(أ ف ب) - تحتل جدران اسمنتية مقاومة للانفجارات وأضواء ساطعة وحواجز أمنيّة مساحات كبيرة من كابول، في تباين شديد مع المنطقة الأمنية في بغداد حيث أدى انخفاض التوتر إلى إزالة الحواجز، تلخص قصة "المنطقتين الخضراوين" الطبيعة المتغيرة بشكل كبير للنزاع الأفغاني الذي غطت عليه لفترة طويلة الحرب في العراق حيث حوّلت مختلف الصراعات التي أعقبت الاطاحة بالرئيس صدام حسين في 2003 العاصمة إلى ساحة حرب.

ولكن بعد خسارة تنظيم الدولة الإسلامية مناطق سيطرته في سوريا والعراق، شهدت بغداد تراجعا كبيرا في أعمال العنف، وعادت المنطقة الخضراء وفتحت أبوابها لجميع العراقيين بعدما حرموا من دخولها على مدى 16 عاما، بعدما أصدرت السلطات قبل أشهر قليلة قرارا يسمح بالمرور عبر شوارعها لساعات محدودة من كل يوم.

ولكن الوضع ليس كذلك في وسط كابول التي كانت تُعرف بمدينة الحدائق، إذ باتت كتل إسمنتية تغلق شوارعها وجاداتها التي كانت تحيط بها الأشجار، فيما تواصل الجدران العالية المقاومة للتفجيرات توسعها، كما تتزايد الجواجز الأمنية التي تشل حركة السير وتسبب الضغط النفسي لسكان المدينة.

وبدأ توسيع المنطقة الخضراء بعد انفجار شاحنة مفخخة بالقرب منها في 2017 أدى إلى مقتل نحو 150 شخصا وإصابة المئات، فكان أكثر الهجمات دموية منذ الغزو الأميركي في 2001، وألحق التفجير أضرارا هائلة بالسفارة الألمانية المجاورة وغيرها من المباني، وأدى إلى تحطم زجاج المباني على بعد مئات الأمتار.

وبعد ذلك بفترة قصيرة، أعلن مسؤولون توسيع الطوق الحديدي المحيط بقلب المدينة، رغم اقرارهم بأنه من المستحيل ضبط جميع المداخل مع وجود أكثر من مئة طريق لدخول كابول، ويتعين الآن على الشاحنات التي تدخل كابول في طريقها إلى المنطقة، المرور بجهاز مسح جديد متطور بالقرب من المطار للتأكد من خلوها من المتفجرات، وفي أغلب الأوقات تنتظر هذه الشاحنات ساعات قبل أن تتمكن من مواصلة طريقها.

وازدادت زحمة السير مع إعلاق الزيد من قطاعات المطقة التي تضم بعض المحاور الرئيسية في العاصمة، ما يثير مخاوف أمنية متزايدة إذ يعمد منفذو عمليات التفجير إلى استهداف المناطق المكتظة في ساعات الذروة، ويتجنب الدبلوماسيون سلوك الطرقات بشكل متزايد، ويتنقلون بواسطة المروحيات، في حركة متواصلة في سماء المدينة، يضاف صخبها إلى هدير مولدات الكهرباء ليحرم شوارع المدينة من الهدوء الذي كانت تنعم به في الماضي.

ولا يسمح سوى لجزء صغير من السكان الأفغان بالدخول إلى المنطقة الخضراء حيث يتم فحص العربات مرة جديدة بواسطة أجهزة مسح، قبل أن يقوم حراس مسلحون بتفتيشها عند الحواجز الأمنية الكثيرة، يقول سائق سيارة الأجرة شير محمد (48 عاما) "آخر مرة دخلت فيها بسيارتي إلى تلك المنطقة كانت في عهد طالبان".

مدينة بشعة

المنطقة التي أنشأت في 2001 وتضم العديد من المقرات مثل مقر حلف شمال الأطلسي والقصر الرئاسي، تصنف بـ"الخضراء" باللغة الأمنية، فيما تصنف معظم المناطق الأخرى في المدينة بـ"الحمراء" بسبب مستويات التهديد المرتفعة فيها.

وفي السنوات التي تلت الغزو الأميركي للبلاد، ومع تدهور الوضع الأمني فيها، صعدت حركة طالبان ولاحقا تنظيم الدولة الإسلامية الهجمات على كابول.

وتراجعت الهجمات قليلا في الأشهر الأخيرة، وسط محادثات بين طالبان والولايات المتحدة بهدف انهاء النزاع المستمر منذ نحو 18 عاما، ولكن حتى لو حدث انفراج في هذه المحادثات، فسيبقى تهديد جماعات أخرى ماثلا، ويقول مسؤولون في كابول انهم ماضون قدما في خطط لتوسيع المنطقة الخضراء.

ويستهدف التوسيع خاصة الطرف الشمالي من المنطقة الخضراء بالقرب من المطار، والهدف النهائي هو إنشاء طريق جديد لدخول المنطقة، بحسب ما صرح مسؤولون أمنيون طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لوكالة فرانس برس.

وأقر المسؤولون بأن الخطط بدأت ببطء، موضحين أنه يجب تسوية وضع مساحات واسعة أولا ونقل مالكيها إلى منطقة جديدة، ورفض العديد من المسؤولين الرد على اسئلة فرانس برس بشأن تفاصيل المشروع بسبب مخاوف أمنية، ويأمل سكان كابول، الذين يجلسون في سياراتهم لفترات طويلة فيما تحلق فوق رؤوسهم المروحيات في تنقلاتها من وإلى المنطقة الخضراء، ألّا يستمر هذا الوضع للأبد، ويقول محمد "إذا فتحت المنطقة الخضراء مرة أخرى، فإن ذلك سيخفف بشكل كبير من ضغط الحركة المرورية في المدينة"، يتطلع شكر الله خان، احد سكان كابول، إلى اليوم الذي تفتح فيه المنطقة الخضراء "لعامة الناس وتزول فيه الجدران من المدينة"، وقال "أصبحت كابول مدينة بشعة .. يجب أن ينقلوا المنطقة الخضراء إلى أطراف المدينة".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0