من جهة والمجتمع السياسي من جهة اخرى.

الهويات الرئيسية او الفرعية خاصة منها تتعدد بتعدد المكونات وتنوعها واختلافها الاثني والديموغرافي والمناطقي والقوماني، والمتتبع المستقرئ للشأن العراقي يجد ان هناك تعددا واسعا للهويات الرئيسية منها والفرعية وتشعبا وتداخلا فيما بينها، وهناك هويات سياسية ومذهبية وعرقية وكتلوية ومناطقية وعشائرية واثنية متنوعة وغير ذلك، فالخارطة الديمغرافية العراقية تكتظّ بتنوع غريب لكنه ظل متعايشا على مدى تاريخ العراق بمراحله الحضارية والدولتية والحكوماتية.

وهذا التعايش هو من ساعد على جعل العراق في طليعة الدول التي تمتلك ارثا حضاريا مبكرا بل ان العراق هو صاحب الحضارة البكر على مستوى البشرية وهي حضارة اقترنت معها جميع الاوليات الحضارية كأول مجتمع مديني في التاريخ البشري، ووصولا الى تواريخ أكثر اقترابا نجد ان هذا التعايش السلمي ساعد على ازدهار الحضارة العربية والاسلامي وعلى كافة الصعد والى الان.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هو كيف يتحقق التعايش السلمي في ظل تعدد وتضادّ وتصارع وتشظي الهويات في مجتمع مثل المجتمع العراقي وفي بلد مثل العراق، مع الأخذ بنظر الاعتبار امتدادات بعض تلك الهويات وتفاعلها مع المحيط الجيوستراتيجي العراقي وارتباطها بالمحاور الخارجية والاقليمية ارتباطا عضويا ومصالحيا بالاستناد الى منظومة من الروابط التاريخية والمذهبية والقومية وقد يكون ارتباطا عاطفيا فقط؟

فقد كانت السنوات التي أعقبت التغيير بتداعياتها السيا/سوسيولوجية/الامنية الخطيرة امتحانا حقيقيا لمعرفة مناسيب بيانات التعايش السلمي الأهلي بين افراد المجتمع العراقي بكافة الوان طيفه وجميع مفاصل وهياكل فسيفسائه ذات التراكيب المتعددة والمتنوعة، اما المناكفات السياسية المحتدمة بين الفرقاء السياسيين فإنها تدعو الى التمييز بين تعايشين متباينين: الاول هو تعايش المجتمع الاهلي والثاني تعايش المجتمع السياسي.

فالتعايش الاول هو التعايش السلمي الاهلي فهو كان ولم يزل على درجة عالية من المقبولية في الانسجام والتآلف عكس "التعايش" السياسي الذي تنخرط في انساقه وحيثياته النخب السياسية بكافة اتجاهاتها وتموضعاتها الحزبوية والكتلوية واجندتها وبرامجها السياسية وارهاصاتها الايدلوجية فهو "تعايش" لايمتلك الحد الادنى من الانسجام والتناغم لأسباب تعود بمجملها الى الخلل التأسيسي البنيوي الذي تمأسست بموجبه العملية السياسية والى النمطية التوافقية والتشاركية التي على منوالها انتظمت تلك العملية فهو لم يكن تعايشا بالمعنى الحرفي للكلمة.

سيسيولوجيا لم يشهد العراق احتقانا اهليا حقيقيا ادى الى اندلاع حرب اهلية مدمرة ولأي سبب كان، كما حدث في اماكن كثيرة من العالم خاصة العالم الثالث المليء بالكثير من الالغام الديموغرافية والقنابل العرقية والدينية والمذهبية الموقوتة التي من الممكن ان تنفجر في اية لحظة اذا ماتوافرت العوامل التي تساعد على اشعال فتيل الازمات لاسيما مع وجود الفواعل الخارجية والبؤر الداخلية الحاضنة والمؤججة لها، وما يوغسلافيا السابقة وبروندي وراوندا الا امثلة يسيرة على عدم الانسجام الاهلي وعدم انجاز التعايش السلمي المبني على قواعد المواطنة الحقيقية، فضلا عن الانجرار وراء الاجندات الخارجية والمشبوهة التي تسهِّل عملية انزلاق وتورط الاطراف المتشنجة والمتخندقة في مستنقعات الحروب الاهلية والاصطراعات التي لايخرج منها اي طرف منتصرا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

17